تتجدد سنويًا خلال شهر أكتوبر الجهود العالمية للتوعية بسرطان الثدي، إلا أن الرسالة الطبية والإنسانية تتجاوز مفهوم التوعية الموسمية، لتكرّس مفهومًا أكثر شمولًا واستمرارية، وهو أن صحة الثدي مسؤولية مستمرة على مدار العام.
ويأتي مركز البحرين للأورام التابع للخدمات الطبية الملكية في صدارة الجهود الوطنية في مجال رعاية مرضى السرطان، مقدمًا نموذجًا متكاملًا للرعاية الصحية، يجمع بين الفحص الدوري ابتداءً من سن الأربعين، والممارسات المتقدمة في مجال الفحوص الجينية والتشخيص الدقيق، إلى جانب أحدث ما توصلت إليه التقنيات والعلاجات الحديثة.
وفي الحوار التالي مع الدكتورة مها السندي، استشاري طب الأورام بمركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية، نسلط الضوء على واقع الإصابة بسرطان الثدي، وأهمية الكشف المبكر، وأحدث طرق التشخيص والعلاج، ودور الفحوص الجينية والفرق الطبية متعددة التخصصات في تقديم رعاية مخصصة لكل مريضة.
بمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدي، ما الرسالة الأساسية التي تحرص الخدمات الطبية الملكية على إيصالها إلى المجتمع هذا العام؟
رسالتنا هذا العام هي أن سرطان الثدي ليس مرضًا واحدًا، وليست كل امرأة معرضة له بالدرجة نفسها، ولذلك يجب أن يكون الوعي موجهًا نحو الكشف المبكر وتقييم عوامل الخطورة والعلاج الشخصي.
نريد أن ننتقل من مفهوم أن شهر أكتوبر هو مجرد شهر للتوعية، إلى مفهوم أن صحة الثدي مسؤولية مستمرة طوال العام. وأهم ما نريد إيصاله للمرأة هو: لا تنتظري ظهور الأعراض، ولا تؤجلي الفحص بسبب الخوف.
فالكشف المبكر يمكن أن يغيّر مسار المرض بشكل كبير، كما أن التطور الكبير في علاجات سرطان الثدي أتاح اليوم خيارات علاجية أكثر دقة وفعالية، تعتمد على نوع الورم وخصائصه البيولوجية ومرحلته، وليس فقط على مكان وجوده.
وفي مملكة البحرين، توفر الخدمات الطبية الملكية خدمات متكاملة للكشف المبكر من خلال مركز صحة المرأة في المستشفى العسكري وعيادة الثدي في مركز البحرين للأورام، بما يتيح للنساء الاستفادة من خدمات الفحص والتقييم والتشخيص المبكر وفق أسس طبية متخصصة. كما توصي وزارة الصحة بإجراء الفحص السريري للثدي والتصوير بالماموجرام ابتداءً من سن الأربعين للنساء ضمن الفئة المستهدفة.
كيف ترون واقع معدلات الإصابة بسرطان الثدي في البحرين مقارنة بالمعدلات الإقليمية والعالمية؟ وهل هناك تغير في الفئات العمرية المصابة مؤخرًا؟
سرطان الثدي هو أكثر السرطانات شيوعًا بين النساء على مستوى العالم، ولا تمثل البحرين استثناءً من هذا الاتجاه. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 2.4 مليون حالة جديدة بين النساء عالميًا في عام 2024.
أما بالنسبة للفئات العمرية، فمن المهم أن نكون دقيقين في هذه النقطة. سرطان الثدي يمكن أن يحدث في أي عمر بعد البلوغ، لكن الخطر يزداد مع التقدم في العمر. وفي الوقت نفسه، نرى في منطقتنا حالات لدى نساء أصغر سنًا، وهذا لا يعني بالضرورة أن سرطان الثدي أصبح مرضًا يصيب الشابات بصورة أكبر من الناحية الوبائية؛ إذ توجد عوامل ديموغرافية ووراثية، إلى جانب عوامل مرتبطة بطريقة تسجيل الحالات، يجب أخذها في الاعتبار. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرطان الثدي قد يصيب النساء في مختلف الأعمار بعد البلوغ، مع ارتفاع معدلات الإصابة مع التقدم في العمر.
ولذلك، ما يهمنا عمليًا هو ألا نربط سرطان الثدي بالعمر فقط. فأي كتلة جديدة، أو تغير في شكل أو جلد الثدي، أو تغير في الحلمة، أو إفرازات غير طبيعية، يستدعي التقييم الطبي، مهما كان عمر المرأة.
ما التوصيات الطبية الحديثة بشأن العمر المناسب لبدء الفحص الدوري بالماموجرام، ومتى يُنصح بالفحص في عمر أبكر؟
في البحرين، يوصي البرنامج الصحي الوطني بفحص الثدي السريري والماموجرام للنساء من سن الأربعين فما فوق، وهو أيضًا العمر الذي تؤكد عليه التوصيات المحلية للكشف المبكر.
وعالميًا، تختلف التوصيات بعض الشيء بحسب الجهة العلمية ومستوى الخطورة. فالجمعية الأمريكية للسرطان تتيح للنساء ذوات الخطورة المتوسطة خيار بدء الماموجرام سنويًا من عمر 40 إلى 44 عامًا، وتوصي بالفحص السنوي من عمر 45 إلى 54 عامًا.
لكن الأهم من الرقم هو تحديد مستوى الخطورة. فالمرأة التي لديها تاريخ عائلي قوي، أو طفرة وراثية مثل BRCA1 أو BRCA2، أو تعرضت سابقًا لإشعاع على منطقة الصدر في سن صغيرة، قد تحتاج إلى بدء المتابعة في عمر أصغر واستخدام وسائل إضافية، مثل الرنين المغناطيسي للثدي إلى جانب الماموجرام.
كما أن وجود أعراض لا ينتظر سن الأربعين؛ فإذا ظهرت كتلة أو تغير في الثدي، فهذه ليست حالة فحص دوري، وإنما حالة تحتاج إلى تقييم تشخيصي مباشر في أي عمر.
يمتلك مركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية إمكانات متقدمة، فما أحدث التقنيات والعلاجات المتاحة حاليًا للمريضات؟
شهد علاج سرطان الثدي تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبح العلاج يعتمد بصورة متزايدة على الخصائص الجزيئية للورم، وليس فقط على حجمه ومرحلته.
وفي الأورام ذات مستقبل HER2، أصبح لدينا طيف واسع من العلاجات الموجهة، بما في ذلك الأجسام المضادة والعلاجات المرتبطة بالأجسام المضادة والأدوية الحديثة التي يمكن استخدامها في مراحل مختلفة من المرض وفقًا لخصائص كل حالة.
وفي سرطان الثدي الهرموني، تتوافر العلاجات الهرمونية الحديثة والعلاجات الموجهة التي تستهدف مسارات معينة داخل الخلية، مثل مثبطات CDK4/6، بينما أصبحت مثبطات PARP خيارًا مهمًا لبعض المريضات اللواتي يحملن طفرات وراثية محددة، مثل BRCA.
كما أصبح العلاج المناعي جزءًا مهمًا من علاج بعض حالات سرطان الثدي، خصوصًا في أنواع ومراحل محددة، مثل بعض حالات سرطان الثدي الثلاثي السلبي (Triple-Negative Breast Cancer).
والأهم أن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست الهدف، بل الهدف هو اختيار العلاج الصحيح للمريضة الصحيحة وفي الوقت الصحيح، وهذا ما يجعل عمل الفريق الطبي متعدد التخصصات والفحوص الجزيئية والباثولوجية جزءًا أساسيًا من القرار العلاجي.
كيف يتم التنسيق والتعاون بين مركز صحة المرأة ومركز البحرين للأورام ضمن الفريق الطبي متعدد التخصصات (MDT) لوضع خطة علاجية مخصصة لكل مريضة؟
علاج سرطان الثدي اليوم لا يعتمد على تخصص واحد، بل على تكامل عدد من التخصصات الطبية، بدءًا من الكشف والتصوير والخزعة والتشخيص الباثولوجي، وصولًا إلى مناقشة الحالة ضمن فريق طبي متعدد التخصصات. ويضم الفريق، بحسب احتياجات الحالة، أطباء أورام الثدي والجراحة والعلاج الإشعاعي والأشعة والباثولوجي، إلى جانب الاختصاصات الداعمة الأخرى. وتتم مراجعة تفاصيل الحالة بشكل متكامل، بما يشمل عمر المريضة وحالتها الصحية ونتائج التصوير وحجم الورم والعقد الليمفاوية ونوع الورم ودرجة عدوانيته ومستقبلات الهرمونات وHER2، وأحيانًا نتائج الفحوص الجينية والجزيئية.
وبناءً على ذلك، لا تكون الخطة العلاجية بروتوكولًا واحدًا لجميع المريضات، وإنما يتم تحديد تسلسل العلاج لكل حالة: هل تبدأ المريضة بالجراحة أم بالعلاج الدوائي قبل الجراحة؟ وما نوع الجراحة المناسبة؟ وهل تحتاج إلى العلاج الإشعاعي؟ وما العلاج المساعد الأنسب بعد ذلك؟
وهذا هو جوهر الطب الشخصي؛ أن نعالج المريضة، وليس الورم فقط. ما دور عيادة الاستشارات الجينية وفحوصات BRCA1 وBRCA2 في حماية الأسر ذات الخطورة العالية؟
أصبحت الاستشارة الجينية جزءًا مهمًا جدًا من رعاية سرطان الثدي، ولكن يجب أن نوضح أن وجود سرطان الثدي في العائلة لا يعني تلقائيًا وجود طفرة في جينات BRCA.
ويتمثل دور عيادة الاستشارات الجينية أولًا في تحديد النساء والعائلات اللواتي لديهن مؤشرات تستدعي التقييم الجيني، ثم شرح معنى الفحص ونتائجه واحتمالاته قبل إجراء الاختبار.
وإذا اكتُشفت طفرة ممرضة في BRCA1 أو BRCA2، فإن هذه المعلومة لا تخص المريضة وحدها، بل يمكن أن تساعد في تحديد أفراد آخرين من الأسرة قد يكونون معرضين لخطر أعلى، وبالتالي وضع برنامج متابعة وكشف مبكر أكثر كثافة وملاءمة لهم.
كما أن معرفة الطفرة قد يكون لها تأثير على الخيارات العلاجية للمريضة نفسها، إذ ترتبط بعض العلاجات الموجهة، مثل مثبطات PARP في حالات مختارة، بوجود طفرات معينة.
لذلك، فالهدف من الاستشارة الجينية ليس إثارة القلق داخل الأسرة، وإنما تحويل المعلومة الوراثية إلى فرصة للوقاية والكشف المبكر واتخاذ قرارات طبية مدروسة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الطفرات الموروثة في BRCA1 وBRCA2 وPALB2 من أبرز الطفرات عالية الاختراق المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي.
وفي الختام.. ما الرسالة التي توجهينها إلى المرأة؟
رسالتي لكل امرأة هي ألا تجعل الخوف من سرطان الثدي سببًا لتأجيل الفحص؛ فالمعرفة لا تزيد الخوف، بل تمنحنا فرصة أكبر للتدخل في الوقت المناسب. واليوم، ومن خلال ما توفره الخدمات الطبية الملكية من خدمات متكاملة للكشف المبكر والتشخيص الدقيق والعلاجات المتخصصة، إلى جانب العمل ضمن فريق طبي متعدد التخصصات، أصبحت رحلة علاج سرطان الثدي أكثر دقة وتخصصًا، بما يتناسب مع احتياجات كل مريضة وخصائص حالتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك