العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

دراسات

العرب ودول الخليج ودروس تاريخية من حرب «الرهانات الخاطئة»

بقلم: عبدالـمالك سالـمان

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬يفرض‭ ‬سرعة‭ ‬إنشاء‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬خليجية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬عربي‭ ‬

جرب‭ ‬العرب‭ ‬‮«‬فكرة‭ ‬الخلاص‭ ‬الفـردي‮»‬‭ ‬عقــودا‭ ‬متوالية‭ ‬لكنها‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬إنجاح‭ ‬التنمية


حين‭ ‬تنقشع‭ ‬غمامة‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالكة‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والأمة‭ ‬العربية،‭ ‬وتضع‭ ‬الحرب‭ ‬الطاحنة‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أوزارها‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬أو‭ ‬نهائي،‭ ‬فإن‭ ‬العرب‭ ‬سوف‭ ‬يقفون‭ ‬أمام‭ ‬أنفسهم‭ ‬للتأمل‭ ‬والتفكير‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬المصيري‭: ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬يظل‭ ‬العرب‭ ‬أسرى‭ ‬حروب‭ ‬ومخططات‭ ‬خارجية‭ ‬وإقليمية‭ ‬تستهدف‭ ‬وجودهم‭ ‬وثرواتهم‭ ‬وحضارتهم؟

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬ملابسات‭ ‬وتداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬أن‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬والسياسات‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬وغير‭ ‬المبرر‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والأردن‭ ‬والذي‭ ‬أظهر‭ ‬نوايا‭ ‬شريرة‭ ‬وأحقادا‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شفاء‭ ‬لها‭ ‬قريبا،‭ ‬وأن‭ ‬ردعها‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬العرب‭ ‬أنفسهم‭.‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬وخاصة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬كانت‭ ‬ساحة‭ ‬لتصفية‭ ‬حسابات‭ ‬قوى‭ ‬توسعية‭ ‬تحمل‭ ‬مشاريع‭ ‬عدائية‭ ‬تجاه‭ ‬العرب‭ ‬وتستهدف‭ ‬تدمير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بتشييده‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬لتكون‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬واحة‭ ‬للأمن‭ ‬والأمان‭ ‬والاستقرار‭ ‬والازدهار‭.‬

ورغم‭ ‬النيات‭ ‬الطيبة‭ ‬والمساعي‭ ‬الحميدة‭ ‬التي‭ ‬بذلتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لإبعاد‭ ‬شبح‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتدعيم‭ ‬الجهود‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬دبلوماسية‭ ‬لأزمة‭ ‬الصدام‭ ‬الأمريكي‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وخاصة‭ ‬بشأن‭ ‬المشروع‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصدمة‭ ‬الكبرى‭ ‬كانت‭ ‬عندما‭ ‬بادرت‭ ‬إيران‭ ‬بالعدوان‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تقدير‭ ‬واحترام‭ ‬لعلاقات‭ ‬الأخوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أو‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬وبهدف‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والحضارية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬آلاف‭ ‬المليارات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬النهضة‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬حقبة‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وهو‭ ‬عدوان‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التهاون‭ ‬بشأنه‭ ‬لأنه‭ ‬استهدف‭ ‬أيضا‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬حرب‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬النهضة‭ ‬الحضارية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬يخيم‭ ‬عليها‭ ‬الدمار‭ ‬والخراب‭ ‬وفق‭ ‬النهج‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬العدواني‭ ‬والذي‭ ‬يمثل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬وحشية‭ ‬مثالا‭ ‬ساطعا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المخططات‭ ‬العدوانية‭ ‬ضد‭ ‬أمتنا‭ ‬العربية‭ ‬وضد‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

 

حرب‭ ‬فاشلة‭ ‬ورهانات‭ ‬خاطئة

إذا‭ ‬ما‭ ‬حاولنا‭ ‬تقييم‭ ‬الأهداف‭ ‬المعلنة‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬التحالف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وكانت‭ ‬تشكل‭ ‬الدوافع‭ ‬المحورية‭ ‬لمبادرته‭ ‬بشن‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وإفشال‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يشرف‭ ‬عليها‭ ‬الوسيط‭ ‬العماني‭ ‬بمساندة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬فإننا‭ ‬سوف‭ ‬نكتشف‭ ‬حاليا‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬الأربعين‭ ‬يوما،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬وأن‭ ‬المحصلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للحرب‭ ‬كانت‭ ‬فشلا‭ ‬ذريعا‭ ‬لأمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬رغم‭ ‬القوة‭ ‬التفجيرية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اللجوء‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الهجمات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الأهداف‭ ‬الإيرانية‭.‬

ويمكن‭ ‬رصد‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إعلانها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الآتي‭:‬

أولا‭: ‬تدمير‭ ‬المشروع‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬بشكل‭ ‬نهائي‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التخصيب‭ ‬العالية‭ ‬بدرجة‭ ‬60‭% ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤهلها‭ ‬سريعا‭ ‬لصناعة‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬درجات‭ ‬التخصيب‭ ‬إلى‭ ‬نسبة‭ ‬90‭%.‬

وتقدر‭ ‬كمية‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭% ‬لدى‭ ‬إيران‭ ‬بحوالي‭ ‬450‭ ‬كيلو‭ ‬جراما‭ ‬وهي‭ ‬كمية‭ ‬كافية‭ ‬لصناعة‭ ‬عدة‭ ‬قنابل‭ ‬نووية‭ ‬بعد‭ ‬رفع‭ ‬درجة‭ ‬تخصيبها‭.‬

ورغم‭ ‬الهجمات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المكثفة،‭ ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬منشآت‭ ‬المشروع‭ ‬النووي‭ ‬الإيرانية‭ ‬وخاصة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تشييدها‭ ‬تحت‭ ‬الجبال‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أعماق‭ ‬كبيرة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إعادة‭ ‬ترميمها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬استئناف‭ ‬أنشطة‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬فشلت‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كمية‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬لدى‭ ‬إيران،‭ ‬وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬عسكرية‭ ‬إلى‭ ‬فشل‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬تم‭ ‬شنها‭ ‬على‭ ‬منشأة‭ ‬أصفهان‭ ‬النووية‭ ‬بهدف‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الكميات‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭.‬

والمحصلة،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تطالب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المفاوضات‭ ‬بتسليم‭ ‬هذا‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬كأحد‭ ‬شروط‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجد‭ ‬معارضة‭ ‬شديدة‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬تشكل‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬تعقيدا‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الإيرانية‭.‬

ثانيا‭: ‬أعلن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وتغييره،‭ ‬وحظي‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بدعم‭ ‬أمريكي‭ ‬كامل‭ ‬وإعلانات‭ ‬أمريكية‭ ‬تطالب‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬بتغيير‭ ‬النظام،‭ ‬وانتهاز‭ ‬فرصة‭ ‬الحرب‭ ‬للقيام‭ ‬بثورة‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الملالي،‭ ‬وأظهرت‭ ‬مجريات‭ ‬الحرب‭ ‬أنه‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬خطة‭ ‬لدعم‭ ‬تمرد‭ ‬كردي‭ ‬مسلح‭ ‬للقيام‭ ‬بانتفاضة‭ ‬عسكرية‭ ‬داخلية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬فشلت‭ ‬سريعا‭ ‬بعد‭ ‬تردد‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬فيها‭.‬

ورغم‭ ‬اغتيال‭ ‬معظم‭ ‬قادة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬أيام‭ ‬الحرب،‭ ‬وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬نتنياهو‭ ‬ورهاناته‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬نظام‭ ‬الملالي،‭ ‬ووقعت‭ ‬واشنطن‭ ‬فريسة‭ ‬لخدعة‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬فإن‭ ‬النظام‭ ‬العقائدي‭ ‬الثيوقراطي‭ ‬ذا‭ ‬التركيبة‭ ‬العسكرية‭ ‬والمخابراتية‭ ‬والطابع‭ ‬القمعي‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬لانهيار‭ ‬شامل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هيمنة‭ ‬قبضة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬نظام‭ ‬الحكم،‭ ‬وتم‭ ‬انتخاب‭ ‬قيادة‭ ‬جديدة‭ ‬باختيار‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬نجل‭ ‬المرشد‭ ‬المغدور‭ ‬ليكون‭ ‬مرشداً‭ ‬جديداً،‭ ‬وتم‭ ‬استبدال‭ ‬القيادات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اغتيالها‭ ‬واستهدافها‭ ‬بقيادات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬الثاني،‭ ‬وهيمن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬إيران‭.‬

وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬هدف‭ ‬تغيير‭ ‬النظام،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬قيادات‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً‭ ‬وعدوانية‭ ‬وظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالعدوان‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬واتباع‭ ‬سياسات‭ ‬تصعيدية‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وفرض‭ ‬حصار‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭.‬

ثالثا‭: ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬كما‭ ‬أعلنتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمريكا‭ ‬هو‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البرنامج‭ ‬الصاروخي‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬يشتمل‭ ‬على‭ ‬صواريخ‭ ‬بمديات‭ ‬متعددة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬إسرائيل‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ومحاولة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الصواريخ‭ ‬نهائياً‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬جعل‭ ‬مداها‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مسافة‭ ??? ‬كيلومتر‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تهديد‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬مهاجمتها،‭ ‬لكنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستهدف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬خطرا‭ ‬مستمرا‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬

لكن‭ ‬محصلة‭ ‬الحرب‭ ‬أظهرت‭ ‬استمرار‭ ‬امتلاك‭ ‬إيران‭ ‬ترسانة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ،‭ ‬واستمرار‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬صناعتها‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬أقيمت‭ ‬تحت‭ ‬الجبال،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬استسلام‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإن‭ ‬خطر‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬سيظل‭ ‬يهدد‭ ‬كامل‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يؤكد‭ ‬فشل‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬سيظل‭ ‬يشكل‭ ‬معضلة‭ ‬أمنية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭.‬

رابعاً‭: ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأهداف‭ ‬المعلنة‭ ‬للحرب‭ ‬وضع‭ ‬نهاية‭ ‬للدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬لأذرعها‭ ‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬أيضاً،‭ ‬وانضمت‭ ‬هذه‭ ‬الأذرع‭ ‬الإيرانية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬وشنت‭ ‬هجمات‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬قوات‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬كما‭ ‬دخل‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭ ‬ومازال‭ ‬مشتبكاً‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬رغم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬وأصبحت‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مشكلات‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بالمنطقة‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إيران‭ ‬تشترط‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬صلاتها‭ ‬بهذه‭ ‬الأذرع‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وأن‭ ‬يشمل‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬عدم‭ ‬التعرض‭ ‬لنفوذ‭ ‬ووجود‭ ‬هذه‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعترض‭ ‬عليه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬هجمات‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬لله‮»‬‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬الحدودية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬هذه‭ ‬الأذرع‭ ‬المسلحة‭ ‬سوف‭ ‬يشكل‭ ‬عامل‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬المنطقة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العدوان‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬بهجمات‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السكوت‭ ‬عليه‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬لنا‭ ‬بإيجاز‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬رهانات‭ ‬خاطئة‭ ‬وحسابات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬وفق‭ ‬خطة‭ ‬خداع‭ ‬كبرى‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الموساد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ونتنياهو‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬توريط‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬وإدخال‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬كبرى‭ ‬بعد‭ ‬تهديد‭ ‬منابع‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتعطيل‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والذي‭ ‬يشكل‭ ‬مصدرا‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬نفطية‭ ‬كبرى،‭ ‬وارتفاع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬سعر‭ ‬برميل‭ ‬البترول‭ ‬حاجز‭ ‬المائة‭ ‬دولار‭.‬

وهو‭ ‬أمر‭ ‬مرشح‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التفاقم‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تدارك‭ ‬الموقف‭ ‬سريعا‭ ‬خلال‭ ‬فتره‭ ‬قصيرة‭ ‬لوضع‭ ‬نهاية‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬استئناف‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬عقبات‭ ‬أو‭ ‬عراقيل‭.‬

 

تعثر‭ ‬مفاوضات‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب

إن‭ ‬الفشل‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وخاصة‭ ‬هدف‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لإخضاع‭ ‬السياسات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬والأهداف‭ ‬الأخرى‭ ‬مثل‭ ‬تفكيك‭ ‬المشروع‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬الإجهاز‭ ‬على‭ ‬البرنامج‭ ‬الصاروخي‭ ‬الإيراني،‭ ‬وإنهاء‭ ‬دور‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬أذرع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬استراتيجي‭ ‬بالغ‭ ‬التعقيد‭ ‬وخلق‭ ‬مشكلات‭ ‬لأمن‭ ‬واستقرار‭ ‬ومستقبل‭ ‬المنطقة،‭ ‬بعد‭ ‬بروز‭ ‬معادلات‭ ‬وأوضاع‭ ‬جديدة‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭.‬

أولها‭: ‬هيمنة‭ ‬المتشددين‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬قيادات‭ ‬متطرفة‭ ‬تم‭ ‬تأهيلها‭ ‬بأيديولوجيات‭ ‬وأفكار‭ ‬مذهبية‭ ‬متطرفة‭ ‬تحمل‭ ‬توجهات‭ ‬عدوانية‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تحلم‭ ‬بتنفيذ‭ ‬المشروع‭ ‬التوسعي‭ ‬الإيراني‭ ‬للهيمنة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إحياء‭ ‬تطلعات‭ ‬وأحلام‭ ‬‮«‬تصدير‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬لتحقيق‭ ‬حلم‭ ‬قيادة‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬وفق‭ ‬أفكار‭ ‬الإمام‭ ‬الخميني‭ ‬ونهج‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

وثانيها‭: ‬تصاعد‭ ‬أحلام‭ ‬وتطلعات‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬للسيطرة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وإخضاعه‭ ‬للسيادة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتحويله‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬دولي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مضيق‭ ‬إيراني‮»‬‭ ‬يخضع‭ ‬لهيمنة‭ ‬إيران‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬بملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬العابرة‭ ‬للمضيق،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إيران‭ ‬تحت‭ ‬تهديد‭ ‬السلاح‭ ‬متحكمة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬استعماري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬القبول‭ ‬به،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬يشكل‭ ‬انتهاكا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬ويهدد‭ ‬بتفجير‭ ‬أزمات‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تحرك‭ ‬خليجي‭ ‬عربي‭ ‬دولي‭ ‬لرفض‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭. ‬

وإذا‭ ‬قبلت‭ ‬أمريكا‭ ‬بالمطالب‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كنتيجة‭ ‬لمفاوضات‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيكون‭ ‬كارثة‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وتهديدا‭ ‬مباشرا‭ ‬لحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ولسلامة‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والتي‭ ‬تشكل‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة‭ ‬لكل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ولاستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وعدم‭ ‬تعرضه‭ ‬لأزمات‭ ‬مباغتة‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وكل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وخاصة‭ ‬أوروبا‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والهند‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معنية‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬محصلة‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬ترتيب‭ ‬أوضاع‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬العالمي‭ ‬وليس‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬للتحكمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إشعال‭ ‬أزمات‭ ‬متجددة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

 

‭ ‬العرب‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭.. ‬ودروس‭ ‬الحرب‭ ‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬والمعطيات‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والأمة‭ ‬العربية‭ ‬جمعاء‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬والمسلمات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العربي‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

وهناك‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬استيعاب‭ ‬الدروس‭ ‬والاعتبار‭ ‬سريعا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬وخيمة‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وقياداتها‭ ‬الحكيمة‭ ‬نجحت‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬والإدراك‭ ‬المبكر‭ ‬لمخططات‭ ‬الزج‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬ناقة‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬جمل‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬إبعاد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عن‭ ‬مخاطر‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬رغم‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الاستفزازية‭  ‬الإيرانية‭ ‬والتي‭ ‬استهدفت‭ ‬منشآت‭  ‬ومقدرات‭ ‬حيوية‭ ‬خليجية‭  ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬تاريخي‭ ‬سوف‭ ‬يسجل‭ ‬لحكمة‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬شرور‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬على‭ ‬شعوبها‭ ‬ومقدراتها‭ ‬وبنيتها‭ ‬الحضارية،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬التحرك‭ ‬سريعاً‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬انتهاء‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬كل‭ ‬الضغوط‭ ‬الممكنة‭ ‬واستخدام‭ ‬أوراق‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬والعلاقات‭ ‬السياسية‭ ‬والدولية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬لمنع‭ ‬استئناف‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬نحو،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تأزم‭ ‬شديد‭ ‬وغضب‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بالنتائج‭ ‬الفاشلة‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬إليها‭ ‬مخططاته‭ ‬وهو‭ ‬يسعى‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬لإفشال‭ ‬المفاوضات‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬الحرب‭ ‬رغم‭ ‬تأكده‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها،‭ ‬ولكن‭ ‬فلسفة‭ ‬الحرب‭ ‬الدائمة‭ ‬ولو‭ ‬هروبا‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬الانقسام‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الداخلي‭ ‬حول‭ ‬سياسات‭ ‬نتنياهو‭ ‬يظل‭ ‬هدفا‭ ‬للحكومة‭ ‬المتطرفة‭ ‬اليمينية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬سقوطها‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬الخريف‭ ‬المقبل‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والقوى‭ ‬الاقليمية‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬مثل‭ ‬مصر‭ ‬وتركيا‭ ‬مطالبة‭ ‬باستمرار‭ ‬مساندة‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنجاح‭ ‬جهود‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحركت‭ ‬الأوساط‭ ‬الصهيونية‭ ‬السياسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للتشكيك‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬الوسيط‭ ‬الباكستاني‭ ‬واتهامه‭ ‬بالتواطؤ‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إفشال‭ ‬جهود‭ ‬الوساطة‭ ‬وإجبار‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬محصلة‭ ‬ذلك،‭ ‬فالمهم‭ ‬لدى‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬استمرار‭ ‬سياسات‭ ‬نشر‭ ‬الخراب‭ ‬والدمار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لتفادي‭ ‬النتائج‭ ‬الوخيمة‭ ‬للفشل‭ ‬في‭ ‬مخطط‭ ‬فرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصهيونية‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬إنهاء‭ ‬التهديد‭ ‬أو‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬وصدمات،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬والأمة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬وبلورة‭ ‬سياسات‭ ‬جديدة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬أفرزته‭ ‬وقائع‭ ‬الحرب،‭ ‬وهنا‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭: ‬

أولا‭: ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬باعتباره‭ ‬يشكل‭ ‬تهديدا‭ ‬وجوديا‭ ‬لأمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬فلم‭ ‬تهتم‭ ‬إيران‭ ‬بكل‭ ‬النوايا‭ ‬الحسنة‭ ‬والرغبات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬جيدة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬حسن‭ ‬الجوار،‭ ‬وثبت‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬يحمل‭ ‬أحقادا‭ ‬وأطماعا‭ ‬توسعية‭ ‬تاريخية‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التصدي‭ ‬لها‭ ‬بكل‭ ‬حزم‭ ‬وقوة،‭ ‬واتباع‭ ‬سياسات‭ ‬الحذر‭ ‬تجاه‭ ‬المخططات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬انكشاف‭ ‬أمر‭ ‬الخلايا‭ ‬والتنظيمات‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬يشرف‭ ‬عليها‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬بهدف‭ ‬تهديد‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬وهوما‭ ‬اتضح‭ ‬من‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬خلايا‭ ‬وتنظيمات‭ ‬تابعة‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬مزدوج‭ ‬عبر‭ ‬محاولات‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭ ‬والعدوان‭ ‬الغادر‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬تنفيذ‭ ‬المخططات‭ ‬التخريبية‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬عبر‭ ‬التنظيمات‭ ‬السرية‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬فكر‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬المتطرف‭ ‬والمتعصب‭ ‬والمعادي‭ ‬لاستقرار‭ ‬البلدان‭ ‬الخليجية‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬المزدوج‭ ‬لأمن‭ ‬الخليج‭ ‬يتطلب‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬للتعامل‭ ‬معه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يفرض‭ ‬سرعة‭ ‬التوجه‭ ‬لتطوير‭ ‬وتعظيم‭ ‬دور‭ ‬‮«‬قوات‭ ‬درع‭ ‬الجزيرة‮»‬‭ ‬الخليجية‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬حديثة‭ ‬ومتطورة‭ ‬لتشكل‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬هائلة‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬ومخططات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬التوسعية‭ ‬الحاقدة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬هي‭ ‬الصواريخ‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬قادرة‭ ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬صناعات‭ ‬دفاعية‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬وأيضا‭ ‬بالاستعانة‭ ‬بالدول‭ ‬الشقيقة‭ ‬والإسلامية‭ ‬الصديقة‭ ‬مثل‭ ‬تركيا‭ ‬وباكستان‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والصواريخ،‭ ‬مما‭ ‬يحقق‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬قدرات‭ ‬صاروخية‭ ‬ومسيرات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والردع‭ ‬لإيران‭.‬

إن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرات‭ ‬المالية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬صناعات‭ ‬دفاعية‭ ‬متطورة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬ليست‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬معقدة‭ ‬وأصبحت‭ ‬متوفرة‭ ‬بطرق‭ ‬متنوعة،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تطور‭ ‬سياسات‭ ‬تعليمية‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬قادرة‭ ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬علمية‭ ‬تكنولوجية‭ ‬تحقق‭ ‬أهداف‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬خليجية‭ ‬متطورة‭ ‬تضع‭ ‬حدا‭ ‬لأوهام‭ ‬وأطماع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬بأن‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬سوف‭ ‬يتحركون‭ ‬سريعا‭ ‬باتجاه‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬الخليجية‭ ‬المأمولة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬استراتيجية‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭. ‬

ثانيا‭: ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬التحرك‭ ‬الخليجي‭ ‬لتعزيز‭ ‬جهود‭ ‬التكامل‭ ‬الدفاعي‭ ‬العربي،‭ ‬وضرورة‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬الجماعي‭ ‬لتفعيل‭ ‬اتفاقية‭ ‬الدفاع‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬لأنه‭ ‬ثبت‭ ‬عمليا‭ ‬صدق‭ ‬المثل‭ ‬العربي‭ ‬القائل‭: ‬‮«‬ما‭ ‬حك‭ ‬جلدك‭ ‬مثل‭ ‬ظفرك‮»‬،‭ ‬فالعرب‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬بينهم‭ ‬الآراء‭ ‬والتوجهات‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة،‭ ‬فإن‭ ‬المصير‭ ‬العربي‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لهم‭ ‬إلا‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬واستحضار‭ ‬روح‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬ومشاريع‭ ‬التكامل‭ ‬العربي،‭ ‬لأنها‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لبناء‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬عربية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المتواصلة‭ ‬للأمن‭ ‬العربي‭.‬

فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإن‭ ‬الخطر‭ ‬الصهيوني‭ ‬أصبح‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حطمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬كل‭ ‬جهود‭ ‬التسوية‭ ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬السلام‭ ‬هدفا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لإسرائيل‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬اعتقد‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬مساعي‭ ‬السلام‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭.‬

لقد‭ ‬أصبحنا‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬التهديد‭ ‬القديم‭ ‬الجديد‭ ‬للأمة‭ ‬العربية‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أعلنت‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬سعيها‭ ‬لفرضه‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لتكون‭ ‬إسرائيل‭ ‬القوة‭ ‬المهيمنة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وإعلانها‭ ‬استعدادها‭ ‬للعدوان‭ ‬واستهداف‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الآلة‭ ‬العسكرية‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭.‬

‭ ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬علينا‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬السلام‭ ‬حلما‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فلن‭ ‬يجبر‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬السلام،‭ ‬إلا‭ ‬إنشاء‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬عسكرية‭ ‬عربية‭ ‬هائلة،‭ ‬تجبر‭ ‬إسرائيل‭ ‬وقادتها‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬الواقعي‭ ‬وليس‭ ‬التشبث‭ ‬بغرور‭ ‬وغطرسة‭ ‬القوة‭.‬

وهنا‭ ‬ننتظر‭ ‬تكوين‭ ‬محور‭ ‬خليجي‭ ‬–‭ ‬عربي‭ ‬يسميه‭ ‬البعض‭ ‬‮«‬ناتو‭ ‬عربي‮»‬‭ ‬لكي‭ ‬يتبنى‭ ‬ويقود‭ ‬يقود‭ ‬خططا‭ ‬لتنفيذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬ردع‭ ‬عربية‭ ‬سريعا‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الإمكانيات‭ ‬العربية‭ ‬متوفرة،‭ ‬يتبقى‭ ‬فقط‭ ‬وضع‭ ‬الخطط‭ ‬والسياسات‭ ‬لجعلها‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أخذ‭ ‬العرب‭ ‬بكل‭ ‬الجدية‭ ‬الحقائق‭ ‬الساطعة‭ ‬بشأن‭ ‬تهديدات‭ ‬الأمن‭ ‬والمصير‭ ‬العربي‭ ‬والتي‭ ‬كشفت‭ ‬عنها‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭.‬

ثالثا‭: ‬إن‭ ‬التخطيط‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬لخطط‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬عسكرية‭ ‬عربية،‭ ‬ولكنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ ‬نهوض‭ ‬عربي‭ ‬عصري‭ ‬شامل‭.‬

فلدى‭ ‬العرب‭ ‬الإمكانية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬النهضة‭ ‬الحضارية‭ ‬العالمية،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬إذا‭ ‬ظلوا‭ ‬متفرقين،‭ ‬وظلت‭ ‬قدراتهم‭ ‬وثرواتهم‭ ‬غير‭ ‬مستثمرة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬شامل،‭ ‬فالإمكانيات‭ ‬والثروات‭ ‬المتاحة‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬ستظل‭ ‬ضعيفة‭ ‬ومحدودة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قيمتها،‭ ‬لكنها‭ ‬ستشكل‭ ‬قوة‭ ‬كبيرة‭ ‬وهائلة‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬شامل‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬جرب‭ ‬العرب‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الخلاص‭ ‬الفردي‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬وتكتيكات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬خارجية،‭ ‬وواكب‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬اهتمام‭ ‬حقيقي‭ ‬بل‭ ‬إهمال‭ ‬لكل‭ ‬الأفكار‭ ‬والأطروحات‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬القدرات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬شامل،‭ ‬وثبت‭ ‬الآن‭ ‬مجددا‭ ‬أن‭ ‬أفكار‭ ‬‮«‬الخلاص‭ ‬الفردي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬لا‭ ‬الأمن‭  ‬ولا‭ ‬التنمية‭ ‬ولا‭ ‬امتلاك‭ ‬قدرات‭ ‬الردع،‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬فإن‭ ‬الاستسلام‭ ‬لذلك‭ ‬الخيار‭ ‬يحقق‭ ‬أهداف‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬والإقليمية‭ ‬الرامية‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ضعف‭ ‬وتفكك‭ ‬ليظلوا‭ ‬فرائس‭ ‬يسهل‭ ‬اصطيادها‭  ‬والسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬وابتزازها‭ ‬باستمرار‭.  ‬

‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬علينا‭ ‬استيعاب‭ ‬الدروس‭ ‬والعبر‭ ‬وإنهاء‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬التيه‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ضاعت‭ ‬فيها‭ ‬البوصلة‭ ‬العربية‭ ‬وضلت‭ ‬الطريق‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬وطموحات‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بلوغ‭ ‬التكامل‭ ‬والسعي‭ ‬بجدية‭ ‬نحو‭ ‬أطر‭ ‬وحدوية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬الطموحات‭ ‬العربية‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الشعور‭ ‬بالخطر‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬والمصير،‭ ‬والقلق‭ ‬بشأن‭ ‬المستقبل‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬ودوافع‭ ‬تجبر‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬سياساتها‭ ‬وتوجهاتها‭ ‬السابقة،‭ ‬والعودة‭ ‬مجددا‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬بقوة‭ ‬وبإرادة‭ ‬مخلصة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬البيت‭ ‬العربي‭ ‬الكبير،‭ ‬فلن‭ ‬يتحقق‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬إلا‭ ‬بسواعد‭ ‬أبناء‭ ‬العرب،‭ ‬ولن‭ ‬نستطيع‭ ‬مجابهة‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬وجودنا‭ ‬ومصيرنا‭ ‬ومستقبلنا‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عملنا‭ ‬بروح‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬الجماعي‭ ‬المخلص‭.‬

وهنا‭ ‬نستطيع‭ ‬القول‭: ‬لقد‭ ‬دقت‭ ‬ساعة‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنقاذ‭ ‬مستقبل‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الأوهام‭ ‬والحسابات‭ ‬الخاطئة‭ ‬والرهانات‭ ‬غير‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬الفكر‭ ‬والسياسات‭ ‬العربية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬وأثرت‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬زمام‭ ‬أمر‭ ‬مستقبلهم‭ ‬بأيديهم‭.‬

‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬أمة‭ ‬عريقة‭ ‬ونجحت‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬صد‭ ‬غزوات‭ ‬وتهديدات‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬كالخطر‭ ‬المغولي‭ ‬والحملات‭ ‬الصليبية‭ ‬والاستعمار‭ ‬الغربي،‭ ‬ونحن‭ ‬قادرون‭ ‬بعون‭ ‬الرحمن‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الأمجاد‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أقامت‭ ‬حضارة‭ ‬مزدهرة‭ ‬ممتدة‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬الصين‭ ‬شرقا‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬أوروبا‭ ‬غربا‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الأندلس‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬قوة‭ ‬الإرادة‭ ‬والعزم‭ ‬والتصميم‭ ‬والثقة‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬معطيات‭ ‬وعوامل‭ ‬نستطيع‭ ‬استنهاضها‭ ‬بعقول‭ ‬واعية‭ ‬ومستنيرة،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬زاخر‭ ‬بهذه‭ ‬العقول‭ ‬والقدرات‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬فقط‭ ‬توظيفها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الأمثل‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬الحرجة‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬انكشاف‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬الفرصة‭ ‬المناسبة‭ ‬لبدء‭ ‬حركة‭ ‬الانطلاقة‭ ‬العربية‭ ‬الكبرى‭ ‬نحو‭ ‬النهضة‭ ‬وتعظيم‭ ‬قدرات‭ ‬الاستقلال‭ ‬العربي‭ ‬الحقيقية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا