ثمة أدلة قوية تشير إلى أن حالة الاستياء التي تنتاب الناخبين في الوقت الراهن، والناجمة عن فشل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في التصدي للحرب الإسرائيلية على غزة، قد لعبت دوراً في الهزيمة الساحقة التي مُنيت بها حملة مرشحة الحزب الديمقراطي كمالا هاريس في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في سنة 2024.
حيث تُظهر البيانات التي أفرزتها استطلاعات الرأي أن بعض الفئاتٍ التي تُعد ركيزةً أساسية لقاعدة الحزب الديمقراطي، ومنها فئات الناخبين الشباب، والناخبين الملونين، والمحسوبين على التيار الليبرالي، لم تخرج لدعم كمالا هاريس في عام 2024 بنفس الأعداد التي دعمت بها قبل ذلك جو بايدن في عام 2020.
غير أن هؤلاء الناخبين المستائين قد توحدت جهودهم في عام 2026 لدعم عدد من المرشحين الديمقراطيين التقدميين الذين نجحوا في إزاحة شاغلي المقاعد الحاليين في الكونغرس في أنحاء مختلفة من البلاد.
ورغم أن بعض هؤلاء المرشحين الفائزين يصفون أنفسهم بالاشتراكيين، إلا أن كثيرين منهم لا يتبنون هذا الوصف. قالقاسم المشترك الأكبر بينهم هو معارضة استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وفي الواقع، فإن المواقف السلبية للناخبين تجاه الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والدعم الأمريكي لإسرائيل، ودور الجماعات المؤيدة لإسرائيل التي تسعى إلى إسكات الأصوات المنتقدة، قد أصبحت واسعة الانتشار لدرجة أن بعض شاغلي المناصب أنفسهم قد انضموا إلى صفوف المنتقدين لتعزيز فرصهم الانتخابية.
وفي أعقاب هذه التطورات، طُرحت تساؤلات في العديد من المقالات حول ما ستفعله اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الآن لتغيير نهجها في دعم إسرائيل واستعادة الناخبين الساخطين. ورغم أن هذا الشعور منطقي ومفهوم، إلا أنه ينبع من تصور خاطئ لطبيعة الحزب الديمقراطي وما يمكنه القيام به فعلياً.
أولاً، ينطوي هذا الرأي على افتراض خاطئ بأن الحزب الديمقراطي هو هيئة لصنع السياسات تتولى توجيه أعضاء الحزب ومرشحيه؛ لكن في الحقيقة فإن الحزب يقتصر في عمله على إدارة شؤونه الداخلية والإشراف على عملية اختيار المندوبين للمؤتمر الوطني الذي يُعقد كل أربع سنوات.
وعلى الرغم من هذا الدور المحدود، يسود اعتقاد خاطئ بأن اللجنة الوطنية الديمقراطية تعمل على غرار الأحزاب السياسية الأوروبية في نظام برلماني يحدد السياسات ويفرض الانضباط الداخلي.
في الولايات المتحدة الأمريكية، يخوض المرشحون حملاتهم الانتخابية بشكل مستقل إلى حد كبير، وهو ما يعطيهم القدرة على التحكم في الميزانيات والموظفين، وهو وما يمكنهم أيضا من رسم سياساتهم بأنفسهم.
لا ننسى أيضا الدور الذي يلعبه المال في التأثير في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية... فبغض النظر عن الحزب الوطني، تقوم كيانات مثل لجان الحملات الانتخابية الديمقراطية في الكونغرس ومجلس الشيوخ بجمع الأموال لدعم المرشحين.
كما تقوم لجان العمل السياسي وكيانات «الأموال المظلمة» - الممولة من قبل متبرعين أثرياء غير ملزمين بالإفصاح عن تبرعاتهم - بإنفاق أموال مستقلة نيابة عن المرشحين، ويتجاوز حجم الأموال التي تجمعها وتنفقها هذه الكيانات مجتمعة بكثير حجم الأموال التي يجمعها وينفقها الحزب نفسه.
تذهب معظم الأموال التي تجمعها الكيانات المرتبطة بالحزب الديمقراطي، ولجان العمل السياسي الكبرى، وصناديق «المال المظلم»، والحملات الفردية، إلى قلة من مجموعات الاستشارات ذات الميول الديمقراطية، إذ تنفق هذه المجموعات المليارات على الإعلانات، واستطلاعات الرأي، والرسائل الرقمية، بل وتستحوذ على أدوار كانت تضطلع بها سابقاً أحزاب الولايات والأحزاب الوطنية.
وبوصفهم المستفيدين من سخاء المتبرعين الذين يغدقون بهذه الأموال، فإنهم يلتزمون بالنهج التقليدي السائد. فهم يتجنبون المخاطرة، وهو ما يجعلهم منفصلين عن واقع الناخبين، ويسعون بالتالي وراء الربح بقدر سعيهم لتحقيق النتائج الانتخابية.
لقد تعرض الرئيس الجديد للحزب الديمقراطي لانتقادات من البعض (بمن فيهم استشاريون ومتبرعون) لأنه لا ينظر إلى الحزب باعتباره مجرد قناة لضخ الأموال إلى الاستشاريين، بل وجه بدلاً من ذلك مبالغ قياسية لتعزيز فروع الحزب في الولايات.
وفي ضوء هذا الواقع، يُعد الاحتجاج ضد اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي بسبب الفشل في انتخابات 2024، أو للمطالبة بتغيير السياسة تجاه منطقة الشرق الأوسط جهداً ضائعاً.
فاللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي ليست هي المشكلة، ولا هي الحل، بل تكمن المشكلة الحقيقية في الاستشاريين، وفي الأموال الطائلة التي تموّل أعمالهم، وفي المرشحين الذين يتلقون مشورتهم ويفوزون بالانتخابات بفضلهم.
ومع ذلك، وكما رأينا، فإن التغيير قادم وتقوده قاعدة الناخبين الديمقراطيين - هؤلاء الناخبون الذين أطاحوا بمسؤولين حاليين تمسكوا بسياسات الماضي الفاشلة المؤيدة لإسرائيل.
لقد بعثت الانتصارات الانتخابية اللافتة - مثل فوز عبدالرحمن السيد على عضوة في الكونغرس تحظى بدعم المؤسسة الحزبية والمؤيدين لإسرائيل، وبتمويل ضخم تجاوز 70 مليون دولار من لجان العمل السياسي الكبرى والأموال «المظلمة» - برسالة واضحة مفادها أن التغيير بات وشيكاً.
إن صياغة السياسة المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط ليست من مهام اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. لذا فإن مطالبة الحزب بإقرار قرار بشأن هذه القضية يُعد توجيهاً خاطئاً للجهود وهدراً لها.
وتكتسب انتصارات شخصيات مثل تلك التي حققها براد لاندر وعبدالرحمن السيد أهمية أكبر بكثير - فهنا يكمن موطن التغيير الحقيقي، وينبغي تركيز الجهود على مواصلة تحقيق مثل هذه الانتصارات الانتخابية.
أما إذا أراد الديمقراطيون الضغط على اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، فإليكم بعض المقترحات للمجالات التي يمكن لهذه اللجنة إجراء تغييرات فيها:
{ إصلاح آلية تمويل الحملات الانتخابية لإبعاد الأموال الضخمة عن السياسة، والقضاء على الدور المفسد للجان العمل السياسي الكبرى والأموال المجهولة المصدر في الانتخابات.
{ دعم جهود رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الرامية إلى توجيه المزيد من الموارد نحو بناء فروع الحزب على مستوى الولايات، بدلاً من تحويل الأموال إلى المستشارين.
{ اتخاذ قرار يدعم أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الأربعين (من أصل 47) الذين صوتوا لصالح تقليص بعض أشكال المساعدات العسكرية لإسرائيل.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك