أكد الدكتور محمد بن فلاح، استشاري طب المخ والأعصاب بمستشفى الكندي، أن شهر سبتمبر من كل عام، الذي يشهد الاحتفاء باليوم العالمي لمرض ألزهايمر في الحادي والعشرين منه، يمثل مناسبة سنوية بالغة الأهمية لتعزيز الوعي باضطرابات الذاكرة، وتشجيع التشخيص المبكر، وإزالة الخوف والوصمة الاجتماعية التي لا تزال ترافق الخرف.
وأوضح د. بن فلاح أن النظرة الطبية والعلمية لمرض الزهايمر شهدت تطوراً جذرياً في السنوات الأخيرة؛ إذ لم يعد التشخيص يقتصر على ملاحظة ظاهرة النسيان وانتظار تفاقم الأعراض، بل دخل الطب عصراً جديداً يتيح رصد التغيرات البيولوجية المسببة للمرض في مراحلها الأولى، وتوفير علاجات حديثة تستهدف هذه التغيرات بشكل مباشر.
النسيان الذي يحتاج إلى تقييم طبي..
وشدد الدكتور محمد بن فلاح على ضرورة التفريق بين النسيان العابر وأعراض المرض، قائلاً: «ليس كل نسيان يُعد إصابة بمرض ألزهايمر؛ فمن الطبيعي إنسانياً أن ننسى اسماً أو موعداً بين الحين والآخر نتيجة الإجهاد البدني أو قلة النوم أو الضغوط النفسية. ولكن الأمر يصبح داعياً الى التقييم الطبي المتخصص عندما يكون النسيان متكرراً ومتزايداً ويبدأ في التأثير المباشر على تفاصيل الحياة اليومية، مثل تكرار السؤال نفسه، ونسيان المحادثات والأحداث القريبة، والضياع في أماكن مألوفة، ومواجهة صعوبة غير معهودة في إدارة الحسابات المالية أو تنظيم الأدوية والمواعيد، أو تراجع القدرة على أداء مهام كان الشخص يتقنها سابقاً».
ولفت إلى أن بعض حالات ضعف الذاكرة قد تعود الى أسباب صحية أخرى قابلة للعلاج والشفاء، كالاكتئاب، واضطرابات النوم، ونقص الفيتامينات، واضطرابات الغدة الدرقية، أو الآثار الجانبية لبعض الأدوية، ما يجعل المراجعة الطبية المبكرة خطوة مفصلية.
ثورة تشخيصية وتقنيات غير مسبوقة..
وحول التطورات التشخيصية، أشار د. بن فلاح إلى أن المجال التشخيصي شهد قفزة نوعية؛ حيث أصبح بالإمكان إلى جانب التقييم السريري واختبارات الذاكرة والتصوير بالرنين المغناطيسي البحث عن العلامات البيولوجية (Biomarkers) للمرض عبر تحليل السائل النخاعي لقياس بروتينات «الأميلويد» و«التاو»، إضافة إلى التصوير البوزيتروني المتخصص للدماغ (Amyloid PET وTau PET) لرصد تراكم البروتينات المرتبطة بالمرض.
وأضاف مستعرضاً أحدث المستجدات: إن التطور الأكثر إثارة وتأثيراً في السنوات الأخيرة هو ظهور فحوص الدم الحديثة التي تقيس المؤشرات البيولوجية مثل (p-tau217) ومؤشرات الأميلويد بدرجة عالية من الدقة، حتى أصبحت جزءاً من الممارسة التشخيصية المتخصصة. وفي عام 2025، اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أول فحص دم مساند لتشخيص الزهايمر لدى من يعانون من أعراض معرفية، وهو ما يمهد الطريق لجعل التشخيص أسهل وأسرع وأقل كلفة مستقبلاً مقارنة بالفحوصات الأكثر تعقيداً، شريطة عدم إجراء هذه التحاليل عشوائياً للأشخاص الأصحاء أو تفسيرها بمعزل عن التقييم الطبي المتكامل».
علاجات حديثة تغير مسار المرض
وعن المستجدات العلاجية، أوضح استشاري طب المخ والأعصاب أنه بعد عقود من الاقتصار على أدوية تخفيف الأعراض والحد من تسارعها — مثل دونبيزيل (Donepezil)، ريفاستيجمين (Rivastigmine)، جالانتامين (Galantamine)، وميمانتين (Memantine) التي لا تزال تحتفظ بأهميتها للمرضى المناسبين — شهد الطب ظهور علاجات مبتكرة تستهدف بروتين «بيتا أميلويد» المتراكم في الدماغ مباشرة، وفي مقدمتها: ليكانيماب (Lecanemab / Leqembi) ودونانيماب (Donanemab / Kisunla).
ونوه د. بن فلاح إلى ماهية هذه العلاجات قائلاً: «هذه العقاقير لا تؤدي إلى الشفاء التام ولا تعيد الذاكرة المفقودة، لكنها أثبتت في الدراسات السريرية قدرتها على إبطاء معدل التدهور المعرفي والوظيفي بدرجة متوسطة لدى فئات مختارة من المرضى في المراحل المبكرة. وتتطلب هذه العلاجات إثبات وجود الأميلويد وتقييماً دقيقاً ومتابعة دورية بالرنين المغناطيسي، وهو ما يعزز من أهمية التشخيص المبكر كونها تستهدف المراحل الأولى حصراً».
طرق حماية الذاكرة ودور الأسرة
وفيما يتعلق بالوقاية وصحة الدماغ، بيّن د. بن فلاح أنه رغم عدم وجود وسيلة تضمن الوقاية الكاملة حتى الآن، إلا أن هناك خطوات مثبتة تقلل من عوامل الخطورة، ملخصاً ذلك في قاعدة صحية مفادها: «ما يفيد القلب والأوعية الدموية يفيد الدماغ غالباً». وتشمل هذه الخطوات الضبط الدقيق لضغط الدم والسكر والكوليسترول، وممارسة الرياضة بانتظام، والامتناع عن التدخين والكحول، والحفاظ على وزن صحي، والنوم الجيد، وعلاج مشاكل السمع والبصر، والمواظبة على النشاط الاجتماعي والذهني.
كما تطرق إلى محورية دور العائلة، مشدداً على أن «مرض الزهايمر لا يؤثر على المريض وحده بل على الأسرة بأكملها. ومع تقدم المرض والتغيرات السلوكية التي قد تظهر، يجب على الأسرة إدراك أن التصرفات التي تبدو عناداً أو إهمالاً ليست مقصودة، بل هي ناتجة عن المرض نفسه. لذا فإن التزام الهدوء، والحفاظ على الروتين اليومي، وتبسيط التعليمات، واحترام كرامة المريض واستقلاليته هي ركائز الرعاية الأساسية، بالتوازي مع الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية لمقدِّم الرعاية».
واختتم الدكتور محمد بن فلاح تصريحه برسالة توعوية قائلاً: «التشخيص المبكر ليس حكماً، بل هو فرصة حقيقية للعلاج والتخطيط وإدارة عوامل الخطورة. إن السنوات الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة في دقة التشخيص ودخول فحوصات الدم للممارسة الطبية وظهور علاجات تستهدف آليات المرض ذاته. قد يفقد الإنسان بعض ذكرياته، لكنه لا يفقد قيمته ولا كرامته الإنسانية، ومسؤوليتنا جميعاً لا تبدأ بالعلاج فقط، بل بالتفهم، والتشخيص المبكر، والصبر، والرحمة».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك