النجاح الحقيقي لا يقاس بالشهادات بل بقدراتنا على تحويل العلم إلى خدمة ملموسة للمرضى
أعدت أحدث خبرات الجراحة الروبوتية إلى البحرين
أسعى لنقل أحدث الممارسات والخبرات العالمية في جراحة أورام الرأس والرقبة والعنق
بعد سنوات من التدريب المكثف في أعرق المراكز الطبية العالمية، عادت استشارية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة أورام الرأس والعنق، الدكتورة جهاد حماد، إلى أرض الوطن حاملةً معها خبرات متقدمة في جراحة أورام الرأس والعنق والجراحة الروبوتية. تضع الدكتورة جهاد نصب عينيها هدفاً واضحاً ومحورياً يتمثل في تطوير الخدمات التخصصية في المملكة، وتعزيز برامج الاكتشاف المبكر، والمساهمة الفاعلة في إعداد جيل جديد من الكفاءات الوطنية الشابة في هذا التخصص الدقيق والبالغ الحساسية.
وحوار شامل مع الخليج الطبي، تسلط الضوء على محطات رحلتها العلمية والتحديات المهنية والشخصية التي واجهتها، إضافة إلى رؤيتها المستقبلية لتطوير هذا القطاع.
بدايةً، تزخر مسيرتكِ العلمية بالعديد من الزمالات الدولية المرموقة، كيف أسهمت هذه المحطات في صقل خبرتكِ وتشكيل رؤيتكِ الطبية؟
أؤمن بأن أي إنجاز مهني يبدأ من أساس متين، وبالنسبة إلي كانت البداية في مجمع السلمانية الطبي، حيث تلقيت تدريبي على يد نخبة من الاستشاريين البحرينيين المشهود لهم بالكفاءة والخبرة، وكان لهم الفضل بعد الله في بناء شخصيتي المهنية وتعليمي المبادئ الأساسية للممارسة الطبية والجراحية. تعلمت منهم أن الطبيب لا يُقاس فقط بمهارته في غرفة العمليات، بل أيضًا بأخلاقه، والتزامه، وقدرته على العمل بروح الفريق، ووضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار.
بعد ذلك سعيت إلى تطوير خبرتي من خلال الزمالات الدولية، فكانت البداية في الجامعة الوطنية الماليزية، حيث تدربت في أحد المراكز المتقدمة في جراحة أورام الرأس والعنق واكتسبت خبرة في الجراحات المعقدة والجراحات الروبوتية.
ثم انتقلت إلى كلية إمبريال لندن وهي محطة كنت أتطلع اليها منذ سنوات، لما تتمتع به من مكانة عالمية مرموقة وريادة في هذا التخصص الدقيق.
العمل في هذه المراكز أتاح لي الاطلاع على أحدث التقنيات العلاجية، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات تضم الجراحين وأطباء الأورام وأخصائيي الأشعة والباثولوجي وعلاج النطق والتغذية، وهو نموذج أثبت نجاحه في تحقيق أفضل النتائج للمرضى.
وأرى أن القيمة الحقيقية لهذه الرحلة ليست في الشهادات نفسها، وإنما في نقل المعرفة والخبرة إلى وطني، والمساهمة في تطوير الخدمات الصحية وتدريب الكوادر البحرينية الشابة.
جراحة أورام الرأس والعنق تُعد من أكثر التخصصات دقةً وتعقيدًا.. لماذا اخترتِ هذا المجال؟
لأن هذا التخصص يجمع بين أعلى درجات الدقة الجراحية وأعمق الجوانب الإنسانية.
فجراحة أورام الرأس والعنق لا تقتصر على إزالة الورم، وإنما تهدف أيضًا إلى المحافظة على وظائف تمثل أساس حياة الإنسان، مثل القدرة على الكلام والتنفس والبلع، إضافة إلى الحفاظ على المظهر الخارجي قدر الإمكان.
نحن نتعامل مع منطقة تحتوي على أعصاب وأوعية دموية وأعضاء بالغة الحساسية، ولذلك فإن كل قرار جراحي يحتاج إلى دراسة دقيقة وتخطيط متكامل.
كما أن كثيرًا من هذه العمليات تستغرق ساعات طويلة، وقد تمتد إلى عشر أو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر في بعض الحالات المعقدة، وتتطلب تركيزًا ذهنيًا وبدنيًا عاليًا طوال فترة الجراحة.
هذا التحدي العلمي، إلى جانب الأثر المباشر الذي يمكن أن نحدثه في حياة المريض، هو ما جذبني إلى هذا المجال. فنجاحنا لا يقاس فقط باستئصال الورم، بل بقدرة المريض بعد العلاج على العودة إلى أسرته وعمله وحياته الطبيعية بأفضل جودة حياة ممكنة.
حصلتِ على زمالة في الجراحة الروبوتية... كيف ترين مستقبل هذه التقنية؟
الجراحة الروبوتية تمثل أحد أهم التطورات الحديثة في جراحة الرأس والعنق، لأنها تمنح الجراح دقة أكبر ورؤية أوضح وإمكانية الوصول إلى مناطق يصعب التعامل معها بالطرق التقليدية.
وفي بعض الحالات المناسبة، يمكن أن تساعد على تقليل حجم الشقوق الجراحية، والمحافظة على الأنسجة السليمة، وتقليل فترة التعافي.
لكن من المهم التأكيد أن الروبوت لا يجري العملية، وإنما هو أداة متطورة بين يدي الجراح، ولذلك فإن نجاحها يعتمد أولًا على خبرة الجراح وحسن اختيار المريض.
وأتوقع أن يشهد هذا المجال تطورًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، وأتطلع إلى أن تكون البحرين جزءًا من هذا التطور من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة وتدريب الكفاءات الوطنية عليها.
بصفتكِ طبيبة وجراحة، ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال سنوات التدريب في الخارج؟
كانت مرحلة مليئة بالتحديات على المستويين المهني والشخصي.
فطبيعة تخصص جراحة الرأس والعنق تتطلب التزامًا استثنائيًا، إذ تمتد ساعات العمل أحيانًا إلى أكثر من ست عشرة ساعة بين العمليات والتدريب، إضافة إلى الحاجة إلى تركيز ذهني وجسدي مستمر. كما أن هذا التخصص لا يزال يغلب عليه وجود الأطباء الرجال في كثير من المراكز العالمية، وهو ما يجعل إثبات الكفاءة مسؤولية إضافية على أي طبيبة تختاره.
أما على المستوى الشخصي، فكان التحدي الأكبر هو الموازنة بين طموحي المهني ومسؤوليتي الأسرية. فأنا أم لأربعة أطفال، وخلال فترة الزمالة كنت بعيدة عن زوجي وأبنائي فترات طويلة، بالتزامن مع متطلبات التدريب المكثف واجتياز العديد من الامتحانات المهنية.
لم تكن تلك المرحلة سهلة، لكنها علمتني أن النجاح يحتاج إلى الصبر والانضباط، وأن وجود أسرة داعمة هو أحد أهم عوامل الاستمرار. وأشعر بالامتنان الكبير لزوجي وأطفالي، لأن دعمهم وتضحياتهم كانا جزءًا أساسيًا من هذه الرحلة.
ما النصيحة التي توجهينها الى الطبيبات الشابات والكوادر الطبية الطموحة؟
أنصح كل طبيب وطبيبة بأن يجعلوا التعلم المستمر أسلوب حياة. لا توجد تخصصات مستحيلة، وإنما توجد تحديات تحتاج إلى شغف وإصرار واستعداد للعمل الجاد. كما أنصحهم بالبحث عن التدريب الجيد، والاستفادة من الخبرات المحلية والعالمية، وعدم التردد في خوض التخصصات الدقيقة إذا كانت لديهم الرغبة الحقيقية.
وأؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس تطور أي نظام صحي، ولذلك أتمنى أن أرى المزيد من الكفاءات البحرينية تقود التخصصات الدقيقة وتمثل المملكة في المحافل العلمية الدولية.
ما هي تطلعاتكِ المستقبلية لتطوير جراحة الرأس والعنق في البحرين؟
أتطلع إلى تطوير خدمات جراحة الرأس والعنق في البحرين بما يواكب أفضل المراكز العالمية، من خلال تعزيز برامج الاكتشاف المبكر، وتوسيع الخدمات التخصصية، والاستفادة من التقنيات الحديثة مثل الجراحة الروبوتية والمناظير المتقدمة. كما أؤمن بأهمية بناء فرق طبية متكاملة تضم مختلف التخصصات، لأن أفضل النتائج تتحقق عندما يعمل الجميع ضمن منظومة واحدة تضع المريض في مركز الاهتمام. ومن أولوياتي أيضًا المساهمة في تدريب الأطباء البحرينيين، وتعزيز البحث العلمي، ونشر الوعي المجتمعي بأهمية الكشف المبكر عن أورام الرأس والعنق، لأن التشخيص المبكر لا يزيد فقط من فرص الشفاء، بل يقلل أيضًا من الحاجة إلى الجراحات المعقدة ويحافظ على جودة حياة المرضى.
وفي النهاية، أفتخر بأنني عدت إلى البحرين بعد سنوات من التدريب في مراكز عالمية، لأن هدفي منذ البداية كان أن أنقل ما تعلمته إلى وطني، وأن أكون جزءًا من مسيرة تطوير الخدمات الصحية، والمساهمة في إعداد جيل جديد من الأطباء البحرينيين القادرين على مواصلة هذا التطور. أؤمن بأن النجاح الحقيقي للطبيب لا يقاس بعدد الشهادات التي يحملها، وإنما بعدد المرضى الذين استطاع أن يمنحهم فرصة لحياة أفضل، وبقدرته على نقل المعرفة إلى الجيل القادم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك