العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أفول «حزب الله» ومستقبل لبنان

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

هل‭ ‬يتحرر‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬تغوُّل‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬ومساهمته‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬والإضرار‭ ‬بمصالح‭ ‬الشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬وتعطيل‭ ‬عمل‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬بأمنها‭ ‬الوطني‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬اللبناني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعط‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬للسيادة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬المزايدات‭ ‬والشعارات‭ ‬المرتفعة‭ ‬عن‭ ‬المقاومة‭  ‬والصمود‭ ‬وجبهة‭ ‬الممانعة‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬تسببت‭ ‬هذه‭ ‬المليشيا‭ ‬المسلحة‭ ‬الإرهابية‭ ‬التابعة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬دمار‭ ‬شامل‭ ‬للبنان‭ ‬ولأهله‭ ‬ولم‭ ‬تجلب‭ ‬أي‭ ‬فائدة‭ ‬أو‭ ‬مصلحة‭ ‬للبنانيين‭ ‬بمختلف‭ ‬طوائفهم‭ ‬واتجاهاتهم‭ ‬السياسية‭ ‬وإعادة‭ ‬لبنان‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.‬

المسألة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالتوصيف‭ ‬والمزايدات؛‭ ‬فدعنا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬هو‭. ‬يعاني‭ ‬لبنان‭ -‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لجزءٍ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬أرضه‭- ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬سلاح‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬وتغوّله‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬معاً‭. ‬ويتّفق‭ ‬معظم‭ ‬المحللين‭ ‬السياسيين‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬حوّل‭ ‬لبنان‭ ‬إلى‭ ‬رهينةٍ‭ ‬عبر‭ ‬هيمنة‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلّحة،‭ ‬بما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬المؤسسات‭ ‬اللبنانية‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬مجرّد‭ ‬غطاءٍ‭ ‬لأنشطة‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬ومليشياته‭ ‬يتصرفون‭ ‬فيها‭ ‬كيفما‭ ‬يشاؤون‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُفقد‭ ‬الدولة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬سلطتها‭ ‬وسيادتها‭ ‬الفعلية‭ ‬وأداء‭ ‬وظائفها‭ ‬الأساسية‭ ‬تجاه‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭. ‬فالمسألة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬أزمةً‭ ‬طارئة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬خللٍ‭ ‬بنيويّ‭ ‬يجعل‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬اللبنانية‭ ‬عاجزةً‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬الأمن‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المطلوب،‭ ‬وعن‭ ‬بسط‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬الجميع‭: ‬أرضاً‭ ‬ومجتمعاً‭ ‬وخدماتٍ‭. ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ -‬قبل‭ ‬الرئاسة‭ ‬والحكومة‭ ‬الجديدتين‭- ‬شبه‭ ‬عاجزةٍ‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراتٍ‭ ‬سيادية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬قرار‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم؛‭ ‬والسيطرةُ‭ ‬على‭ ‬‮«‬قرار‭ ‬السلم‭ ‬والحرب‮»‬‭ ‬هي‭ ‬الجوهر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للسيادة‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬دولة‭.‬

وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عجز‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬عن‭ ‬احتكار‭ ‬القوة‭ ‬المسلّحة‭ ‬اللازمة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والتراب‭ ‬اللبناني،‭ ‬بسبب‭ ‬تغوّل‭ ‬هذه‭ ‬المليشيات‭ ‬ومنافستها‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أخصّ‭ ‬أدوارها‭. ‬فهي‭ ‬تتمدّد‭ ‬على‭ ‬أساسٍ‭ ‬مناطقيّ‭ ‬وطائفيّ،‭ ‬وتستغلّ‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬جزءٍ‭ ‬منها،‭ ‬وتستقوي‭ ‬بالسلاح‭ ‬والمال‭ ‬المستجلَبين‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬انتهاكٍ‭ ‬لسيادة‭ ‬لبنان‭ ‬وقراره‭ ‬الوطني،‭ ‬وإحلالِ‭ ‬الولاء‭ ‬المذهبي‭ ‬للولي‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬محلّ‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أنّ‭ ‬علاقة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬بإيران‭ ‬قد‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬تبعيةٍ‭ ‬عقائدية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬صريحة‭ ‬ومعلنة،‭ ‬جعلت‭ ‬قراراته‭ ‬نابعةً‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬اللبنانية‭. ‬وأدّى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬النموذج‭ ‬اللبناني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التعدّدية‭ ‬والمدنية،‭ ‬وإلى‭ ‬تعميق‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الطائفي،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الجميع‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬بوصفه‭ ‬أداةَ‭ ‬‮«‬غلبة‮»‬‭ ‬داخلية‭ ‬لا‭ ‬أداةَ‭ ‬‮«‬مقاومة‮»‬‭ ‬خارجية‭.‬

ويبقى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الحزب؛‭ ‬حيث‭ ‬فرضت‭ ‬خسارة‭ ‬قياداته‭ ‬التاريخية‭ ‬وتصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الداخلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬أدواره‭.‬

فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬قدراته‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التقديرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الإمكانية‭ ‬خلال‭ ‬أربع‭ ‬أو‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬الحزب‭ ‬محتفظا‭ ‬بوجوده‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬ولم‭ ‬تتمكن‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬من‭ ‬تجريده‭ ‬من‭ ‬سلاحه‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي‭ ‬تشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية‭ ‬للحزب‭ ‬ونقمة‭ ‬أغلب‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬اللبنانية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬فيه‭ ‬للبنان‭ ‬من‭ ‬كوارث‭ ‬بسبب‭ ‬مغامراته‭ ‬وخدمته‭ ‬للمشروع‭ ‬الإيراني‭. ‬ولذلك‭ ‬ليس‭ ‬هنالك‭ ‬من‭ ‬أفق‭ ‬للحزب‭ ‬سواء‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬سياسي‭ ‬ويتخلى‭ ‬عن‭ ‬الطابع‭ ‬المليشياوي‭ ‬وعن‭ ‬سلاحه‭ ‬الذي‭ ‬ألحق‭ ‬بلبنان‭ ‬أفدح‭ ‬الأضرار‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأصعدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا