نصر أكتوبر سيظل نبراسا مرشدا للأجيال العربية في كيفية تحدي الصعاب
كيف أحدثت البطولات العربية انقلابا في الخطاب الإعلامي الغربي؟

يحتفي أبناء الأمة العربية اليوم بالذكرى الـ53 لانتصارات العرب في حرب أكتوبر عام 1973، ذلك الانتصار الذي سيظل خالدا في سجلات التاريخ بما أحدثه من تحولات كبرى في تاريخ العرب وفي المعادلات العسكرية ومفاهيم الخطط الحربية في كل أنحاء العالم.
إن أهمية تذكر هذا الانتصار تظل ضرورة فكرية وثقافية واستراتيجية للوعي العربي كله في وقت تمر فيه أمتنا اليوم بظروف سياسية واستراتيجية لا تسر كل مواطن عربي مخلص لأمته بعد أن تراجعت مقومات القوة العسكرية الشاملة في ظل عدم النجاح في ترجمة معاهدة الدفاع العربي المشترك إلى خطط عسكرية عربية متكاملة وهي الاتفاقية التي وُقّعتها الدول العربية في 17 يونيو 1950 في إطار الجامعة العربية بهدف تحقيق التعاون والتكامل العسكري بين الدول العربية، الأمر الذي وضع الأمن العربي في حالة من الانكشاف الاستراتيجي الخطير وهو ما ظهرت معالمه في تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، والعدوان الإيراني على دول الخليج العربية والأردن، وقاد إلى تدهور أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وتهديد الأمن العربي في البحر الأحمر.
إن إعادة قراءة ما أنجزه العرب في حرب أكتوبر يصبح ضرورة تاريخية من أجل إعادة اكتشاف القدرات والطاقات العربية في مواجهة المحن والنوازل والأزمات الكبرى.
لقد جعل نصر أكتوبر عام 1973 العرب يخرجون من حالة التيه العسكري والاستراتيجي والنفسي وظلام اليأس الذي سيطر على النخب والجماهير العربية بعد هزيمة عام 1967، إلى فجر الانتصار والزهو والفخار واستعادة روح الثقة بالنفس لكل أبناء الأمة العربية.
ربما لا يعرف كثيرون من أبناء الأجيال العربية الصاعدة حجم مرارة الهزيمة التي عاشتها الأمة العربية بعد حرب 5 يونيو عام 1967، فلم تكن نتيجة الحرب مجرد هزيمة عسكرية في ميادين القتال أسفرت عن احتلال إسرائيل لبقية أراضي فلسطين العربية وهزيمة ثلاثة جيوش عربية في مصر وسوريا والأردن واحتلال أراضي أردنية وهضبة الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية، ولكن الأخطر هو حجم الهزيمة النفسية وحالة الشعور بالانكسار الداخلي الت بات يعيشها كل مواطن عربي.
لقد تركت هزيمة 1976 جرحا غائرا وحالة من الإحساس بالهوان وفقدان الكرامة بعد هزيمة وانهيار الجيوش العربية في 6 أيام فقط، وخاصة بعد أن خرج جنرالات إسرائيل يتفاخرون بالإنجاز العسكري تملأهم مشاعر الغطرسة والغرور محاولين تأكيد حالة الهزيمة النفسية للعرب، بالترويج لأسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر وقوة الذراع الإسرائيلية الطويلة أي قوة سلاح الطيران الإسرائيلي الذي بات يهدد كل أراضي العرب من المحيط إلى الخليج، وهذا الغرور هو ما دفع الجنرال موشي ديان وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك إلى أن يخرج بتصريح للصحافة العالمية بعد أيام من حرب يونيو 1967 قائلا: «إنني أجلس في مكتبي أنتظر مكالمة هاتفية من الزعيم المصري والعربي جمال عبدالناصر يعلن فيها الاستسلام».
وبالطبع ظل الجنرال ديان ينتظر طويلا ولم تصله تلك المكالمة رغم سوء الموقف العسكري على الجبهة المصرية بعد الحرب، ولن تصله أبدا، لأنه رغم مرارة الهزيمة إلا أن شعورا عارما قد تولد بالرغبة في رد العدوان واستعادة الكرامة، ورفع الرئيس جمال عبدالناصر شعارا أصبح لسان حال كل مواطن مصري وعربي وهو «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، والعمل بكل قوة من أجل إعادة بناء القوات المسلحة وخوض حرب تحرير الأراضي العربية في أسرع وقت ممكن، وهو ما عبرت عنه مقولة الرئيس جمال عبدالناصر «بضرورة إزالة آثار العدوان».
العرب يرفضون واقع الهزيمة
قد يتساءل البعض لماذا كانت آثار عدوان يونيو أو «حرب حزيران» فادحة إلى هذا الحد بالنسبة إلى العرب؟، والإجابة تلخصها حالة العنفوان والطموحات العربية الكبرى التي عاشتها الأمة العربية منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر وخوض معارك كبرى بعد ذلك من أجل التحرر من الاستعمار الغربي كان من أبرز المحطات فيها التصدي للعدوان الثلاثي (الإنجليزي الفرنسي الإسرائيلي) على مصر عام 1956 فيما سمي «بحرب السويس»، وصعود روح «القومية العربية» في عموم الوطن العربي، وما واكبها من مشاعر جارفة لتحقيق الوحدة العربية وهو ما تحقق مرحليا في تجربة الوحدة المصرية السورية بزعامة الرئيس جمال عبدالناصر (1958 - 1961)، ويضاف إلى ذلك نجاح العرب في التحرر من سطوة الاستعمار وكان من أبرزها نجاح الثورة الجزائرية في إزالة الاستعمار الفرنسي بعد استعمار امتد نحو 130 عاما وعبر تضحيات غالية بلغت المليون ونصف المليون شهيد.
إن هذه العوامل مجتمعة مع وجود قيادة تاريخية كارزمية تمثلت في الرئيس جمال عبدالناصر الذي التفت حوله الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، ورأت فيه ولمست الإخلاص في العمل من أجل تحقيق الطموحات العربية في التحرر والاستقلال والنهوض الحضاري العربي، جعلت من الصعب على كل مواطن عربي أن يصحو في صباح يوم 5 يونيو 1967 ليسمع من الإذاعات الكبرى أنباء انهيار الجيوش العربية وأن القوات الصهيونية كانت تستطيع التقدم باتجاه عواصم عربية كبرى مثل القاهرة ودمشق وعمان فضلا عن تمكنها من احتلال القدس عاصمة فلسطين بما لها من مكانة غالية ومقدسة لدى عموم العرب والمسلمين.
لهذا نقول كان وقع هزيمة 1967 كارثيا وفادحا في عموم الوطن العربي، ولكنه في ذات الوقت كان دافعا لبدء مسيرة ملحمة عربية كبرى استغرقت زهاء 6 سنوات وقادت العرب إلى تحقيق أعظم إنجازاتهم العسكرية في التاريخ الحديث في حرب أكتوبر 1973.
ولم يكن الطريق إلى تحقيق الانتصار سهلا، بل كان مهمة شاقة بكل المقاييس، وكان التحدي الأول هو العمل على رفع الروح المعنوية للجماهير والقوات المسلحة وسرعة استيعاب دروس الهزيمة والعمل على إصلاح الأخطاء العسكرية والسياسية التي أدت إلى الهزيمة، وكان من أول المهام العاجلة في إطار خطة إعادة بناء القوات المسلحة العمل سريعا على وقف الاختلال العسكري على جبهات القتال، وهو ما تمثل في تغيير القيادة العسكرية على الجبهة المصرية والاتيان بقادة محترفين من أبزهم الفريق محمد فوزي وزير الدفاع والفريق عبدالمنعم رياض رئيس هيئة الأركان ليتولوا مهمة إعادة بناء الجيش المصري وبناء خط دفاعي غرب قناة السويس لمنع إسرائيل من اختراق الجبهة الداخلية المصرية وهو ما تحقق خلال عام بفضل التحصينات الدفاعية غرب القناة وبناء حائط الصواريخ الذي وضع حدا لاختراقات سلاح الجو الصهيوني للداخل المصري.
وعلى صعيد المواجهات العسكرية بدأت القوات المصرية تستعيد الثقة بالنفس تدريجيا وكانت حرب الاستنزاف التي امتدت نحو 3 سنوات تجربة قتالية عظيمة نجحت فيه القوات المصرية في تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة، ولعبت سلسلة من المعارك مثل معركة «راس العش» شرق بورسعيد، وإغراق البحرية المصرية للمدمرة الإسرائيلية «إيلات» في عرض البحر المتوسط في أكتوبر عام 1967، أي بعد شهور قليلة من نكسة يونيو دورا بارزا في رفع الروح المعنوية واستعادة الثقة في النفس.
الانجاز العسكري في حرب أكتوبر
ثم جاءت بعد ذلك، ملحمة الانتصار العربي في حرب أكتوبر 1973 والتي كانت إنجازا عسكريا عظيما بكل المقاييس، عندما نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس الذى اعتبره كبار الخبراء الاستراتيجيين في العالم من أصعب الموانع المائية في العالم وخاصة بعد أن وضعت إسرائيل في الضفة الشرقية لقناة السويس سلسلة من قنابل النابالم بهدف تفجير القوات المصرية في قلب القناة إذا قررت التحرك للعبور باتجاه الضفة، وأعقب ذلك النجاح في تحطيم خط بارليف الحصين الذي تم تشييده خلف ساتر ترابي ضخم يحول دون تقدم الجنود والقوات إلى الشرق.
لكن القوات المصرية عبر خطة عسكرية محكمة نجحت في إبطال مفعول قنابال النابالم عبر تفكيكها من رجال صاعقة أو كوماندوز مصريين قبل بدء العمليات القتالية، واستخدمت خراطيم المياه الضخمة في فتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف وإقامة جسور كباري فوق القناة سمحت بعبور الجنود والمدرعات والدبابات إلى شرق القناة، وكانت إزالة الساتر الترابي لخط بارليف باستخدام مضخات المياه فكرة عبقرية ومفاجأة استراتيجية أربكت الجيش الإسرائيلي الذي فوجئ خلال ساعات تحت ظلام الليل من اليوم الأول للحرب أي في السادس من أكتوبر1973 بعبور مئات الآلاف من القوات المصرية بأسلحتها الثقيلة إلى شرق القناة وهو وضع عسكري استراتيجي مباغت لم يكن مستعدا له الجيش الإسرائيلي. وكان ذلك جزءا مما أطلق عليه «المفاجأة الاستراتيجية» للحرب التي باغت بها العرب إسرائيل.
ومن دون الدخول في تفاصيل الأعمال الحربية فإن هناك بعض النقاط المهمة التي كشفت عنها حرب أكتوبر وينبغي أن تظل نبراسا هاديا لنا في الاستفادة من دروس حرب أكتوبر على النحو التالي:
أولا: أجمع الخبراء الاستراتيجيون أن المفاجأة الكبرى للحرب كانت هي بسالة وكفاءة الجندي العربي المقاتل فقد أشاع الصهاينة بعد حرب يونيو 1967 أن الجنود العرب لا يصلحون للحروب أو القتال، ولكن ما أظهره المقاتل العربي في الحرب أحدث صدمة حقيقية لجنرالات إسرائيل. وحين سألوا الجنرال أرييل شارون في ندوة بمعهد الدارسات الاستراتيجية في لندن: ما أكثر شيء كان مفاجأة لكم في الحرب، أجاب مباشرة: شجاعة الجندي المصري المقاتل.
لقد كان وراء النجاح في إعداد الجندي العربي للقتال جهود علمية وتأهيلية جبارة كان في طليعتها الاستعانة بالجنود من خريجي الجامعات والمعاهد العليا بما ساعد على سرعة استيعاب كيفية التعامل مع الأسلحة الحديثة فضلا عن الإعداد النفسي والتدريبي الجيد الذي أعاد للمقاتل العربي ثقته بنفسه، فضلا عن الروح المتقدة لكل الجنود والضباط ورغبتهم العارمة في الثأر لكرامتهم وكرامة أمتهم العربية وإزالة صورة الهوان التي تركتها نكسة يونيو 1967، فقد كانت هذه المسألة من أقوى الدوافع وراء الشجاعة الباسلة للجندي العربي في المعارك.
وهذا ما يؤكد من جديد أهمية الثقة في الإنسان العربي وقدرته على تجاوز أعتى الصعاب، فضلا عن كونه يستطيع بتأهيله العلمي استيعاب الأسلحة الحديثة وابتكار أساليب متطورة في التعامل معها.
ثانيا: كان من أبرز الإنجازات التاريخية لحرب أكتوبر أنها كانت معركة كل العرب، فلم تبخل أي دولة عربية بجهد في سبيل إسناد الجبهتين المصرية والسورية، فهناك دول كثيرة أرسلت قوات وكتائب عسكرية أو أسراب طائرات للمشاركة في الحرب إلى جانب إخوانهم المصريين والسوريين، ونشير بصفة خاصة إلى العراق والسعودية والمغرب والجزائر وتونس والسودان والكويت والأردن واليمن وليبيا، بالإضافة إلى الدعم المالي.
ومن جانب آخر، جسدت حرب أكتوبر ذروة التلاحم والتضامن العربي الحقيقي وهو ما تمثل في استعداد العرب لتسخير كل مواردهم وثرواتهم في سبيل نجاح العرب في المعركة، فكانت معركة وقف إمدادات النفط العربي إلى الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل وهي المعركة التي قادها العاهل السعودي الراحل الملك فيصل وأحدثت أزمة نفطية عالمية جعلت الولايات المتحدة وأوروبا تعيد النظر في حساباتها بشأن كيفية التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي وتظهر احتراما للجانب العربي والتعامل برؤى مختلفة تجاه المطالب العربية العادلة.
الإعلام الغربي وحرب أكتوبر
كان من أبرز النتائج التي أسفر عنها الإنجاز العربي في حرب أكتوبر أن أعاد الإعلام الغربي الذي كان يتخذ موقفا عدائيا تجاه العرب ويظهر تأييدا وانحيازا سافرا لإسرائيل ويتبنى معظم مزاعم الدعاية الصهيونية من التمجيد بأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر إلى إعادة النظر في هذه المسلمات واحترام العرب وما أظهروه من قدرات مذهلة خلال الحرب رغم اختلال موازين القوى العسكرية لصالح إسرائيل نتيجة الدعم الأمريكي والغربي المكثف والمتواصل لإسرائيل بهدف أن تظل تتفوق عسكريا على كل العرب.
ويكفي الرجوع إلى نوعية التغطية الصحفية والإعلامية لكبرى الصحف الأمريكية والأوروبية لمجريات الحرب لندرك مقدار الانقلاب الذي أحدثته حرب أكتوبر في الإعلام الغربي تجاه الصراع العربي الصهيوني.
فقد أشارت صحف بارزة مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست الأمريكية وفاينانشيال تايمز البريطانية إلى أن الهجوم المنسق والعبور المصري الناجح لقناة السويس واقتحام خط بارليف قد أسقط أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وأنهى حالة الغرور والغطرسة العسكرية التي سادت الأوساط الإسرائيلية بعد حرب يونيو 1967.
وركزت التقارير الغربية على احترافية الأداء العسكري العربي؛ فوصف مراسل يونايتد برس الإسرائيليين بأنهم واجهوا خصماً عربيا متفوقا في التنظيم والتدريب والقيادة.
ولفتت صحف فرنسية وألمانية بارزة إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لتحقيق الأمن الإسرائيلي لم يعد كافياً، معتبرة أن الدخول في مسار الحلول السياسية والدبلوماسية أصبح أمراً لا مفر منه لضمان الاستقرار، لكن إسرائيل وحتى يومنا هذا لم تستوعب هذا الدرس ويروج نتنياهو لفكرة فرض السلام بالقوة ومن دون الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ورفض إقامة دولة فلسطينية وكلها أمور تضع مستقبل السلام في المنطقة في مهب الريح.
كما واكب الإعلام الغربي تداعيات الحرب الاقتصادية، لا سيما قرار حظر النفط العربي وتصديره، وما خلفه من صدمة طاقة حادة في الولايات المتحدة وأوروبا، مما جعل وسائل الإعلام الغربية تسلط الضوء على ثقل العرب الاستراتيجي والاقتصادي الجديد على الساحة الدولية.
وعن مجريات المواجهات العسكرية، كتبت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 7 أكتوبر 1973 تقول: «إن المصريين والسوريين يبدون كفاءة عالية وتنظيماً وشجاعة، لقد حقق العرب نصراً نفيساً ستكون له آثاره النفسية على إسرائيل وإن احتفاظ المصريين بالضفة الشرقية للقناة يعد نصراً ضخماً لا مثيل له تحطمت معه أوهام الإسرائيليين بأن العرب لا يصلحون للحرب».
وقالت واشنطن بوست الأمريكية في 12 أكتوبر 1973: «إن كل يوم يمر في الحرب الجارية في الشرق الأوسط يحطم الأساطير التي بنيت منذ انتصار إسرائيل عام 1967 وكانت هناك أسطورة أولا تقول إن العرب ليسوا محاربين وأن الإسرائيلي سوبرمان، لكن الحرب أثبتت عكس ذلك».
وكتب المراسل العسكري لمجلة نيوزويك الأمريكية في 14 أكتوبر 1973 يقول: «لقد دهشنا بما شاهدناه أمامنا من حطام منتشر على رمال الصحراء في سيناء لكل أنواع المعدات من دبابات ومدافع وعربات إسرائيلية كما شاهدت أحذية إسرائيلية متروكة وحضورا مصريا فوق خط بارليف» ..... «لقد وضح تمامًا أن الإسرائيليين فقدوا المبادرة في هذه الحرب، وقد اعترف بذلك قادتهم ومنهم الجنرال شلومو جونين قائد الجبهة الجنوبية في سيناء».
أما مراسل وكالة الأسوشيتد برس في تل أبيب فكتب في 10 أكتوبر 1973: «لقد غيرت حرب أكتوبر - عندما اقتحم الجيش المصري قناة السويس، واجتاح خط بارليف - غيرت مجري التاريخ بالنسبة إلى مصر وبالنسبة إلى الشرق الأوسط بأسره».
وفى الصحف البريطانية: تحدثت صحيفة فاينانشيال تايمز عن زيف أسطورة قوة إسرائيل، وقالت: لقد اتضح أن القوات الإسرائيلية ليست مكونة كما كانوا يحسبون من رجال لا يقهرون، وأن الثقة الإسرائيليّة بعد عام 1967 قد بلغت حد الغطرسة الكريهة التي لا تميل إلى الحلول الوسط، وهذه الغطرسة قد تبخرت في حرب أكتوبر.
أما صحيفة التايمز البريطانية فقالت «إن الأسبوع الأول من الحرب الجارية في الشرق الأوسط كان أسبوع تأديب وتعذيب لإسرائيل، ومن الواضح أن الجيوش العربية تقاتل بقوة وشجاعة وعزم، كما أن الإسرائيليين تملكهم الحزن والاكتئاب عندما وجدوا أن الحرب كلفتهم خسائر باهظة وأن المصريين والسوريين ليس كما قيل لهم غير قادرين على القتال».
وهكذا نرى أن الأداء العربي البطولي في حرب أكتوبر قد أحدث انقلابا في كل الموازين، وتغيرت لغة الخطاب الإعلامي في الغرب تجاه العرب وتجاه نظرتهم لإسرائيل نفسها، وهذا يؤكد من جديد أننا نستطيع تغيير الواقع الذي لا نرضى عنه إذا عملنا بكل تصميم وإرادة صادقة من أجل بناء مستقبل أفضل لأمتنا العربية في إطار من التخطيط العلمي السليم، واستعداد من أجل حشد طاقات الأمة لحماية الأمن القومي العربي وتعزيز قدرات التكامل العربي.
ولهذا سيظل نصر أكتوبر وروح العمل بإخلاص وإيمان بقدراتنا والثقة بالنفس التي تجلت في بطولاته نبراسا هاديا لكل الأجيال العربية تستلهم منه روح تحدي الصعاب والإيمان بالقدرة على الإنجاز رغم ضراوة التحديات وضد إرادة القوى العظمى التي لم تكن ترغب في شن العرب لحرب تحريرية قد تخرج عن سيطرتهم وتدخل المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي آنذاك في مواجهة لا يمكن توقع تداعياتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك