أعلنت صفحة «Page Six» المعنية بأخبار هوليوود مؤخراً «اندلاع حرب رسائل مفتوحة بين الأطراف المؤيدة لإسرائيل والمؤيدة لفلسطين في هوليوود». قبل بضع سنوات فقط، كان من المستحيل تصور عنوان كهذا.
وقد وصف المقال صراعاً يتزايد فيه الطابع العلني بين القوى المؤيدة لفلسطين وتلك المؤيدة لإسرائيل داخل قطاع الترفيه. فمن جهة، يقف فنانون وشخصيات بارزة في هذا المجال متخذين موقفاً صريحاً ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة. ومن جهة أخرى، يحاول المدافعون عن إسرائيل إنكار وقوع هذه الإبادة رغم وجود أدلة دامغة لا تقبل الشك.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح لم ينقل الصورة الكاملة. فما يجري حالياً يحمل أبعاداً وتداعيات تفوق بكثير مجرد خلاف بين المشاهير أو «حرب رسائل مفتوحة». إنه جزء من ثورة ثقافية تختمر في المجتمع الأمريكي، وقد وصلت الآن إلى أعلى المستويات في المؤسسة الثقافية للبلاد. وفي خضم هذا الصراع، فإن إسرائيل تخسر – بل وتتكبد خسارة فادحة.
رغم أن المقال أقر بأن الدعم لفلسطين قد بلغ حداً من القوة أدى إلى انقسام هوليوود علناً، إلا أنه حجب حجم التحول الجاري من خلال تصوير المشهد الراهن على أنه «حرب» بين معسكرين.
لقد دأبت هذه الصناعة - قبل وقت طويل من ترسيخ صُنّاع الأفلام وشركات الإنتاج والممثلين الإسرائيليين لحضورهم البارز في هوليوود - على إعلاء شأن إسرائيل واغتنام كل فرصة للترويج لها؛ إذ صاغت السينما والتلفزيون صورة براقة لأمة «بطولية» صُوِّر تأسيسها وبقاؤها المستمر كمعجزة، بينما طُمست إلى حد كبير معالمُ التجريد من الملكية وأعمال العنف التي تشكل الركيزة الأساسية لتلك السردية.
وفي المقابل، دأبت الأعمال الفنية -بشكل شبه دائم- على تقديم الفلسطينيين والعرب والمسلمين في صورة سلبية، واصفةً إياهم بـ«الآخر» الهمجي والمُهدِّد، الذي يُفترض أنه يفتقر إلى أي ادعاء مشروع بالحضارة، أو منظومة أخلاقية معترف بها، أو تاريخ وهوية يستحقان اهتماماً جاداً.
لقد لعبت هوليوود بالفعل دوراً محورياً في عملية التجريد الممنهج للفلسطينيين من إنسانيتهم داخل الثقافة الشعبية الغربية. وحين يبدأ الآلاف من الممثلين وصنّاع الأفلام والمنتجين والفنانين في اتخاذ مواقف علنية مبدية مناصرة لفلسطين -وغالباً ما ينطوي ذلك على مخاطر مهنية - فإننا نستطيع حينئذٍ الحديث بثقة عن تحوّل ثقافي ذي أبعاد تاريخية.
وتُعد أسماء مثل سوزان ساراندون، ومارك روفالو، وبينيلوبي كروز، وخافيير بارديم، وخواكين فينيكس، وتيلدا سوينتون، وأوليفيا كولمان، وإيما ستون، وسينثيا نيكسون، وريز أحمد، مجرد أمثلة بارزة ضمن قائمة تتسع باستمرار لفنانين يتحلون بالشجاعة والوازع الأخلاقي في مواجهة مؤسسة صناعية عتيقة الطراز.
غير أن القصة تتجاوز حدود هوليوود بكثير. يكفي أن ننظر إلى الجدل الواسع الذي احتدم مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية عقب استبعاد المغني «ماكلمور» (Macklemore) من الحفلات المتبقية ضمن جولة «لوب» (Loop Tour) للمغني إد شيران.
يُعد ماكلمور (Macklemore) أكثر بكثير من مجرد مغنٍّ مناصر للقضية الفلسطينية. فهذا المغني ومؤلف الأغاني، الحائز جائزة «غرامي»، هو راوٍ سياسي موهوب جمع في مسيرته الفنية بين النجاح الجماهيري الواسع والالتزام الراسخ بالقضايا الاجتماعية. ومنذ بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، برز كواحد من أقوى الأصوات الداعمة لفلسطين في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها.
وخلال حفلات إد شيران (Ed Sheeran) الأخيرة في ملعب «ميتلايف» (MetLife Stadium) في نيوجيرسي، عبّر ماكلمور عن تضامنه مع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة، ودعا إلى «فلسطين حرة»، كما قدّم أغنية «Hind’s Hall» (قاعة هند)؛ وهي أغنية احتجاجية تخليداً لذكرى الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قتلتها القوات الإسرائيلية في غزة.
لقد جاء رد الفعل على موقف الفنان ماكلمور الشجاع فورياً، ولكنه كان متوقعاً أيضاً، إذ لجأ أصحاب المليارات الذين يسيطرون على أماكن إقامة الحفلات إلى السلاح المتاح لديهم دائماً: القوة المالية. وفي ذات السياق فقد رفض روبرت كرافت (Robert Kraft)، مالك ملعب «جيليت» (Gillette Stadium)، السماح لماكلمور بإحياء حفل فيه.
لجأ شيران -الذي بدا وكأنه يقلل من شأن خطورة الموقف- إلى موقف دفاعي؛ إذ صرّح قائلاً: «لست متواطئاً»، مشدداً على أن قرار استبعاد ماكلمور كان قرار الجهة المنظمة للحفل وليس قراره هو.
غير أن هذا الرد الضعيف الصادر عن أحد أكثر الموسيقيين تأثيراً في العالم -لا سيما في وقت كان يتعرض فيه فنان مشارك في جولته للعقاب بسبب تعبيره عن رأيه- لا يمكن بأي حال اعتباره موقفاً «محايداً» سياسياً.
في الماضي، كان من الممكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد؛ إذ كان سيُعزل ماكلمور وتصبح مسيرته المهنية في مهب الريح، بينما يواصل شيران والجهات المنظمة ومالكو الملعب أعمالهم دون أن يمسهم سوء يُذكر.
لكن تلك الأيام ولّت. فقد انتشر التضامن العالمي مع ماكلمور -وبالتالي مع فلسطين- بسرعة فائقة، لدرجة أجبرت المسؤولين عن استبعاده على تقديم سلسلة من التبريرات الدفاعية والمتناقضة أحياناً.
ومع ذلك، كان الضرر قد وقع بالفعل. فقد واجه شيران دعوات متزايدة للمقاطعة واحتجاجات، بل وصل الأمر إلى حد وقف بث موسيقاه من قبل محطة إذاعية إيرلندية،
كما انسحب كل من فينياس ولوكاس غراهام وآرون رو من الجولة، وكذلك فعلت فرقة «بيوغا» (Beoga) التي ترافق شيران في عروضه.
كذلك بدأ فنانون وشخصيات عامة يتحدثون علناً عن الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وحرية التعبير، وسلطة أصحاب المليارات في فرض الحدود السياسية للفن.
كما تحرك صنّاع البودكاست والمعلقون على وسائل التواصل الاجتماعي، ليصلوا إلى جمهور بالملايين ويغوصوا في تفاصيل الجدل المثار إذ شرعوا في التساؤل عن هوية «كرافت»، وفحصوا علاقته الممتدة بإسرائيل، وحملته المناهضة لحركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» (BDS)، فضلاً عن الآلة المالية الضخمة التي تدعم نشاطه السياسي.
لقد أدت محاولة معاقبة «ماكلمور» في نهاية المطاف إلى وضع «كرافت» و«شيران» ومؤسسة الترفيه ذاتها تحت مجهر تدقيق غير مسبوق. فبدلاً من إسكات رسالة الحرية الفلسطينية، ساهمت تصرفاتهم في تعزيزها وإيصالها على نطاق أوسع.
وفي المحصلة، لا تقتصر هذه القصة على صراع بين فنانين متخاصمين، تماماً كما لا يمكن في الوقت نفسه اختزال التحولات التي تشهدها هوليوود في مجرد معسكرين يتبادلان الرسائل العلنية. فكلا الأمرين يمثلان مظهراً من مظاهر حراك ثقافي أوسع نطاقاً ينبع من القاعدة الشعبية في المجتمع الأمريكي.
لقد بدأ الناس -على اختلاف خلفياتهم- يفتحون أعينهم أخيراً على الجرائم الإسرائيلية وعلى النفوذ الهائل الذي طالما مارسته تل أبيب على بلادهم.
وباستثناء استطلاعات الرأي التي تُجرى من حين لآخر، نادراً ما تتصدر تلك القصة عناوين الأخبار، ولكن عندما تتأرجح الدفة إلى هذا الحد، لا أموال «كرافت» ولا الملاعب التي يسيطر عليها بقادرة على إيقاف هذا الزخم.
كما أنها لا تستطيع إسكات صرخة «فلسطين حرة» التي أطلقها «ماكلمور»، وهي صرخة بات يرددها اليوم الملايين حول العالم.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك