تشير التقديرات والدراسات الإحصائية الأخيرة إلى تحول ملحوظ في المشهد الديموغرافي والطبي العالمي؛ حيث تسجل المراكز الصحية ارتفاعاً مستمراً في معدلات تأخر الحمل وضعف الخصوبة لدى النساء، لا سيما في الفئة العمرية ما بين 35 و40 عاماً. وبحسب النماذج العلمية الحديثة، يُتوقع أن يرتفع عدد النساء اللاتي يواجهن تحديات في الإنجاب عالمياً من نحو 54 مليون امرأة إلى نحو 80 مليون امرأة خلال السنوات القادمة.
فهل نعيش بالفعل أزمة خصوبة غير مسبوقة؟ وما هي العوامل البيولوجية والنمطية التي تقف خلف هذا التراجع؟
أكدت الدكتورة حفصة بوعركي استشاري أمراض النساء والولادة وتأخر الحمل، أن التقدم في العمر يظل العامل الحاسم والأساسي في القدرة الإنجابية للمرأة. وعلى عكس الرجال الذين ينتجون الحيوانات المنوية بشكل مستمر، تولد الأنثى برصيد محدد وخاص من البويضات يقل تدريجياً مع كل دورة شهرية.
وتتجسد العقبة البيولوجية بعد سن الخامسة والثلاثين في محورين رئيسيين: التراجع الكمي (مخزون المبيض) :حيث تتسارع وتيرة استنزاف البويضات المتبقية بشكل ملحوظ.
التراجع الكيفي) جودة البويضات(: تزداد احتمالية حدوث اختلالات كروموسومية في البويضات المتبقية، ما يقلل من فرص حدوث الحمل ويضاعف نسب الإجهاض المبكر، فضلاً عن زيادة فرص ظهور المشكلات العضوية كالألياف الرحمية وبطانة الرحم المهاجرة.
وأضافت، إلى جانب العامل البيولوجي الحتمي، حيث ان نمط الحياة السريع يلقي بظلاله الثقيلة على الصحة الإنجابية:
التوتر المزمن: يؤدي الارتفاع المستمر في هرمونات الإجهاد (مثل الكورتيزول) إلى اضطراب المحور الهرموني المنظم للتبويض.
السمنة والنظام الغذائي: ترتبط زيادة الوزن بمقاومة الإنسولين واضطرابات مثل متلازمة المبيض المتعدد التكيسات (PCOS)، مما يؤثر سلباً على جودة البويضة وتنسيق التبويض.
الملوثات البيئية: يُعد التعرض اليومي للمواد الكيميائية المنظمة للهرمونات (الموجودة في البلاستيك والمصانع) أحد العوامل الخفية التي تؤثر على الوظيفة المبيضية.
وأشارت الدكتورة حفصة، تُفرّق الأدبيات الطبية بشكل واضح بين نوعين من التحديات الإنجابية:
العقم الجيني والعضوي: ينجم عن تشوهات خلقية، أو انسداد في قنوات فالوب، أو أمراض وراثية وبطانة الرحم المهاجرة. ويظهر هذا النوع غالباً في سن مبكرة ويحتاج إلى تدخلات جراحية أو علاجية المسبب المباشر.
تأخر الإنجاب المرتبط بالسن: ينتج أساساً عن القرار الاجتماعي أو الاقتصادي بتأخير سن الزواج والإنجاب، حيث يعود السبب هنا إلى التراجع البيولوجي الطبيعي للمخزون والجودة، ويتطلب عادة الاستعانة بتقنيات الإخصاب المساعد.
ولفتت إلى لحسن الحظ، الطب الحديث يوفر خيارات تشخيصية مبكرة ودقيقة للتقييم الشامل للخصوبة، وأبرزها:
1. تحليل هرمون مخزون المبيض (AMH) :يُجرى في أي وقت من الشهر لقياس الكثافة العددية المتبقية للبويضات.
2. السونار المهبلي (AFC): يجرى في بداية الدورة الشهرية لحساب عدد الحويصلات النشطة في المبيضين.
3. الفحوصات الهرمونية (FSH, LH, E2) :لتقييم كفاءة التبويض والتوازن الهرموني في اليومين الثاني أو الثالث من الدورة.
4. فحوصات الغدة الدرقية وهرمون الحليب (Prolactin): نظرًا لتأثير اضطراباتها المباشر على انتظام التبويض واستقرار الحمل.
5. تقييم التجويف الرحمي والقنوات (HSG / SIS) :للتأكد من عدم وجود أي انسدادات أو تشوهات تمنع وصول الحيوان المنوي أو انغراس الجنين.
وقالت الدكتورة حفصة، على الرغم من التحديات المتزايدة، شهدت أبحاث وتقنيات الإخصاب خلال العقدين الماضيين قفزات علمية غير مسبوقة فتحت أبواب الأمل لآلاف الأسر:
أطفال الأنابيب (IVF) والتلقيح المجهري (ICSI) :تطورت البروتوكولات العلاجية لتصبح أكثر أماناً وتخصصاً، بينما أسهم الحقن المجهري في حل أصعب حالات ضعف الخصوبة لدى الرجال.
تجميد البويضات السريع (Vitrification) :أتاح حفظ البويضات بجودة عالية للمرأة الراغبة في تأخير الحمل لظروف شخصية أو قبل الخضوع لعلاجات طبية مكثفة.
الفحص الوراثي للأجنة (PGT) :أتاح الكشف عن الأمراض الوراثية والعيوب الكروموسومية قبل نقل الجنين إلى الرحم، ما رفع نسب النجاح وقلل حالات الإجهاض.
دخول الذكاء الاصطناعي:(AI) أصبحت الخوارزميات الذكية تُستخدم في اختيار أفضل الأجنة كفاءة وتحديد التوقيت الأمثل للنقل.
تؤكد هذه البيانات أن الارتفاع المسجل في أعداد حالات تأخر الحمل عالمياً يعود لامتزاج التغيرات الاجتماعية المعاصرة بالحقائق البيولوجية وتقدم أدوات التشخيص؛ وفي الوقت نفسه، تقف التقنيات الطبية الحديثة كخط دفاع متقدم يمنح الفرصة لمنح الحياة خيارات أوسع وأكثر أماناً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك