العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج يفرض سرعة إنشاء قوة ردع خليجية في إطار تكاملي عربي
جرب العرب «فكرة الخلاص الفـردي» عقــودا متوالية لكنها أخفقت في تحقيق الأمن العربي أو إنجاح التنمية

حين تنقشع غمامة الأزمة الحالكة الراهنة التي تواجهها دول الخليج والأمة العربية، وتضع الحرب الطاحنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أوزارها بشكل واضح أو نهائي، فإن العرب سوف يقفون أمام أنفسهم للتأمل والتفكير العميق في الإجابة عن السؤال المصيري: إلى متى يظل العرب أسرى حروب ومخططات خارجية وإقليمية تستهدف وجودهم وثرواتهم وحضارتهم؟
لقد كشفت ملابسات وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، أن الأمة العربية بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في كثير من الحسابات والسياسات وخاصة في ضوء العدوان الإيراني الغاشم وغير المبرر على دول الخليج والأردن والذي أظهر نوايا شريرة وأحقادا تاريخية من الواضح أن لا شفاء لها قريبا، وأن ردعها لا بد أن يتم على أيدي العرب أنفسهم.
لقد أظهرت الحرب أن العرب وخاصة دول الخليج العربية كانت ساحة لتصفية حسابات قوى توسعية تحمل مشاريع عدائية تجاه العرب وتستهدف تدمير كل ما قامت دول الخليج بتشييده على مدى عقود طويلة لتكون هذه المنطقة واحة للأمن والأمان والاستقرار والازدهار.
ورغم النيات الطيبة والمساعي الحميدة التي بذلتها دول الخليج لإبعاد شبح الحرب عن المنطقة، وتدعيم الجهود الرامية إلى الوصول إلى حلول دبلوماسية لأزمة الصدام الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران، وخاصة بشأن المشروع النووي الإيراني، إلا أن الصدمة الكبرى كانت عندما بادرت إيران بالعدوان على دول الخليج من دون أي تقدير واحترام لعلاقات الأخوة الإسلامية أو حسن الجوار وبهدف تدمير البنية التحتية الاقتصادية والحضارية لدول الخليج التي استثمرت فيها دول مجلس التعاون آلاف المليارات على مدى سنوات النهضة والتنمية في منطقة الخليج منذ بدايات حقبة الاستقلال، وهو عدوان لا يمكن التهاون بشأنه لأنه استهدف أيضا تحقيق الأهداف الصهيونية في إشعال حرب تقود إلى القضاء على النهضة الحضارية في بلدان الخليج العربي وتحويلها إلى بلدان يخيم عليها الدمار والخراب وفق النهج الإسرائيلي العدواني والذي يمثل ما حصل في قطاع غزة من حرب إبادة وحشية مثالا ساطعا على هذه المخططات العدوانية ضد أمتنا العربية وضد الإنسان العربي في كل مكان.
حرب فاشلة ورهانات خاطئة
إذا ما حاولنا تقييم الأهداف المعلنة التي أعلنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي وكانت تشكل الدوافع المحورية لمبادرته بشن الحرب ضد إيران، وإفشال المفاوضات التي كان يشرف عليها الوسيط العماني بمساندة كاملة من دول الخليج العربية، فإننا سوف نكتشف حاليا بعد حرب الأربعين يوما، أن هذه الأهداف لم تتحقق بشكل حاسم وأن المحصلة الاستراتيجية للحرب كانت فشلا ذريعا لأمريكا وإسرائيل رغم القوة التفجيرية الهائلة التي تم اللجوء إليها في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الأهداف الإيرانية.
ويمكن رصد هذه الأهداف الأساسية التي تم إعلانها في بداية الحرب على النحو الآتي:
أولا: تدمير المشروع النووي الإيراني بشكل نهائي والحصول على اليورانيوم المخصب الذي تملكه إيران من عمليات التخصيب العالية بدرجة 60% والتي يمكن أن تؤهلها سريعا لصناعة قنبلة نووية إذا تم رفع درجات التخصيب إلى نسبة 90%.
وتقدر كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لدى إيران بحوالي 450 كيلو جراما وهي كمية كافية لصناعة عدة قنابل نووية بعد رفع درجة تخصيبها.
ورغم الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة، فمن الواضح أن منشآت المشروع النووي الإيرانية وخاصة التي تم تشييدها تحت الجبال أو على أعماق كبيرة تحت الأرض ما زال من الممكن إعادة ترميمها ومن ثم استئناف أنشطة البرنامج النووي الإيراني.
وفي الوقت ذاته فشلت أمريكا وإسرائيل في الحصول على كمية اليورانيوم المخصب بدرجة عالية لدى إيران، وتشير تقارير عسكرية إلى فشل عملية عسكرية أمريكية تم شنها على منشأة أصفهان النووية بهدف الحصول على هذه الكميات من اليورانيوم المخصب.
والمحصلة، أن الولايات المتحدة تطالب من خلال المفاوضات بتسليم هذا اليورانيوم المخصب إلى واشنطن كأحد شروط إنهاء الحرب، وهو ما يجد معارضة شديدة من النظام الإيراني، وأصبحت هذه المسألة تشكل أحد أكثر القضايا تعقيدا في المفاوضات الأمريكية – الإيرانية.
ثانيا: أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن أحد أهم أهداف الحرب هو إسقاط النظام الإيراني وتغييره، وحظي هذا الموقف بدعم أمريكي كامل وإعلانات أمريكية تطالب الشعب الإيراني بتغيير النظام، وانتهاز فرصة الحرب للقيام بثورة لإسقاط نظام الملالي، وأظهرت مجريات الحرب أنه كانت هناك خطة لدعم تمرد كردي مسلح للقيام بانتفاضة عسكرية داخلية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني لكن هذه الخطة فشلت سريعا بعد تردد الأكراد في إيران في الانخراط فيها.
ورغم اغتيال معظم قادة النظام الإيراني وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي في أول أيام الحرب، وهو السيناريو الذي كان من حسابات نتنياهو ورهاناته أنه سوف يؤدي إلى انهيار نظام الملالي، ووقعت واشنطن فريسة لخدعة نتنياهو في هذا الشأن، فإن النظام العقائدي الثيوقراطي ذا التركيبة العسكرية والمخابراتية والطابع القمعي لم يتعرض لانهيار شامل في ظل هيمنة قبضة الحرس الثوري على مفاصل نظام الحكم، وتم انتخاب قيادة جديدة باختيار مجتبى خامنئي نجل المرشد المغدور ليكون مرشداً جديداً، وتم استبدال القيادات التي تم اغتيالها واستهدافها بقيادات أخرى من الصف الثاني، وهيمن الحرس الثوري على مقاليد الحكم في إيران.
وبذلك لم يتحقق هدف تغيير النظام، بل جاءت قيادات أكثر تشدداً وعدوانية وظهر ذلك في السياسات التي اتبعها النظام الإيراني بالعدوان على دول الخليج، واتباع سياسات تصعيدية كان من أبرزها السيطرة على مضيق هرمز وفرض حصار على صادرات النفط والغاز من دول الخليج العربية عبر المضيق.
ثالثا: كان من أبرز أهداف الحرب كما أعلنتها إسرائيل وأمريكا هو القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني الذي يشتمل على صواريخ بمديات متعددة تصل إلى عمق إسرائيل ويمكن أن تصل إلى أبعد من ذلك، ومحاولة القضاء على صناعة الصواريخ نهائياً أو على الأقل جعل مداها لا يتجاوز مسافة ??? كيلومتر بحيث لا تستطيع تهديد إسرائيل أو مهاجمتها، لكنها يمكن أن تستهدف دول الخليج بكل سهولة نظراً إلى القرب الجغرافي، ما يجعل التهديد الإيراني خطرا مستمرا على أمن دول الخليج.
لكن محصلة الحرب أظهرت استمرار امتلاك إيران ترسانة كبيرة من الصواريخ، واستمرار قدرتها على صناعتها في مواقع أقيمت تحت الجبال، وفي ظل عدم استسلام النظام الإيراني، فإن خطر الصواريخ الإيرانية سيظل يهدد كامل المنطقة العربية وفي طليعتها دول الخليج، وهو أمر يؤكد فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية في تحقيق هذا الهدف ما يعني أن الخطر الإيراني سيظل يشكل معضلة أمنية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.
رابعاً: كان من أبرز الأهداف المعلنة للحرب وضع نهاية للدعم الإيراني لأذرعها من التنظيمات والمليشيات المسلحة في الدول العربية وخاصة في العراق ولبنان واليمن، بما يؤدي إلى القضاء على النفوذ السياسي والعسكري لإيران في المنطقة العربية.
لكن هذا الهدف لم يتحقق أيضاً، وانضمت هذه الأذرع الإيرانية للمشاركة في الحرب وشنت هجمات ضد دول الخليج وخاصة من جانب قوات الحشد الشعبي في العراق، كما دخل «حزب الله» في لبنان الحرب إلى جانب إيران ومازال مشتبكاً مع إسرائيل رغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان. وأصبحت هذه القضية أحد أبرز مشكلات إنهاء الحرب بالمنطقة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، إذ إن إيران تشترط الإبقاء على صلاتها بهذه الأذرع المسلحة في الدول العربية، وأن يشمل وقف إطلاق النار عدم التعرض لنفوذ ووجود هذه المليشيات المسلحة، وهو ما تعترض عليه إسرائيل بسبب استمرار هجمات «حزب لله» على المناطق الحدودية في إسرائيل.
ولا شك أن بقاء هذه الأذرع المسلحة سوف يشكل عامل عدم استقرار في عموم المنطقة وخاصة في المشرق العربي ودول الخليج في ظل العدوان من جانبها بهجمات الطائرات المسيرة على دول الخليج، الأمر الذي يعني استمرار تهديد أمن دول الخليج وهو أمر لا يمكن السكوت عليه خلال المرحلة القادمة.
ومن هنا يتضح لنا بإيجاز أن هذه الحرب قامت على رهانات خاطئة وحسابات غير دقيقة وفق خطة خداع كبرى قام بها الموساد الإسرائيلي ونتنياهو أدت إلى توريط القيادة الأمريكية في هذه الحرب، وإدخال النظام العالمي كله في أزمة كبرى بعد تهديد منابع الطاقة في المنطقة وتعطيل تصدير النفط والغاز من منطقة الخليج والذي يشكل مصدرا لما لا يقل عن 20% من صادرات الطاقة في العالم، الأمر الذي أدى إلى أزمة نفطية كبرى، وارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط بعد أن تجاوز سعر برميل البترول حاجز المائة دولار.
وهو أمر مرشح لمزيد من التفاقم إذا لم يتم تدارك الموقف سريعا خلال فتره قصيرة لوضع نهاية لهذه الحرب بما يمكن من إعادة استئناف تصدير النفط والغاز من المنطقة من دون أي عقبات أو عراقيل.
تعثر مفاوضات إنهاء الحرب
إن الفشل الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب ضد إيران، وخاصة هدف إسقاط نظام الملالي في إيران والذي كان من الممكن أن يفتح الباب لإخضاع السياسات الإيرانية في الملفات والأهداف الأخرى مثل تفكيك المشروع النووي الإيراني أو الإجهاز على البرنامج الصاروخي الإيراني، وإنهاء دور المليشيات المسلحة التي تشكل أذرع إيران في المنطقة، كل هذا قاد إلى وضع استراتيجي بالغ التعقيد وخلق مشكلات لأمن واستقرار ومستقبل المنطقة، بعد بروز معادلات وأوضاع جديدة بالغة الخطورة.
أولها: هيمنة المتشددين على السلطة في إيران تحت قيادة الحرس الثوري الذي يضم قيادات متطرفة تم تأهيلها بأيديولوجيات وأفكار مذهبية متطرفة تحمل توجهات عدوانية تجاه دول الخليج العربية، كما أنها تحلم بتنفيذ المشروع التوسعي الإيراني للهيمنة على منطقة الخليج العربي بصفة خاصة فضلاً عن إحياء تطلعات وأحلام «تصدير الثورة» لتحقيق حلم قيادة العالم الإسلامي وفق أفكار الإمام الخميني ونهج «ولاية الفقيه» الذي يهدد الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي في دول الخليج.
وثانيها: تصاعد أحلام وتطلعات النظام الإيراني تحت قيادة الحرس الثوري للسيطرة والتحكم في مضيق هرمز وإخضاعه للسيادة الإيرانية، في محاولة لتحويله من مضيق دولي إلى «مضيق إيراني» يخضع لهيمنة إيران وتمكينها من فرض رسوم بملايين الدولارات على السفن العابرة للمضيق، ما يجعل إيران تحت تهديد السلاح متحكمة في حركة الملاحة في الخليج العربي، وهو وضع استعماري لا يمكن لدول الخليج العربي القبول به، فضلاً عن أنه يشكل انتهاكا للقانون الدولي ويهدد بتفجير أزمات لا نهاية لها في المنطقة، ولذلك لا بد أن يكون هناك تحرك خليجي عربي دولي لرفض أي تغيير في وضع مضيق هرمز عما كان عليه قبل اندلاع هذه الحرب الأخيرة.
وإذا قبلت أمريكا بالمطالب الإيرانية في مضيق هرمز كنتيجة لمفاوضات إنهاء الحرب فإن ذلك سيكون كارثة على أمن الطاقة في العالم وتهديدا مباشرا لحرية الملاحة في الخليج العربي ولسلامة الإمدادات النفطية من دول الخليج والتي تشكل أهمية بالغة لكل دول العالم، ولاستقرار الاقتصاد العالمي وعدم تعرضه لأزمات مباغتة.
ولذلك فإن دول الخليج وكل دول العالم وخاصة أوروبا والقوى الكبرى مثل روسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند يجب أن تكون معنية بأن تكون محصلة إنهاء الحرب هي ترتيب أوضاع تؤدي إلى الاستقرار العالمي وليس فتح باب للتحكمات الإيرانية بما يؤدي إلى إشعال أزمات متجددة في المنطقة.
العرب ودول الخليج.. ودروس الحرب
لقد كشفت هذه الحرب المدمرة عن كثير من الأمور والمعطيات التي تفرض على دول الخليج والأمة العربية جمعاء إعادة النظر في كثير من المعطيات والمسلمات التي سادت في التفكير الاستراتيجي العربي سنوات طويلة.
وهناك حاجة ماسة إلى استيعاب الدروس والاعتبار سريعا بكل ما كشفت عنه الحرب من نتائج وخيمة.
صحيح أن دول الخليج وقياداتها الحكيمة نجحت عبر سياسات ضبط النفس والإدراك المبكر لمخططات الزج بدول الخليج في حرب لا ناقة لها ولا جمل فيها في إبعاد دول الخليج عن مخاطر التورط في الحرب رغم الاعتداءات الاستفزازية الإيرانية والتي استهدفت منشآت ومقدرات حيوية خليجية وهو موقف تاريخي سوف يسجل لحكمة قادة دول الخليج التي نجحت في الحد من شرور هذه الحرب المدمرة على شعوبها ومقدراتها وبنيتها الحضارية، ولكن من المهم التحرك سريعاً وحتى قبل انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية بالعمل على ممارسة كل الضغوط الممكنة واستخدام أوراق القوة الاقتصادية والمالية والعلاقات السياسية والدولية لدول الخليج لمنع استئناف الحرب على أي نحو، وخاصة أن الطرف الإسرائيلي في حالة تأزم شديد وغضب من انتهاء الحرب بالنتائج الفاشلة التي انتهت إليها مخططاته وهو يسعى بكل الطرق لإفشال المفاوضات والعودة إلى استئناف الحرب رغم تأكده من صعوبة تحقيق الأهداف التي يسعى إليها، ولكن فلسفة الحرب الدائمة ولو هروبا من مواجهة واقع الانقسام الإسرائيلي الداخلي حول سياسات نتنياهو يظل هدفا للحكومة المتطرفة اليمينية في إسرائيل التي تخشى سقوطها في الانتخابات الإسرائيلية القادمة في الخريف المقبل.
ومن هنا، فإن في دول الخليج والقوى الاقليمية المؤثرة في المنطقة مثل مصر وتركيا مطالبة باستمرار مساندة الوساطة الباكستانية من أجل إنجاح جهود إنهاء الحرب، خاصة بعد أن تحركت الأوساط الصهيونية السياسية والإعلامية في أمريكا في محاولة للتشكيك في جهود الوسيط الباكستاني واتهامه بالتواطؤ مع الجانب الإيراني. ومن الواضح أن الهدف من ذلك إفشال جهود الوساطة وإجبار الإدارة الأمريكية على العودة إلى الحرب بغض النظر عن محصلة ذلك، فالمهم لدى حكومة نتنياهو استمرار سياسات نشر الخراب والدمار في المنطقة لتفادي النتائج الوخيمة للفشل في مخطط فرض الهيمنة الصهيونية على منطقة الخليج والمنطقة العربية عبر إنهاء التهديد أو الخطر الإيراني وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وفي ضوء ما كشفت عنه هذه الحرب من حقائق وصدمات، فلا بد لدول الخليج والأمة العربية من إعادة النظر في كثير من الأمور وبلورة سياسات جديدة للتعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته وقائع الحرب، وهنا نشير إلى ما يأتي:
أولا: التعامل مع الخطر الإيراني باعتباره يشكل تهديدا وجوديا لأمن دول الخليج، فلم تهتم إيران بكل النوايا الحسنة والرغبات الخليجية في إقامة علاقات جيدة على أساس حسن الجوار، وثبت أن النظام الإيراني يحمل أحقادا وأطماعا توسعية تاريخية ضد دول الخليج، ولا بد من التصدي لها بكل حزم وقوة، واتباع سياسات الحذر تجاه المخططات الإيرانية وخاصة بعد انكشاف أمر الخلايا والتنظيمات السرية التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني بهدف تهديد استقرار المجتمعات الخليجية، وهوما اتضح من الكشف عن خلايا وتنظيمات تابعة للحرس الثوري الإيراني في دول الخليج وخاصة في البحرين والكويت والإمارات وقطر في الآونة الأخيرة.
ومن هنا، فإن التهديد الإيراني هو تهديد مزدوج عبر محاولات استخدام القوة المسلحة والعدوان الغادر بالصواريخ والطائرات المسيرة من ناحية، ومن جانب آخر، تنفيذ المخططات التخريبية في داخل المجتمعات الخليجية عبر التنظيمات السرية المسلحة التي تتبع فكر «ولاية الفقيه» المتطرف والمتعصب والمعادي لاستقرار البلدان الخليجية.
إن هذا التهديد الإيراني المزدوج لأمن الخليج يتطلب استراتيجية جديدة مختلفة من دول الخليج للتعامل معه، وهو أمر يفرض سرعة التوجه لتطوير وتعظيم دور «قوات درع الجزيرة» الخليجية وتمكينها من قدرات عسكرية حديثة ومتطورة لتشكل «قوة ردع هائلة» ضد التهديد الإيراني ومخططات الحرس الثوري التوسعية الحاقدة.
وإذا كانت عناصر القوة الأساسية التي يعتمد عليها الحرس الثوري هي الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، فإن دول الخليج قادرة خلال وقت قصير على تطوير صناعات دفاعية عسكرية في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة بالاعتماد على الذات، وأيضا بالاستعانة بالدول الشقيقة والإسلامية الصديقة مثل تركيا وباكستان المتقدمة في صناعة الطائرات المسيرة والصواريخ، مما يحقق لدول الخليج قدرات صاروخية ومسيرات قادرة على تحقيق التوازن الاستراتيجي والردع لإيران.
إن دول الخليج تمتلك القدرات المالية القادرة على بناء صناعات دفاعية متطورة، كما أن تكنولوجيا الصواريخ والمسيرات ليست تكنولوجيا معقدة وأصبحت متوفرة بطرق متنوعة، ولذلك فإن دول الخليج التي تطور سياسات تعليمية متقدمة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قادرة خلال وقت قصير على بناء قاعدة علمية تكنولوجية تحقق أهداف بناء قوة ردع خليجية متطورة تضع حدا لأوهام وأطماع إيران في منطقة الخليج العربي. ونحن على ثقة بأن قادة دول الخليج سوف يتحركون سريعا باتجاه بناء قوة الردع الخليجية المأمولة في ضوء ما كشفت عنه الحرب من حقائق استراتيجية بالغة الأهمية.
ثانيا: كشفت الحرب عن ضرورة التحرك الخليجي لتعزيز جهود التكامل الدفاعي العربي، وضرورة العمل العربي الجماعي لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لأنه ثبت عمليا صدق المثل العربي القائل: «ما حك جلدك مثل ظفرك»، فالعرب مهما اختلفت بينهم الآراء والتوجهات في مراحل معينة، فإن المصير العربي واحد، ولا يمكن لهم إلا الاعتماد على أنفسهم واستحضار روح الوحدة العربية ومشاريع التكامل العربي، لأنها السبيل الوحيد لبناء قوة ردع عربية قادرة على مواجهة التهديدات المتواصلة للأمن العربي.
فبالإضافة إلى التهديد الإيراني، فإن الخطر الصهيوني أصبح بالغ الخطورة بعد أن حطمت إسرائيل كل جهود التسوية والسلام في المنطقة ولم يعد السلام هدفا استراتيجيا لإسرائيل مع العرب وفق ما اعتقد العرب على مدى أكثر من نصف قرن منذ بدء مساعي السلام بعد حرب أكتوبر 1973.
لقد أصبحنا الآن أمام التهديد القديم الجديد للأمة العربية والمتمثل في مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي أعلنت القيادة الإسرائيلية بكل وضوح سعيها لفرضه في المنطقة لتكون إسرائيل القوة المهيمنة في المنطقة العربية، وإعلانها استعدادها للعدوان واستهداف أي منطقة في العالم العربي في أي وقت، وأنه لا توجد أي قيود على الآلة العسكرية الصهيونية في كل المنطقة العربية.
من هنا، علينا استيعاب هذه الحقائق بعد أن أصبح السلام حلما غير واقعي مع إسرائيل، فلن يجبر إسرائيل على التفكير في السلام، إلا إنشاء قوة ردع عسكرية عربية هائلة، تجبر إسرائيل وقادتها على التفكير الواقعي وليس التشبث بغرور وغطرسة القوة.
وهنا ننتظر تكوين محور خليجي – عربي يسميه البعض «ناتو عربي» لكي يتبنى ويقود يقود خططا لتنفيذ استراتيجية ردع عربية سريعا وخاصة أن الإمكانيات العربية متوفرة، يتبقى فقط وضع الخطط والسياسات لجعلها قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وهذا لن يتحقق إلا إذا أخذ العرب بكل الجدية الحقائق الساطعة بشأن تهديدات الأمن والمصير العربي والتي كشفت عنها هذه الحرب المدمرة.
ثالثا: إن التخطيط لحماية الأمن العربي في المستقبل لا يتوقف على إعطاء أهمية كبرى لخطط بناء قوة ردع عسكرية عربية، ولكنه يجب أن يكون في إطار مشروع نهوض عربي عصري شامل.
فلدى العرب الإمكانية والقدرة على اللحاق بركب النهضة الحضارية العالمية، ولكن ذلك لن يحدث إذا ظلوا متفرقين، وظلت قدراتهم وثرواتهم غير مستثمرة في إطار تكاملي شامل، فالإمكانيات والثروات المتاحة لدى كل دولة عربية ستظل ضعيفة ومحدودة مهما كانت قيمتها، لكنها ستشكل قوة كبيرة وهائلة إذا تم توظيفها في إطار تكاملي شامل.
لقد جرب العرب خلال العقود الماضية فكرة «الخلاص الفردي» عبر سياسات وتكتيكات قائمة على التعاون مع قوى خارجية، وواكب ذلك عدم اهتمام حقيقي بل إهمال لكل الأفكار والأطروحات التي تدعو إلى استغلال القدرات العربية في إطار تكاملي شامل، وثبت الآن مجددا أن أفكار «الخلاص الفردي» لا تحقق لا الأمن ولا التنمية ولا امتلاك قدرات الردع، وفي ذات الوقت فإن الاستسلام لذلك الخيار يحقق أهداف القوى الخارجية والإقليمية الرامية دائما إلى إبقاء العرب في حالة ضعف وتفكك ليظلوا فرائس يسهل اصطيادها والسيطرة عليها وابتزازها باستمرار.
ومن هنا، علينا استيعاب الدروس والعبر وإنهاء مرحلة «التيه العربي» التي ضاعت فيها البوصلة العربية وضلت الطريق عن تحقيق أهداف وطموحات الجماهير العربية في بلوغ التكامل والسعي بجدية نحو أطر وحدوية قادرة على تلبية الطموحات العربية.
ولا شك أن الشعور بالخطر على البقاء والمصير، والقلق بشأن المستقبل كما ظهر من نتائج الحرب الراهنة في المنطقة، كلها عوامل ودوافع تجبر كل الدول العربية على إعادة النظر في كل سياساتها وتوجهاتها السابقة، والعودة مجددا إلى العمل بقوة وبإرادة مخلصة في إطار البيت العربي الكبير، فلن يتحقق الأمن العربي إلا بسواعد أبناء العرب، ولن نستطيع مجابهة كل التحديات الخطيرة التي تهدد وجودنا ومصيرنا ومستقبلنا إلا إذا عملنا بروح واحدة في إطار العمل العربي الجماعي المخلص.
وهنا نستطيع القول: لقد دقت ساعة العمل العربي من أجل إنقاذ مستقبل الأمة العربية، بعيدا عن كل الأوهام والحسابات الخاطئة والرهانات غير الدقيقة التي سادت الفكر والسياسات العربية خلال العقود الماضية، وأثرت سلبا على قدرة العرب على امتلاك زمام أمر مستقبلهم بأيديهم.
ذلك أن الأمة العربية هي أمة عريقة ونجحت على مر التاريخ في صد غزوات وتهديدات بالغة الخطورة كالخطر المغولي والحملات الصليبية والاستعمار الغربي، ونحن قادرون بعون الرحمن على إعادة الأمجاد العربية التي أقامت حضارة مزدهرة ممتدة من حدود الصين شرقا إلى جنوب أوروبا غربا في بلاد الأندلس.
إن كل ما نحتاج إليه هو قوة الإرادة والعزم والتصميم والثقة بأنفسنا، وكل هذه معطيات وعوامل نستطيع استنهاضها بعقول واعية ومستنيرة، ولا شك أن عالمنا العربي زاخر بهذه العقول والقدرات التي تنتظر فقط توظيفها على النحو الأمثل.
وفي تقديرنا أن اللحظة التاريخية الحرجة الراهنة التي يعيشها عالمنا العربي في ضوء انكشاف الأمن العربي هو الفرصة المناسبة لبدء حركة الانطلاقة العربية الكبرى نحو النهضة وتعظيم قدرات الاستقلال العربي الحقيقية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك