يشهد عالم طب الأورام اليوم ثورة حقيقية ونقلة نوعية في منهجيات العلاج والتشخيص، حيث لم يعد العلاج يقتصر على الطرق التقليدية بل امتد ليدخل عصر «الطب الدقيق» المعتمد على الخصائص البيولوجية والجينية لكل ورم. لذا حاور «الخليج الطبي» الدكتور رائد مرجي استشاري الطب الباطني بمستشفى رويال البحرين لنتعرف على أحدث المستجدات والبروتوكولات الحديثة في علاج الأورام.
كيف أحدثت العلاجات المناعية والموجّهة ثورة في علاج السرطان مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي؟
- أهم ما تغيّر في وصف التحول الذي شهدناه في علاج السرطان، هو أننا لم نعد ننظر إلى اسم الورم ومكانه فقط؛ بل أصبحنا نسأل أيضاً: ما الخصائص البيولوجية التي تدفع هذا الورم إلى النمو، وهل توجد نقطة ضعف يمكن استهدافها؟ هذا التحول نقلنا خطوة كبيرة نحو ما نسميه الطب الدقيق.
لا يزال العلاج الكيميائي علاجاً أساسياً وفعالاً في أنواع كثيرة من السرطان، لكنه يؤثر في الخلايا سريعة الانقسام، بما فيها بعض الخلايا السليمة؛ ولهذا قد تصاحبه مشكلات مثل انخفاض تعداد الدم والغثيان وتساقط الشعر. أما العلاج الموجّه ويستهدف تغيّرات أو بروتينات معينة داخل الخلية السرطانية أو على سطحها. من الأمثلة التي غيّرت الممارسة اليومية أدوية HER2 لبعض أورام الثدي والمعدة، والعلاجات التي تستهدف تغيّرات EGFR في فئات محددة من مرضى سرطان الرئة.
وفي المقابل، يعمل العلاج المناعي على مساعدة جهاز المناعة في التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد انتقل من علاج بعض الأورام المتقدمة إلى الدخول في خطط العلاج قبل الجراحة أو بعدها لدى مرضى مختارين، مثل بعض حالات سرطان الرئة والثدي الثلاثي السلبي. كذلك ظهرت الأجسام المضادة المقترنة بالأدوية (ADCs)، وهي وسيلة تجمع بين دقة التعرف على هدف معين والقدرة على إيصال دواء قوي إلى الخلية السرطانية.
وهنالك شيء لا بد من توضيحه للمريض: العلاج الأحدث لا يعتبر العلاج الأفضل لكل حالة. فبعض الأورام لا تحمل هدفاً مناسباً، وبعض المرضى قد يتعرضون لمضاعفات مناعية أو آثار جانبية نوعية. لذلك أصبح فحص الأنسجة والمؤشرات الحيوية، وأحياناً التحليل الجيني الموسع للورم، خطوة محورية قبل القرار العلاجي. وفي حالات عديدة، تحقق أفضل النتائج بالجمع المدروس بين العلاج الكيميائي والعلاج الموجّه أو المناعي، وليس باستبدال أحدها بالآخر.
ما أحدث البروتوكولات لعلاج سرطان الثدي والأورام النسائية ورفع فرص الشفاء والحد من الانتكاسات؟
- من أبرز التطورات التي تستحق التوقف عندها في البحرين ما أُعلن في سبتمبر 2026 عن إجراء أول عملية لعلاج سرطان المبيض باستخدام تقنية العلاج الكيميائي الحراري داخل البطن، أو HIPEC، في مركز البحرين للأورام. وأهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في إدخال تقنية حديثة، بل في أنه يعكس تطور القدرة المحلية على إجراء جراحات أورام معقدة ضمن فريق متكامل يضم جراحي الأورام وأطباء الأورام والتخدير والعناية المركزة والتمريض المتخصص.
وفكرة HIPEC تقوم على أنه في حالات مختارة من سرطان المبيض المتقدم، وبعد إعطاء العلاج الكيميائي الأولي، تُجرى جراحة لاستئصال أكبر قدر ممكن من الورم، ثم يُعطى العلاج الكيميائي مباشرة داخل التجويف البطني أثناء العملية مع تسخينه عادة إلى نحو 40–42 درجة مئوية. الهدف هو زيادة تركيز العلاج في المنطقة التي يتركز فيها المرض مع تقليل التعرض الجهازي مقارنة بإعطاء الجرعة نفسها عبر الوريد.
لكن من المهم جداً التأكيد أن HIPEC ليست علاجاً مناسباً لكل مريضة، ولا تحل محل العلاج الكيميائي الجهازي المعتاد. فائدتها ترتبط باختيار المريضة المناسبة وفي التوقيت المناسب، وخصوصاً في بعض حالات الجراحة الفاصلة بعد العلاج الكيميائي الأولي. وقد أظهرت دراسة OVHIPEC-1 تحسناً في البقاء لدى المجموعة التي أضيف اليها HIPEC، حيث بلغ متوسط البقاء الكلي 45.7 شهراً مقابل 33.9 شهراً في المجموعة الأخرى. وهذه أرقام مهمة، لكنها تخص فئة محددة من المرضى ولا يجوز تعميمها على كل حالات سرطان المبيض.
ولهذا أرى أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في البحرين ليست فقط في نجاح إجراء العملية، وإنما في بناء الخبرة والقدرة على اختيار الحالات المناسبة وتنفيذ العلاج بأمان ومتابعة المرضى على المدى الطويل.
وبصورة أوسع، أصبح علاج الأورام النسائية وسرطان الثدي أكثر دقة وتخصيصاً من أي وقت مضى. نحن لم نعد نتعامل مع جميع المرضى وفق بروتوكول واحد، بل ننظر إلى خصائص الورم نفسه، والمرحلة، والعوامل الجينية والبيولوجية، ونبني الخطة بناء على ذلك.
في سرطان الثدي، أصبح هذا النهج واضحاً جداً. ففي الأورام الإيجابية للمستقبلات الهرمونية والسالبة لـHER2، ما زال العلاج الهرموني أساسياً، لكننا أصبحنا نضيف في بعض الحالات عالية الخطورة مثبطات CDK4/6 مثل abemaciclib وribociclib بهدف تقليل احتمال عودة المرض.
أما في سرطان الثدي الإيجابي لـHER2، فقد أحدثت العلاجات الموجهة مثل trastuzumab وpertuzumab تغيراً كبيراً في النتائج. كما أصبح من الممكن تعديل العلاج بعد الجراحة بناءً على استجابة الورم للعلاج السابق للجراحة، ومن الأمثلة على ذلك استخدام T-DM1 في بعض الحالات التي يبقى فيها ورم متبقٍ بعد العلاج الأولي.
وفي سرطان الثدي الثلاثي السلبي المبكر عالي الخطورة، أصبح دمج العلاج المناعي مثل pembrolizumab مع العلاج الكيميائي قبل الجراحة جزءاً مهماً من الخطة لدى فئات مختارة، ثم يُستكمل وفق البروتوكول بعد الجراحة. كما قد يستفيد بعض المرضى الذين يحملون طفرات وراثية في BRCA1 أو BRCA2 من olaparib بعد العلاج الأساسي.
وأحد أهم التغيرات في هذا المجال أن العلاج قبل الجراحة لم يعد هدفه فقط تصغير حجم الورم، بل أصبح اختباراً عملياً لمدى حساسية المرض للعلاج، وهذه المعلومة تساعدنا في تحديد ما يحتاج اليه المريض لاحقاً.
أما في سرطان المبيض، فإلى جانب الجراحة والعلاج الكيميائي القائم على البلاتين، أصبح لفحوص BRCA وHRD دور أساسي في اختيار بعض العلاجات المحافظة مثل مثبطات PARP لدى المرضى المناسبين. كما أن هذه الفحوص قد تكشف عن استعداد وراثي داخل العائلة، وهنا تظهر أهمية الاستشارة الجينية أيضاً.
وفي سرطان بطانة الرحم، أدى استخدام التصنيف الجزيئي وفحوص MMR إلى تحسين قدرتنا على اختيار العلاج المناسب، وأصبح للعلاج المناعي، مثل dostarlimab أو pembrolizumab، دور مهم في بعض الحالات المتقدمة أو المتكررة.
أما سرطان عنق الرحم، فتظل الوقاية من خلال التطعيم ضد فيروس HPV والفحص الدوري من أهم ما يمكن أن نقوم به. وفي الحالات الموضعية المتقدمة عالية الخطورة، أصبحت العلاجات المناعية تدخل أيضاً في الخطة العلاجية إلى جانب العلاج الكيميائي والإشعاعي في فئات محددة.
ما أهمية التوعية والفحص المبكر في تغيير مسار علاج السرطانات وفرص الشفاء؟
- مهما تطورت أدوية السرطان وظهرت علاجات جديدة، تبقى هناك حقيقة أساسية لا تتغير: اكتشاف السرطان في مرحلة مبكرة قد يغيّر مسار المرض بالكامل. ففي كثير من الأورام، عندما نكتشف المرض قبل أن ينتشر، ترتفع فرص العلاج الشافي بصورة واضحة، وقد نحتاج إلى جراحة أقل اتساعاً أو علاجات أقل شدة مقارنة بالحالات المتقدمة.
ومن المهم أيضاً أن نفرّق بين التوعية بالأعراض وبين برامج الفحص الدوري. التوعية تعني أن يعرف الإنسان العلامات التي لا ينبغي تجاهلها، مثل ظهور كتلة جديدة، أو نزف غير معتاد، أو تغير مستمر في عادات التبرز، أو نقص وزن غير مبرر، أو أعراض تستمر من دون تفسير واضح.
أما برامج الفحص موجهة في الأصل إلى أشخاص لا يعانون من أعراض، هدفها اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة. وهي لا تطبق بالطريقة نفسها على الجميع، بل تعتمد على العمر والجنس والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة. ومن الأمثلة المهمة تصوير الثدي، وفحوص سرطان القولون، وفحص عنق الرحم، وكذلك التصوير المقطعي منخفض الجرعة للرئة لدى الأشخاص المؤهلين من الفئات الأكثر عرضة للإصابة.
وهنا توجد نقطة أعتقد أنها مهمة جداً: كثرة التحاليل لا تعني بالضرورة حماية أكبر. أحياناً يعتقد البعض أن إجراء عشرات تحاليل الأورام أو تصوير الجسم كاملاً بشكل دوري يمنع السرطان أو يكشفه دائماً في وقت مبكر، وهذا غير صحيح. الفحوص غير المناسبة قد تعطينا نتائج غير واضحة أو إيجابية كاذبة، وتدخل المريض في دوامة من القلق والفحوص والخزعات التي لم يكن يحتاج إليها أصلاً. لذلك، التوعية الحقيقية ليست أن نطلب من الناس إجراء أكبر عدد ممكن من الفحوص، بل أن نوجههم إلى الفحص الصحيح في الوقت الصحيح وللشخص المناسب.
والوقاية تبقى جزءاً لا يتجزأ من هذه الصورة. فمكافحة التدخين، والمحافظة على النشاط البدني والوزن الصحي، والالتزام بالتطعيمات الوقائية المعتمدة مثل لقاح HPV، إلى جانب برامج الفحص المنظمة، يمكن أن تقلل من عبء عدد من السرطانات قبل أن نصل أصلاً إلى مرحلة العلاج.
لماذا تبقى متابعة مريض السرطان ضرورية بعد انتهاء العلاج؟
- أحياناً يشعر المريض أن انتهاء آخر جرعة علاج كيميائي أو آخر جلسة إشعاعية يعني أن رحلته مع السرطان قد انتهت. لكن في الحقيقة، نحن ندخل بعدها في مرحلة مختلفة لا تقل أهمية عن العلاج نفسه، وهي مرحلة التعافي والمتابعة طويلة الأمد.
المتابعة لا تهدف فقط إلى اكتشاف عودة المرض في وقت مبكر، رغم أن هذا جانب مهم منها، بل تهدف أيضاً إلى مراقبة الآثار المتأخرة للعلاج، واستعادة صحة المريض وقدرته على العمل والنشاط والعودة إلى حياته الطبيعية قدر الإمكان.
ولا توجد خطة متابعة واحدة تناسب جميع مرضى السرطان. فالمريضة التي عولجت من سرطان الثدي تحتاج إلى برنامج يختلف عن مريض سرطان القولون أو الليمفوما أو اللوكيميا. في سرطان الثدي مثلاً قد تشمل المتابعة الفحص السريري، والتصوير الدوري للثدي، والتأكد من الالتزام بالعلاج الهرموني عند وصفه، بينما تختلف الفحوص والفترات الزمنية تماماً في أنواع أخرى من الأورام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك