الدكتور هاني الساعاتي: سلامة عمليات السمنة مسؤولية مشتركة.. ونسبة المضاعفات لا تتعدى 1%
الدكتور حسين البرناوي يطلق مبادرة (ABLS).. الفجوة ليست في مهارة الجراح بل في غياب وعي الطوارئ بمضاعفات السمنة
تُمثّل جراحات السمنة والعمليات الاستقلابية إحدى أهم الطفرات الطبية الحديثة لمواجهة تفاقم معدلات السمنة وما يرافقها من أمراض مزمنة، حيث تُعد إجراءات تصحيحية للأيض تفتح باب الشفاء المباشر لعديد من الحالات. ورغم النجاح الكبير لهذه الجراحات، يظل تساؤل الأمان وإدارة المخاطر هو الشاغل الأكبر للمرضى؛ إذ لا يتوقف نجاح العملية على المهارة داخل غرفة العمليات فحسب، بل يمتد ليشمل جاهزية المنظومة الصحية، والتزام المريض، والتكامل في تقديم الرعاية الممتدة. وخلف كواليس جراحات السمنة تلتقي الخليج الطبي مع أشهر استشاري جراحة السمنة والمناظير في مملكة البحرين الدكتور هاني الساعاتي والدكتور حسين البرناوي ونطرح عليهم تساؤل القراء كيف نجعل جراحات السمنة رحلة آمنة بلا مخاطر؟
مدى أمان عمليات السمنة والعوامل المؤثرة في نجاحها
بدأ الحوار الدكتور هاني الساعاتي مؤكدا أن جراحات السمنة والعمليات الاستقلابية أصبحت موضوعاً شائعاً محلياً وعالمياً، ويُعزى هذا الإقبال الكبير إلى ارتفاع معدلات السمنة وتغيير نمط الحياة غير الصحي. مشيرا إلى أن هذه الجراحات بمثابة إجراءات تصحيحية لعمليات الأيض، حيث تسهم بشكل فعال في الوصول إلى الوزن المثالي وعلاج العديد من الأمراض المصاحبة للسمنة؛ مثل السكري من النوع الثاني، ارتفاع ضغط الدم، الكوليسترول، الاختناق الليلي، تكيس المبايض، والعقم لدى الجنسين.
وذكر أن من أكثر هذه الجراحات انتشاراً عمليات تكميم المعدة، التحوير المصغر (ذو الوصلة الواحدة)، والتحوير الكلاسيكي.
هل تُعد عمليات السمنة آمنة؟
نعم، تُعد جراحات السمنة آمنة بوجه عام؛ إذ إن نسبة المضاعفات الرئيسية كالنزيف والتسريب لا تتعدى 1%. ومع ذلك، فإن فهم عوامل النجاح وإدارة مخاطر الجراحة يُعد أمراً أساسياً لضمان سلامة المريض.
وعن الركائز الأساسية لنجاح عمليات السمنة وأمانها ذكر الدكتور هاني: يتطلب تحقيق النتائج المرجوة وتقليل المخاطر مراعاة العوامل التالية:
1. خبرة الجراح وجاهزية المستشفى:
اختيار جراح متخصص وذي خبرة واسعة، إلى جانب إجراء العملية في مستشفى مجهز بكل التقنيات ووحدة عناية قصوى لمتابعة الحالات ذات الأوزان الكبيرة.
2. الفحوصات الدقيقة والتهيئة قبل العملية:
تساعد الفحوصات (مثل مناظير المعدة، فحوصات الدم الشاملة، وأشعة الكبد والمرارة) في تأكيد مستوى الأمان واختيار العملية الأنسب للمريض. كما أن اتباع المريض لبرنامج غذائي ودوائي قبل الجراحة لفقدان بضعة كيلوجرامات يقلل من مخاطر التخدير ويرفع فرص النجاح.
3. جودة الأدوات والأجهزة الطبية:
استخدام أدوات معتمدة دولياً (مثل الدباسات الحديثة وأجهزة التشريح الحراري) يلعب دوراً محورياً في تقليل فرص النزيف والتسريب أثناء فصل وتوصيل الأمعاء والمعدة.
4. المتابعة المحلية:
يفضل إجراء العملية في بلد إقامة المريض لسهولة المتابعة المستمرة.
وقسم الدكتور الساعاتي المضاعفات المحتملة إلى نوعين:
مضاعفات قريبة (في المرحلة الأولى): وتشمل النزيف، التسريب، ومخاطر التخدير والجلطات، خصوصاً أن مرضى السمنة هم أكثر عرضة لأمراض القلب.
مضاعفات بعيدة (على المدى الطويل):وتشمل الارتجاع المريئي، تقرحات الوصلات، والتضيق، بالإضافة إلى نقص الفيتامينات والحديد في حال عدم التزام المريض بالمكملات الغذائية.
وعن طرق الوقاية والحد من المخاطر أفاد بأنها تبدأ من الطبيب وتستكمل من المريض موضحا أن دور الطبيب يكمن في استخدام مسيلات الدم لتقليل مخاطر التجلطات (مدة أسبوعين إلى شهر)، وصرف أدوية تخفيض حموضة المعدة خلال الأشهر الثلاثة الأولى.
أما دور المريض فهناك بعض ممارسة تمارين التنفس بعد العملية لزيادة السعة الرئوية، والامتناع التام عن التدخين؛ حيث يُعد التدخين من أبرز عوامل الخطورة التي تزيد من احتمالية التقرحات، التسريب، وتضيق الوصلات.
واختتم الدكتور الساعاتي مشددا على أن سلامة عمليات السمنة هي مسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض؛ فبينما يعتمد الأمان على خبرة الجراح، جاهزية المستشفى، واستخدام أدوات عالية الجودة، يبقى التزام المريض بالتعليمات والتوجيهات قبل الجراحة وبعدها هو الحاسم في تحقيق أفضل النتائج بأمان تام.
البرناوي يفتح ملف المخاطر بشفافية
وفي هذا الصدد قال الدكتور حسين البرناوي استشاري جراحة مناظير، أؤمن بأن التزام الصمت أو الاكتفاء بعبارات عامة عن “نسب ضئيلة” لن يخدم أحداً. لهذا، سأفتح ملف المخاطر بشفافية علمية، ليس لتخويف المرضى، بل لتمكينهم بالمعرفة التي تحميهم، وتوجيه النظام الصحي نحو سد ثغراته.
أولاً: الحقائق المجردة – الجراحة آمنة، لكن الأمان ليس هبة وفقاً لأحدث السجلات الدولية (IFSO) والمراجعات المنهجية، يتراوح معدل الوفيات المرتبط بجراحات السمنة بين 0.03% و0.2% في المراكز المتخصصة، أي ما يعادل حالة واحدة إلى 3 حالات لكل 1000 مريض.
لكن هذا الرقم المنخفض لا يعني أن الخطر منعدم، بل يعني أنه مفهوم وقابل للقياس والتدبير. والأهم أن الدراسات طويلة الأمد تُظهر أن مرضى جراحات السمنة يتمتعون بانخفاض في معدل الوفيات الإجمالي بنسبة 30-50% مقارنة بنظرائهم غير الخاضعين للجراحة ممن يعانون السمنة المفرطة.
فخطر الاستمرار مع السمنة المفرطة أكبر بكثير من خطر الجراحة في البيئة المناسبة. لكن المشكلة الحقيقية ليست في العملية نفسها، بل في البيئة التي تُجرى فيها وجودة الرعاية المتاحة بعدها.
ثانياً: الأسباب الطبية للوفيات – ما الذي يقتل فعلاً؟
استناداً إلى الدراسات العلمية، تتلخص أسباب الوفيات المبكرة (خلال 90 يوماً) في خمس فئات رئيسية:
1. التسريب (Gastric Leak) – الخطر الأكثر شيوعاً: تسرب محتويات المعدة أو العصارات الهضمية من موقع القص أو التوصيل إلى تجويف البطن، مما يؤدي إلى التهاب الصفاق (البريتون).
2. الجلطات والانصمام الرئوي (VTE): مرضى السمنة معرضون بشكل خاص لتشكل الجلطات الوريدية، والتي قد تنتقل إلى الرئتين مسببة انسداداً مميتاً.
3. النزيف الداخلي: تمزق وعائي أثناء الجراحة أو بعدها، يؤدي إلى صدمة نزفية حادة.
4. مضاعفات التخدير: ارتباها بمتلازمة انقطاع النفس النومي وضيق التنفس، مما يرفع خطر اضطرابات النظم القلبية والفشل التنفسي.
5. العدوى والالتهابات: في غياب التدخل السريع، تتدهور العدوى الموضعية إلى تسمم دموي وفشل عضوي متعدّد.
السؤال الأعمق: لماذا تحدث هذه الوفيات رغم أن المعدلات العالمية منخفضة؟ في تحليلي، تنبع المضاعفات المميتة من ثلاثة منابع رئيسية، كثيراً ما تتداخل:
المنبع الأول: البيئة الجراحية غير المؤهلة – وهو العامل الأكثر ظهوراً في الحوادث التي تتصدر الأخبار؛ إذ إن السفر إلى الخارج لإجراء عمليات بتكلفة منخفضة يعني غالباً التضحية بمعايير الجودة الأساسية. المنبع الثاني: غياب «شبكة الأمان» الخطر لا ينتهي بخروج المريض من غرفة العمليات؛ فغياب التواصل مع الفريق الجراحي، وعدم توفر وحدة جراحية متخصصة لاستقبال المضاعفات - كلها عوامل تحول مضاعفة قابلة للعلاج إلى كارثة مميتة.
المنبع الثالث: خصائص المريض الصحية ذاتها – بعض المرضى يعانون من مشاكل صحية تترافق مع ارتفاع معدلات الوفيات نتيجة تراكم الأمراض المصاحبة كالتليف الكبدي، والأمراض القلبية، واضطرابات التنفس الشديدة أثناء النوم.
أسس الوقاية – كيف نجعل الجراحة آمنة قدر الإمكان؟
ليس كل مريض مرشحاً للجراحة في أي وقت. التقييم المسبق الشامل - نفسياً، وقلبياً، وتنفسياً، وكبدياً - هو الخط الدفاعي الأول. بعض الحالات تحتاج إلى تأجيل العملية حتى تحسين حالتها الصحية، أو إلى تحضير دوائي مسبق لتقليل الوزن والمخاطر.
اختيار المركز المتكامل، وليس الجراح فقط، المتابعة بعد الجراحة – الأيام الحاسمة، أكثر من 70% من الوفيات تحدث خلال الـ 90 يوماً الأولى. أي علامة تحذيرية - مثل الحمى، ألم البطن الشديد، التقيؤ المستمر، أو تسارع النبض - يجب أن تُؤخذ بجدية قصوى.
وعن سؤال كيف يمكن اكتشاف مضاعفات بعد الجراحة مبكرا مع محاولة إنقاذه بغض النظر عن موقعه الجغرافي؟
اقترح الدكتور البرناوي مبادرة شخصية، دعا فيها الهيئات الصحية الرسمية إلى تبنيها، إنشاء كورس «دعم الحياة المتقدم لجراحات السمنة» (Advanced Bariatric Life Support - ABLS)، على غرار نموذج ATLS (Advanced Trauma Life Support) الذي غيّر وجه الطب الطارئ العالمي.
الفكرة الأساسية تكمن في تطوير برنامج تدريبي موحد ومعتمد يستهدف أطباء الرعاية الأولية، وأطباء الطوارئ، وأطباء التخدير والعناية المركزة في المستشفيات العامة، لتزويدهم بالمهارات اللازمة للتعامل مع مريض جراحة السمنة.
محاور الكورس المقترحة:
1. التعرف المبكر على المضاعفات: تدريب عملي على تمييز العلامات التحذيرية الحقيقية (كالتسريب المبكر، الجلطات، والنزيف الخفي) من الأعراض «الطبيعية» المتوقعة بعد الجراحة.
2. خوارزميات التحويل السريع: بروتوكولات واضحة لكل طبيب في الطوارئ: متى يشك؟ متى يطلب الصورة الشعاعية؟ متى يتصل بجراح السمنة؟ ومتى يُقرر تحويل المريض فوراً دون انتظار أو تأخير إلى المركز المرجعي؟
3. إدارة المضاعفات الأولية في بيئة غير متخصصة: تدريب على الإجراءات المؤقتة (إعطاء السوائل، بدء المضادات الحيوية، وتأمين المجرى التنفسي في حال الانصمام الرئوي) لحين وصول المريض إلى اليد الجراحية الماهرة.
مبررات المبادرة:
تؤكد الدراسات أن التأخير في تشخيص التسريب هو العامل الأكثر تأثيراً على الوفيات؛ فالتسريب الذي يُكتشف خلال أول 24 ساعة يمكن السيطرة عليه بالمنظار أو بالتدخل البسيط، بينما التأخر إلى 48 ساعة يعني تحوله إلى إنتان بطني بمعدل وفيات يتجاوز 20% في بعض السلاسل.
العديد من الوفيات تحدث ليس لأن المضاعفة كانت “مستعصية”، بل لأن المريض وصل إلى طوارئ قبل أن يصل إلى الخبير. الفجوة ليست في المهارة الجراحية، بل في الوعي الطبي لدى الخطوط الأمامية.
هذا الكورس ليس رفاهية أكاديمية، بل هو استثمار استراتيجي في سلامة المريض بتكلفة منخفضة وعائد هائل. أنا على استعداد للمشاركة في وضع مادته العلمية، وأدعو زملائي من جمعيات جراحة السمنة إلى تبني هذه الفكرة وتحويلها إلى برنامج وطني معتمد.
واختتم الدكتور البرناوي مشددا على أن جراحات السمنة ليست «نزهة جراحية»، بل هي تدخل جراحي كبير يحمل مخاطر مفهومة وقابلة للقياس، وتُدار وفق بروتوكولات مثبتة علمياً. والوفيات النادرة التي تهز الرأي العام لا تحدث لأن الجراحة «خطيرة»، بل لأن الجراحة أُجريت في بيئة غير مؤهلة، أو لأن المريض لم يُحول إلى الخبراء في الوقت المناسب.
وقدم الخلاصة في رسالة قصيرة قائلا:
للمريض، لا تخف من المشرط، ولكن افحص المنظومة التي ستُجرى فيها العملية. اسأل عن نسب المضاعفات، وعن خطة المتابعة، وعن جاهزية المركز لاستقبال الطوارئ.
ولطبيب الطوارئ والرعاية الأولية، عندما يأتيك مريض يعاني من ألم بطني أو حمى بعد جراحة سمنة، لا تستهن بالأمر. فكّر في التسريب، فكّر في الجلطة، واستشر جراح السمنة قبل أن يضيع الوقت الثمين.
للهيئات الصحية، أدعوكم بجدية إلى تبني مبادرة ABLS كمعيار وطني. الاستثمار في تدريب أطباء الطوارئ والرعاية الأولية هو أرخص وأكثر فعالية من علاج مضاعفة متأخرة أو فقدان حياة كان يمكن إنقاذها.
النظام الصحي المتكامل هو الضمانة الحقيقية لأمان الجراحة. فلنعمل معاً على سد الفجوات، ليس فقط في غرفة العمليات، بل في كل نقطة اتصال بين المريض والمنظومة الصحية. هذا هو معيار الجودة الذي يجب أن نسعى إليه جميعاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك