أكدت د. مريم فدا، استشارية الجينات والوراثة وتحليل جينات الأجنة قبل الغرس بمستشفى الكندي، أن شهر أكتوبر من كل عام يأتي متوشحاً باللون الوردي ليوقظ فينا وعياً عالمياً متجدداً بأهمية المعركة المستمرة ضد سرطان الثدي. وأشارت إلى أنه إذا كان الشريط الوردي يرمز على مر السنين للتضامن والأمل، فإن التوعية الحقيقية والمستدامة تبدأ حتماً من الفهم العميق والواعي للطبيعة العلمية لهذا المرض. ولعل أحد أبرز التحولات الجوهرية في الطب الحديث هو إدراكنا التام بأن السرطان، في جوهره الحقيقي، هو مرض جيني؛ أي أنه ناتج عن خلل دقيق يصيب المخطط الوراثي الأساسي لخلايا الجسم.
السرطان كمرض جيني.. ما بين الطفرات العشوائية والمورثة
أوضحت د. مريم فدا أن أنواع السرطان كافة تنشأ نتيجة طفرات أو تغيرات بيولوجية تطرأ على الحمض النووي (DNA)، وهو الجزيء المسؤول عن تنظيم نمو الخلايا وتوجيهها نحو الموت الطبيعي المنضبط (Apoptosis). وحين تصاب هذه الجينات بالخلل، تفقد الخلايا سيطرتها وتبدأ في الانقسام العشوائي والمتسارع لتشكل في نهاية المطاف كتلة من الأورام.
ومع ذلك، أكدت ضرورة وجود تمييز علمي بالغ الأهمية يجب أن ندركه جيداً، ليس كل سرطان جيني هو بالضرورة سرطان وراثي. فالغالبية العظمى من حالات سرطان الثدي، التي تقدر بنحو 90%، هي حالات متفرقة وعشوائية، تحدث نتيجة طفرات تكتسبها الخلايا تدريجياً على مدار حياة الإنسان، متأثرة بالتقدم الطبيعي في العمر أو العوامل البيئية ونمط الحياة اليومي.
في المقابل، تتراوح نسبة حالات سرطان الثدي الوراثية الصرفة بين 5% و10%. وتحدث هذه الحالات عندما يرث الشخص طفرة جينية مباشرة من أحد الأبوين. ولأن هذه الطفرة تكون موجودة مسبقاً في جميع خلايا الجسم منذ الولادة، فإنها ترفع احتمالية الإصابة بسرطان الثدي والمبايض بشكل ملحوظ ومضاعف مقارنة بعامة الناس.
أهمية الفحص الجيني وقراءة التاريخ العائلي
وشددت د. مريم، على أنه بالنسبة الى الأشخاص الذين يحملون تاريخاً عائلياً قوياً للمرض، فإن المعرفة هنا تمثل خط الدفاع الأول والدرع الواقي. ويُقصد بالتاريخ العائلي القوي: إصابة عدة أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية بسرطان الثدي أو المبيض، أو تشخيص المرض في سن مبكرة (أي دون سن الخمسين)، أو حتى إصابة أحد الذكور في العائلة بسرطان الثدي أو البروستات، وهي إشارة تنبيهية لا يجب تجاهلها.
وفي مثل هذه الظروف، يتحول الفحص الجيني إلى أداة طبية بالغة الأهمية وقادرة على تغيير مجرى حياة الإنسان. ويُجرى هذا الفحص عبر عينة بسيطة من الدم أو اللعاب لتحليل الجينات بدقة وتحديد وجود أي طفرات كامنة ترفع نسبة الخطورة. إن اكتشاف الطفرة الجينية مبكراً وقبل ظهور أي علامات للمرض يمنح الشخص وفريقه المعالج القدرة الفائقة على استباق الأحداث وتغيير المسار العلاجي؛ فبدلاً من الانتظار السلبي لظهور الورم، تفتح الخيارات الاستباقية أبواب أمان واسعة، مثل: الفحص الدوري المكثف بأشعة الرنين المغناطيسي (MRI) في سن مبكرة، أو اللجوء الى الجراحات الاحترازية والوقائية لتقليل المخاطر إلى أدنى حد ممكن.
جينات رئيسية مرتبطة بسرطان الثدي
وبيّنت أن عائلة جينات BRCA1 وBRCA2 (المعروفة شائعاً بجينات سرطان الثدي) تُعد أشهر المنظومات الوراثية المرتبطة بالمرض. في حالتها الطبيعية السليمة، تعمل هذه الجينات كفِرق عمل متخصصة في «تصحيح» الأخطاء الحتمية في الحمض النووي لحماية الجسم من الأورام. ولكن عند حدوث طفرة معطلة فيها، تفقد الخلايا قدرتها الذاتية على الإصلاح، ما يرفع احتمالية الإصابة بسرطان الثدي لتصل إلى معدلات مقلقة تتراوح بين 70% و80% بحلول سن الثمانين.
وإلى جانب عائلة BRCA، تكشف التقنيات المخبرية الحديثة عن جينات أخرى ذات تأثير محوري لا يقل أهمية، نذكر منها:
• جين PALB2: يعمل بتناغم وتنسيق وثيق مع جين BRCA2 لإصلاح الحمض النووي، وتؤدي طفراته إلى رفع احتمالية الإصابة بشكل ملحوظ.
• جين TP53: الذي يُعرف إعلامياً وعلمياً بـ«حارس المجموع المورثي»، حيث تؤدي الطفرات فيه إلى متلازمات وراثية ترفع مخاطر الإصابة بعدة سرطانات، من ضمنها سرطان الثدي المبكر.
• جينا CHEK2 وATM: وهما جينات ذات خطورة متوسطة تشارك بفعالية في استجابة خلايا الجسم للتلف الجيني، ويؤدي وجود خلل فيها إلى مضاعفة احتمالية الإصابة.
مستقبلات خلايا سرطان الثدي (ER, PR, HER2) ومحورية العلاج
وأضافت الدكتورة مريم، أنه عند تشخيص الإصابة بسرطان الثدي، لا يكتفي الطبيب أو الاستشاري بتأكيد وجود الورم فحسب، بل يعمد إلى تشريح خصائصه الحيوية بدقة عبر فحص ثلاثة مستقبلات رئيسية تمثل في عملها «مفاتيح التغذية» التي يعتمد عليها الورم للنمو:
1. مستقبلات الإستروجين (ER) والبروجستيرون (PR): وهي مستقبلات هرمونية بحتة. إذا أظهر الفحص إيجابيتها، فهذا يعني بوضوح أن الخلايا السرطانية تستغل هرمونات الجسم الطبيعية لتتغذى وتتكاثر.
2. مستقبل البروتين (HER2): وهو بروتين مساهم في تحفيز نمو الخلايا وتكاثرها. عندما يكون الورم إيجابي الـ HER2، فهذا يدل على وجود فرط وتضخم في إنتاج هذا البروتين، ما يضفي على الورم صفة الشراسة والنمو السريع والانتشار.
وأوضحت أن تحديد الحالة الدقيقة لهذه المستقبلات يمثل حجر الأساس الذي تُبنى عليه خطة العلاج الموجه والحديث:
• فإذا كان الورم إيجابي الهرمونات (+ER/PR)، يتم الاعتماد على العلاجات الهرمونية (مثل عقار التاموكسيفين أو مثبطات الأروماتيز) لقطع الطريق أمام الهرمونات ومنع وصولها الى الخلايا السرطانية، وبالتالي تجويعها وإيقاف نموها.
• أما إذا كان الورم إيجابي البروتين (+HER2)، فتُستخدم علاجات موجهة ذكية (مثل التراستوزوماب أو ما يُعرف بالهرسيبتين) لترتبط مباشرة بهذا البروتين وتعطل نشاطه المدمر.
• وفي حال افتقار الورم للمستقبلات الثلاثة كاملة، يُصنف علمياً تحت مسمى «سرطان الثدي ثنائي السلبية» (TNBC). ولأنه لا يستجيب للعلاجات الهرمونية أو الموجهة لـ HER2، يتعامل الأطباء معه عبر بروتوكولات دقيقة تعتمد على العلاج الكيميائي التقليدي أو أحدث ما توصل إليه الطب من علاجات مناعية واعدة.
دعوة للعمل: الفحص المبكر يكتب قصة شفاء
واختتمت الدكتورة مريم حديثها بتوجيه دعوة للأمل والعمل قائلة: «في هذا الشهر الوردي، نود جميعاً أن ترتقي المعرفة العلمية لتكون مصدر قوة وطمأنينة مطلقة لا مبعثاً للقلق أو الخوف. فبفضل القفزات الهائلة التي يشهدها الطب الحديث في مجالات الإرشاد الجيني، والعلاجات الموجهة، وتقنيات التصوير المتقدمة، لم يعد تشخيص سرطان الثدي حكماً نهائياً، بل أصبح محطة وبداية لمعركة واضحة المعالم يمكن الانتصار فيها بحمد الله».
وأضافت: «يبقى الكشف المبكر هو السلاح الأقوى والأبقى الذي نملكه بين أيدينا؛ حيث تستطيع أشعة الماموجرام الدورية رصد أي تغيرات طفيفة في الأنسجة قبل سنوات طويلة من قدرة المريضة أو الطبيب على التحسس الفعلي للكتلة. إن الوعي الصحي الحقيقي هو الحجر الأساس للوقاية، والكشف المبكر هو طوق النجاة الذي ينقذ الأرواح».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك