في الأول من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي لكبار السن، بقصد تسليط الضوء على إسهامات هذه الفئة التي أفنت سنوات عمرها في خدمة أسرها ومجتمعاتها، وتأكيد أهمية توفير بيئة تحفظ كرامتهم وتصون حقوقهم وتمنحهم حياة آمنة ومستقرة وفاعلة.
ومع مشاركتنا العالم في هذا الاحتفاء، لا بد لنا من وقفة تأمل أمام قضية بالغة الحساسية تمس جيل الآباء والأجداد؛ إذ يشهد القطاع الطبي اليوم تحولاً متسارعاً في أسلوب التعامل مع المرضى كبار السن، متمثلاً في تزايد تبني المستشفيات الحديثة «النموذج الغربي» القائم على «الصراحة المطلقة». هذا النهج الذي يقضي بإطلاع المريض فوراً ومباشراً على حقيقة مرضه العضال -كالأورام أو الأمراض المستعصية– بات يُحدث هزات ارتدادية صادمة وثقلاً نفسياً هائلاً داخل الأسر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهي المجتمعات التي اتكأت تاريخياً وثقافيا على مبدأ الحماية النفسية والمساندة الجماعية لكبار السن.
واقع الحال في بعض مستشفياتنا اليوم يكشف عن فجوة حادة في الثقافة الإنسانية لدى بعض الأطباء، وهي تجربة مريرة يعيشها كثيرون منا في بعض أجنحة المستشفيات. وحتى لا نظلم الأطباء جميعاً، فإننا نقف أمام فريقين من الأطباء متباينين في التعامل مع مرضى كبار السن؛ الفريق الأول: وهو الفريق الذي لا يزال متمسكاً بهويته وثقافته العربية الإسلامية. طبيب هذا الفريق يتعامل برقة متناهية وحس إنساني رفيع، يعالج الروح قبل الجسد، وتجده دائماً يردد على مسامع الأهل بلسان مطمئن: «نحن سنبذل أقصى ما في وسعنا وطاقتنا الطبية، والباقي على الله، فهو وحده الشافي، وبيده أعمار الخلق». فهذه الكلمات، وإن لم تغير من حقيقة المرض، فإنها تسكب الطمأنينة في قلوب الأسر المكلومة وتمنحهم القوة لمساندة مريضهم.
وعلى النقيض تماماً، يأتي الفريق الثاني: وهو فريق جرّدته رتابة العمل وضغوطاته من حسه الإنساني، فبات يتعامل مع المرضى وكأنهم مجرد أرقام في سجلات، أو حالات سريرية خالية من الروح. بل إن طبيب هذا النوع قد تشبع بالثقافة الغربية المادية والتقليد الأعمى لممارسات هذه الثقافة دون مراعاة للخصوصية الثقافية؛ فينقلها إلى مستشفياتنا؛ فتجده يواجه قلق الأهل ببرود فظّ ويستنكر عليهم خوفهم على حالة يراها «في أيامها الأخيرة» طالباً منهم التسليم بموت وشيك وكأن الأعمار بيده! بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك ليحدد الأيام المتبقية للمريض في الدنيا، غافلا عن حقيقة أن الأعمار بيد الله وحده وناسياً قوله تعالى: (يُحيِي العظام وهي رميم). (يس: 78). لقد غاب عن ذهن الطبيب كم من حالة أجمع الطب على أنها ميؤوس منها، ولكن إرادة الله فوق كل تدبير فكتب لها الشفاء. وفي ظني، أن طبيباً يحمل هذه العقلية المادية الجافة وتبلد العاطفة، لو أخذ رأيه في مسألة «الموت الرحيم» وفقاً للتعبير الغربي لكان أول الموافقين والموقعين عليه، لأنه يرى الإنسان مجرد جسد يفنى، لا روحاً تعالج ويُرجى شفاؤها.
بناء على ما سبق، يمكن القول: إن الطب لم يكن يوماً مجرد مشرط جراح، أو وصفة دواء، بل هو رسالة رحمة سماوية قوامها الإنسانية أولاً. ولذلك فإننا نوجه دعوة عاجلة وملحة إلى المسؤولين عن القطاع الصحي كافة، لضرورة إعادة إحياء الثقافة الإنسانية وتفعيل أخلاقية المهنة كمعيار أساسي لا يقل أهمية عن الكفاءة العلمية. إننا بحاجة ماسة إلى إدراج مادة تدريبية يتعلق موضوعها بـ «التعاطف الإنساني والدعم النفسي» في برامج تدريب الأطباء، وتأسيس آليات رقابية تقيس رضا المرضى وذويهم عن المعاملة الإنسانية. فالمرضى وخاصة كبار السن منهم، لا يحتاجون فقط إلى أجهزة تُبقي قلوبهم تنبض، بل يحتاجون قبل ذلك إلى قلوب طبيعية تنبض بالرحمة، لتخفيف عنهم وطأة المرض ومخاوف الفقد. وإذا كانت إدارات المستشفيات تأخذ بالفعل في حسابها واعتبارها هذا الجانب الإنساني، فإننا نُذكر تلك الإدارات من باب (وذكّر فإن الذِكرى تنفعُ المؤمنين) (الذاريات: 55) بتفعيل هذه الجوانب في برامجها التدريبية، والاستئناس بآراء ذوي المرضى حول مشاهدتهم ومعايشتهم للمشاهد اليومية؛ لأن ذلك يمنح المسؤولين عن القطاع الصحي تغذية راجعة من شأنها تطوير الخدمات الصحية الموجهة للمرضى بشكل عام ومرضى كبار السن على وجه الخصوص.
أمام هذا الواقع المتغير في بعض مستشفياتنا، يفرض سؤال حيوي ومصيري نفسه على الساحة: هل نحن ملزمون في بلداننا العربية بالتبعية المطلقة للثقافة الغربية في تعاملنا الطبي مع كبار السن، بذريعة أن مصارحة المريض بحقيقة مرضه حق إنساني قانوني أصيل؟ أم أننا نمتلك خصوصية ثقافية وأخلاقية مغايرة، تفرض على منظومتنا الطبية وأطبائنا صياغة نموذجا متوازنا يدمج بين جودة الرعاية وحفظ الروح المعنوية؟
إن الطبيب، مهما بلغت درجته العلمية، ليس من حقه أن يمارس قناعاته الشخصية أو إسقاطاته النفسية على المرضى وذويهم. وهنا يأتي الدور الحاسم لـ إدارات المستشفيات والمسؤولين عن القطاع الصحي بشكل عام.
المطلوب اليوم بشكل عاجل هو تفعيل رقابة صارمة، وتوجيه تنبيهات حازمة لتلك الفئة من الأطباء الذين غلبت عليهم الجفوة اللفظية، وإلزام الجميع بـ«بروتوكول تعامل إنساني خاص بالمرضى كبار السن وحالات الأمراض المستعصية». ولتحقيق ذلك ممارسة لا شعاراً، نقترح تفعيل بعض الخطوات العملية أولها: إلزامية التدريب على مهارات الاتصال وفي هذا السياق ينبغي ألا يسمح للطبيب بمباشرة الحالات الحرجة إلا بعد اجتياز دورات مكثفة ومستمرة في كيفية إيصال الأخبار السيئة بأسلوب علمي وإنساني ممهد، يبتعد تماماً عن الفظاظة والارتجال الشخصي. وثانيها: يجب أن ينص البروتكول صراحة على منع تحديد سقف زمني لعمر المريض بالشهور أو الأيام، والتركيز بدلا ً من ذلك على الخطة العلاجية والتلطيفية المتاحة لتخفيف آلامه. وثالثها: اعتماد منهجية «التمهيد والشريك العائلي» من خلال صياغة مسار خاص لإبلاغ المريض أولاً، بالتعاون مع مرشد نفسي أو «طبيب الرعاية التلطيفية»، لتهيئة الأجواء النفسية للمريض تدريجياً دون التسبب بصدمة مباغتة تعجل بانتكاسته. وآخرها: تقييم الأداء بناء على رضا المريض وعائلته من خلال إدخال معيار «التعامل الإنساني والأخلاقي» كعنصر أساسي في التقييم السنوي للأطباء وترقياتهم داخل المستشفى.
إن رعاية كبار السن في أيامهم الصعبة ليست مجرد وصفة دواء أو تقرير أشعة؛ إنها رسالة أخلاقية ودينية قبل كل شيء. وعلينا أن نتذكر جميعاً –أطباء وإدارات– أن الكلمة الطيبة والتعامل الرقيق هما نصف العلاج، وأن الأمل يجب أن يظل مشرعاً مادامت الأنفاس تتردد في الصدور، فالعلم له حدود ولطف الله وأقداره لا حدود لها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك