العدد : ١٧٧٣٠ - الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٠ - الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لغز تقاطع المصالح بين قوى تبدو متعادية ظاهريا!

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تحليل‭ ‬السياسات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬يثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النقاشات،‭ ‬وتتعدد‭ ‬القراءات‭ ‬حول‭ ‬الأدوار‭ ‬الخفية‭ ‬والمعلنة‭ ‬للقوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬الحيوية،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬المحللين‭ ‬السياسيين‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بتخادم‭ ‬المصالح‭ ‬أو‭ ‬الالتقاء‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬تبدو‭ ‬متعادية‭ ‬ظاهرياً،‭ ‬فكما‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬للملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬يُوجد‭ ‬مبرراً‭ ‬دائماً‭ ‬للوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأجنبي‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭.‬

سياسياً‭ ‬تُستخدم‭ ‬الأزمات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬المضايق‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭ ‬كأداة‭ ‬للضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬خيارات‭ ‬سياسية‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تحالفات‭ ‬أمنية‭ ‬جديدة‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬عكسنا‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬فغالباً‭ ‬يتم‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬مسارات‭ ‬يُراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تسلكها‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مبادئها‭ ‬ونهجها‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭.‬

مفهوم‭ ‬الالتقاء‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬تبدو‭ ‬متعادية‭ ‬ظاهرياً‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬السياسة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بتخادم‭ ‬المصالح‭ ‬أو‭ ‬التقاء‭ ‬المصالح‭ ‬الضمني،‭ ‬وهو‭ ‬يفسر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لخصمين‭ ‬معلنين‭ ‬أن‭ ‬يستفيدا‭ ‬من‭ ‬أفعال‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬تنسيق‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬تحالف‭ ‬سري،‭ ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬المعادلة‭ ‬الأمريكية‭-‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الالتقاء‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬أبعاد‭ ‬رئيسية‭ ‬كالوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭  ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬مبرر‭ ‬أمني‭ ‬مستمر،‭  ‬كذلك‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬للمضايق‭ ‬كمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬تمنح‭ ‬واشنطن‭ ‬الذريعة‭ ‬الدائمة‭ ‬لتثبيت‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتوفر‭ ‬لنفسها‭ ‬مبررا‭ ‬لحماية‭ ‬حلفائها‭ ‬وبيع‭ ‬صفقات‭ ‬تسليح‭ ‬ضخمة‭.‬

في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬تحتاج‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬عدو‭ ‬خارجي‭ ‬مستمر‭ ‬كالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وقبلها‭ ‬كانت‭ ‬لديها‭ ‬ذريعة‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬لتبرير‭ ‬مشروعها‭ ‬التوسعي‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬عواصم‭ ‬عربية‭ ‬وتعبئة‭ ‬الحاضنة‭ ‬الشعبية‭ ‬فيها‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬المقاومة‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬للملالي‭.‬

إن‭ ‬أمريكا‭ ‬تُحقق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السماح‭ ‬بوجود‭ ‬مستوى‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬دون‭ ‬تجاوزه‭ ‬للخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة،‭ ‬فتضع‭ ‬واشنطن‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭: ‬إما‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬المظلة‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أو‭ ‬الترويج‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬تحالفات‭ ‬إقليمية‭ ‬جديدة‭ ‬تشمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬كشريك‭ ‬أمني‭ ‬لمواجهة‭ ‬الخطر‭ ‬المشترك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تُخطط‭ ‬له‭ ‬إسرائيل‭ ‬كخطوة‭ ‬مبدئية‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬التوسعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وفرض‭ ‬أجنداتها‭ ‬،‭ ‬فهي‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭  ‬في‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬البوابة‭ ‬الذهبية‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬كقوة‭ ‬دفاعية‭ ‬حليفة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬طرفاً‭ ‬معادياً‭.‬

تاريخياً‭ ‬هناك‭ ‬محطات‭ ‬أثبتت‭ ‬هذا‭ ‬الالتقاء‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬مثل‭ ‬المشهد‭ ‬العراقي‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2003؛‭ ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬العدو‭ ‬اللدود‭ ‬لإيران‭ ‬ثم‭ ‬سلمت‭ ‬العراق‭ ‬عملياً‭ ‬لنفوذ‭ ‬أحزاب‭ ‬وفصائل‭ ‬موالية‭ ‬لطهران،‭ ‬وفي‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬تقاسمت‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأذرع‭ ‬الإيرانية‭ ‬الأجواء‭ ‬والأراضي‭ ‬العراقية‭ ‬والسورية‭ ‬لضرب‭ ‬عدو‭ ‬مشترك‭ (‬داعش‭)‬دون‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬تحالف‭ ‬واضحة‭.‬

إن‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬بالمبادئ‭ ‬أو‭ ‬الشعارات‭ ‬المعلنة،‭ ‬بل‭ ‬ببراجماتية‭ ‬مفرطة‭ ‬فالخصومة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬كثيرة‭ ‬كالملف‭ ‬النووي‭ ‬والصواريخ‭ ‬الباليستية،‭ ‬لكنها‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تخدم‭ ‬الطرفين‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أطراف‭ ‬ثالثة‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬العداء‭ ‬الظاهري‭ ‬وسيلة‭ ‬ممتازة‭ ‬لإدارة‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الطاولة‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬الرؤية‭ ‬الخليجية‭ ‬بتحولات‭ ‬استراتيجية‭ ‬عميقة‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدركت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬رهنهما‭ ‬للتفاهمات‭ ‬أو‭ ‬الصفقات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬فوق‭ ‬رؤوس‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬وقد‭ ‬شكلت‭ ‬عدة‭ ‬محطات‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭ ‬صدمات‭ ‬استراتيجية‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬تقديم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لمصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬حلفائها‭ ‬منها‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬والاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬الذي‭ ‬أبرمه‭ ‬الرئيس‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬أو‭ ‬التدخلات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإقليمية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواقف‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬تقف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مكتوفة‭ ‬الأيدي،‭ ‬بل‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬عقيدتها‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬تصفير‭ ‬المشاكل‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬واتخذت‭ ‬عدة‭ ‬خطوات‭ ‬لتحييد‭ ‬التداعيات‭ ‬السلبية‭ ‬لأي‭ ‬تقارب‭ ‬أمريكي‭ ‬إيراني،‭ ‬وتوجهت‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬استراتيجية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متينة‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭ ‬صاعدة،‭ ‬كما‭ ‬سعت‭ ‬الى‭ ‬تعميق‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والانضمام‭ ‬إلى‭ ‬التكتلات‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬مجموعة‭ ‬بريكس‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬منظمة‭ ‬شنغهاي‭ ‬للتعاون،‭ ‬وتوطين‭ ‬الصناعات‭ ‬العسكرية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري‭ ‬المشترك‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الذاتية‭.‬

كما‭ ‬يُمثل‭ ‬التقارب‭ ‬والتعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وتركيا‭ ‬وباكستان‭ ‬خطوة‭ ‬عملية‭ ‬متقدمة‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬الدفاعي‭ ‬الجديد‭ ‬يمنح‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬عمقاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬وتكنولوجياً‭ ‬وبشرياً‭ ‬يُسهم‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬إحباط‭ ‬أي‭ ‬محاولات‭ ‬دولية‭ ‬لفرض‭ ‬توازنات‭ ‬إقليمية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا