العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

من يقف وراء الهجمات على خطوط الطاقة في سورية؟

بقلم: عمر كوش

الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تكرَّرت‭ ‬أخيرا‭ ‬حوادث‭ ‬وانفجارات‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬سورية،‭ ‬طالت‭ ‬خطوط‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬ومواقع‭ ‬ومنشآت‭ ‬أخرى،‭ ‬منها‭ ‬محطة‭ ‬تشرين‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬دمشق،‭ ‬التي‭ ‬أدى‭ ‬تفجير‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬خروج‭ ‬ثلاث‭ ‬محطات‭ ‬توليد‭ ‬كهرباء‭ ‬عن‭ ‬الخدمة‭. ‬وقبلها‭ ‬حدث‭ ‬تفجير‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬تصدير‭ ‬غاز‭ ‬معمل‭ ‬الجبسة‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬واعتبرته‭ ‬السلطات‭ ‬السورية‭ ‬عملا‭ ‬تخريبيا‭ ‬متعمداً‭. ‬وكذلك‭ ‬وصفت‭ ‬تفجير‭ ‬الصمام‭ ‬المقطعي‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬الغاز‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الشولا‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬دير‭ ‬الزور‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ (‬سبتمبر‭).‬

يضع‭ ‬توالي‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬أو‭ ‬الأعمال‭ ‬التخريبية‭ ‬مسألة‭ ‬أمن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬جديد،‭ ‬لكونه‭ ‬يجعل‭ ‬حماية‭ ‬شبكة‭ ‬الطاقة‭ ‬والمياه‭ ‬والاتصالات‭ ‬والطرق‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬الجديدة،‭ ‬لا‭ ‬مجرّد‭ ‬مهمة‭ ‬فنية‭ ‬تتولاها‭ ‬وزارة‭ ‬الطاقة‭ ‬والجهات‭ ‬المختصة‭. ‬وبالتالي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ملف‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬مشكلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتقنية،‭ ‬تستلزم‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬حقول‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وإصلاح‭ ‬محطات‭ ‬الكهرباء‭ ‬المتضرّرة‭ ‬وشبكات‭ ‬النقل‭ ‬القديمة،‭ ‬ومعالجة‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬الوقود،‭ ‬وذلك‭ ‬كله‭ ‬يحتاج‭ ‬استثمارات‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬لإعادة‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مستقرة‭. ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬عمليات‭ ‬التخريب‭ ‬التي‭ ‬تضيف‭ ‬بعداً‭ ‬آخر،‭ ‬يتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬منشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬الذي‭ ‬يعدُّ‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬سورية‭ ‬واستقرارها‭.‬

تأتي‭ ‬هذه‭ ‬الاستهدافات‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحاول‭ ‬فيه‭ ‬الحكومة‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬وزيادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬واستقطاب‭ ‬استثمارات‭ ‬أجنبية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعافي‭ ‬والشروع‭ ‬بإعادة‭ ‬الإعمار‭. ‬وتزداد‭ ‬تأثيراتها،‭ ‬لأن‭ ‬إنتاج‭ ‬الغاز‭ ‬السوري‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الداخلية‭. ‬وبحسب‭ ‬وزارة‭ ‬الطاقة،‭ ‬يبلغ‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬حوالي‭ ‬8‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬يومياً،‭ ‬بينما‭ ‬حاجة‭ ‬البلاد‭ ‬نحو‭ ‬24‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬يومياً،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الخارجية‭ ‬لتغطية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬محطات‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬خطوط‭ ‬الغاز‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬عمل‭ ‬تخريبي‭ ‬لمنشأة،‭ ‬لأن‭ ‬نتائجه‭ ‬تنعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬المعيشية‭ ‬لغالبية‭ ‬السوريين،‭ ‬حيث‭ ‬يفضي‭ ‬توقف‭ ‬الغاز‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬قدرة‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء،‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬والمصانع‭ ‬والمستشفيات‭ ‬والمتاجر‭ ‬والاتصالات‭ ‬وسواها‭. ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬لانقطاع‭ ‬إمدادات‭ ‬الغاز‭ ‬أو‭ ‬الكهرباء‭ ‬أثراً‭ ‬نفسياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬متراكماً،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬السوريين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الانتقالية،‭ ‬ويظهر‭ ‬مدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الأمن‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬

باتت‭ ‬الدولة‭ ‬السورية‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬جديد‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المنشآت‭ ‬والمرافق‭ ‬الحيوية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬خطوط‭ ‬الغاز‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬مجرّد‭ ‬حادثة‭ ‬تقنية‭ ‬عابرة،‭ ‬يشي‭ ‬تكرارها‭ ‬بدخول‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاستهداف‭ ‬المنظم،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬آثاره‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تحاول‭ ‬فيها‭ ‬البلاد‭ ‬استعادة‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والخدمي‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تأثيراته‭ ‬أن‭ ‬منشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬تشكل‭ ‬هدفاً‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية،‭ ‬لأن‭ ‬حادثاً‭ ‬صغيراً‭ ‬فيها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬أزمة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فتفجير‭ ‬صمام‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكنه‭ ‬وقف‭ ‬تدفق‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬الأمتار‭ ‬المكعبة‭ ‬من‭ ‬الغاز،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء‭.‬

يتعلق‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬تطرحه‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬التخريبية‭ ‬بالجهة‭ ‬التي‭ ‬وراءها،‭ ‬والمستفيدة‭ ‬منها،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬بمجموعات‭ ‬محلية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة،‭ ‬أو‭ ‬أطراف‭ ‬خارجية‭ ‬لها‭ ‬مصالح‭ ‬في‭ ‬إرباك‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية،‭ ‬وضرب‭ ‬عمليات‭ ‬التطوير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬فضلاً‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحمله‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وإظهار‭ ‬أن‭ ‬سورية‭ ‬ممر‭ ‬طاقة‭ ‬غير‭ ‬آمن،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يكثر‭ ‬فيه‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬ممكنات‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ممرّ‭ ‬بديل‭ ‬لخطوط‭ ‬الطاقة،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أزمة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وتحاول‭ ‬فيه‭ ‬حكومتها‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتعافي‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مصادفة‭ ‬تزامن‭ ‬هذه‭ ‬الاستهدافات‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬أعمال‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬لمشروع‭ ‬خط‭ ‬الغاز‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬لاستكمال‭ ‬منظومة‭ ‬الخط‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬الأردنية‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬التركية،‭ ‬بطول‭ ‬يقارب‭ ‬566‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬والمجهّزة‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬الاتجاهين‭. ‬ولا‭ ‬تتوفر‭ ‬أدلة‭ ‬تسمح‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الاستهدافات‭ ‬الأمنية‭ ‬جهة‭ ‬معينة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬تكرارها‭ ‬يطرح‭ ‬مشكلة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬حوادث‭ ‬معزولة‭. ‬ويمكن‭ ‬تصور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لها‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬وإظهار‭ ‬عجز‭ ‬سلطاتها،‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬خلايا‭ ‬مسلحة‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬تخريب،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بأسلوب‭ ‬منخفض‭ ‬الكلفة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ (‬داعش‭) ‬أو‭ ‬فلول‭ ‬النظام‭ ‬المرتبطين‭ ‬بحزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني‭ ‬والنظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬أو‭ ‬جهات‭ ‬أخرى‭ ‬متضرّرة‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬السورية‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬إسرائيل‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬ضرب‭ ‬استقرار‭ ‬سورية‭ ‬الجديدة،‭ ‬ولا‭ ‬تكفّ‭ ‬عن‭ ‬اعتداءاتها‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

لا‭ ‬يخفي‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وجود‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المنهكة،‭ ‬وبهشاشة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الأمنية‭ ‬لخطوط‭ ‬الطاقة‭ ‬السورية،‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬مئات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬عبر‭ ‬مناطق‭ ‬مفتوحة‭ ‬وصحراوية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أرياف‭ ‬دير‭ ‬الزور‭ ‬والبادية‭ ‬والحسكة‭. ‬وقد‭ ‬باتت‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مهمة‭ ‬مزدوجة‭: ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬عانت‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الحرب‭ ‬والإهمال‭ ‬والنهب‭. ‬وحماية‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬تأهيله‭ ‬وإصلاحه‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬التخريب‭ ‬والاعتداءات،‭ ‬ومنع‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الخراب‭ ‬بأدوات‭ ‬أقل‭ ‬كلفة،‭ ‬وأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭. ‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬سوري

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا