العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إعادة تشكيل خريطة القوى الاقتصادية العالمية

بقلم: د. حسن يوسف علي

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬عدت‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬قصيرة‭ ‬للقاهرة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الزملاء‭ ‬المهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬أعد‭ ‬محاضرة‭ ‬عن‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬آنذاك‭.. ‬وكان‭ ‬السؤال‭ ‬المحوري‭ ‬خلال‭ ‬العرض‭ ‬يتعلق‭ ‬بالدولة‭ ‬التي‭ ‬أعتبرها‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الرائد‭ ‬الذي‭ ‬أتمنى‭ ‬لمصر‭ ‬اتباعه‭.‬

وكانت‭ ‬دهشة‭ ‬كبرى‭ ‬حين‭ ‬أجبت‭ ‬بحسم‭ ‬أن‭ ‬أنجح‭ ‬اقتصاد‭ ‬وأفضل‭ ‬نموذج‭ ‬يجب‭ ‬اقتفاء‭ ‬أثره‭ ‬آنذاك‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬الألماني‭ ‬وليس‭ ‬الأمريكي‭. ‬تذكرت‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬مجددًا‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬أنباء‭ ‬أزمة‭ ‬إفلاس‭ ‬الشركات‭ ‬الألمانية‭ ‬المفزعة؛‭ ‬فخلال‭ ‬السنوات‭ ‬2020‭-‬2026،‭ ‬أشهرت‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬مليون‭ ‬وستة‭ ‬وخمسين‭ ‬ألف‭ ‬شركة‭ ‬إفلاسها،‭ ‬بمعدل‭ ‬486‭ ‬إفلاسًا‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد،‭ ‬مع‭ ‬تقديرات‭ ‬بانهيار‭ ‬24650‭ ‬شركة‭ ‬في‭ ‬2026‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لعقود‭ ‬متتالية،‭ ‬وُصفت‭ ‬ألمانيا‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬قاطرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي‮»‬‭ ‬و«بطل‭ ‬التصدير‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬ارتكز‭ ‬نموذجها‭ ‬الاستثنائي‭ ‬على‭ ‬معادلة‭ ‬ذهبية‭ ‬شديدة‭ ‬الفعالية‭: ‬طاقة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬من‭ ‬روسيا،‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعية‭ ‬متطورة،‭ ‬عمالة‭ ‬عالية‭ ‬التأهيل،‭ ‬يورو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬الافتراضية،‭ ‬وأسواق‭ ‬تصديرية‭ ‬واسعة‭ ‬ونهمة‭ ‬كالصين،‭ ‬لكن‭ ‬اليوم،‭ ‬تهاوت‭ ‬أركان‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬تباعًا‭ ‬ليعود‭ ‬شبح‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬أوروبا‭ ‬المريض‮»‬‭ ‬ليخيم‭ ‬على‭ ‬برلين‭ ‬وسط‭ ‬تحولات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬ضخمة‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭.‬

أولًا‭: ‬ملامح‭ ‬التدهور‭ ‬من‭ ‬الصعود‭ ‬الوهمي‭ ‬إلى‭ ‬الركود‭ ‬الهيكلي‭.. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الألماني‭ ‬مزدهرًا‭ ‬بصعوده‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬عالميًا‭ ‬متخطيًا‭ ‬اليابان‭ ‬بين‭ ‬2023‭ ‬و2024،‭ ‬بناتج‭ ‬قُدر‭ ‬بحوالي‭ ‬4‭.‬5‭ ‬إلى‭ ‬4‭.‬7‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬الظاهري‭ ‬نتج‭ ‬مباشرة‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬الين‭ ‬الياباني‭ ‬وتراجع‭ ‬اقتصاد‭ ‬طوكيو‭ ‬السريع‭. ‬تاريخيًا،‭ ‬بعد‭ ‬انكماش‭ ‬2009‭ ‬القاسي‭ ‬بنسبة‭ (-‬5.7‭%‬‭)‬،‭ ‬عاشت‭ ‬برلين‭ ‬‮«‬عقدًا‭ ‬ذهبيًا‮»‬‭ ‬امتد‭ ‬خلال‭ (‬2010-2019‭) ‬بمتوسط‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬1‭.‬5‭%‬‭ ‬و2‭%‬،‭ ‬وبطالة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬5‭%‬‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬مسلسل‭ ‬الأزمات‭ ‬المتتالية‭ ‬بدأ‭ ‬مع‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬بانكماش‭ (-‬3.8‭%‬‭)‬،‭ ‬وتوالى‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬ليدخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬ركود‭ ‬مقنع‭ ‬بنسب‭ ‬نمو‭ ‬حول‭ (‬0.1‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬2‭%‬‭) ‬خلال‭ ‬2024‭ ‬و2025‭. ‬ورغم‭ ‬توقعات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬بتسارع‭ ‬طفيف‭ ‬لنحو‭ ‬1‭%‬‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬و1‭.‬5‭%‬‭ ‬في‭ ‬2027،‭ ‬فإن‭ ‬المشكلات‭ ‬الهيكلية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنخر‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬عصب‭ ‬الاقتصاد‭.‬

ثانيًا‭: ‬جذور‭ ‬الأزمة‭ ‬وأسباب‭ ‬التدهور‭ ‬الهيكلي‭..‬

الركود‭ ‬الحالي‭ ‬ليس‭ ‬أزمة‭ ‬عابرة‭ ‬بل‭ ‬مرضا‭ ‬هيكليا‭ ‬جذريا‭ ‬ناتجا‭ ‬عن‭ ‬صدمة‭ ‬الطاقة‭: ‬فقدت‭ ‬الصناعة‭ ‬الألمانية‭ ‬ميزتها‭ ‬التنافسية‭ ‬الكبرى‭ ‬بانقطاع‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭ ‬المغذي‭ ‬لصناعات‭ ‬ثقيلة‭ ‬كالكيماويات‭ ‬والتعدين‭ ‬والورق،‭ ‬لتصبح‭ ‬كلفة‭ ‬التشغيل‭ ‬والطاقة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬أعلى‭ ‬بضعفين‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعاف‭ ‬من‭ ‬نظيرتها‭ ‬الأمريكية‭.‬

التحول‭ ‬الصيني‭: ‬تحولت‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬مستورد‭ ‬مستأنس‭ ‬إلى‭ ‬منافس‭ ‬مفترس‭ ‬يزيح‭ ‬برلين‭ ‬من‭ ‬أسواقها،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬بلغت‭ ‬الواردات‭ ‬الألمانية‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬170.6‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬بزيادة‭ ‬8‭.‬8‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬هبطت‭ ‬صادرات‭ ‬برلين‭ ‬إليها‭ ‬بنسبة‭ ‬9‭.‬7‭%‬‭ ‬لتبلغ‭ ‬81‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭.‬

أزمة‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭: ‬يواجه‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬التاريخي‭ ‬أزمة‭ ‬وجودية‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬التحول‭ ‬للمركبات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬القيمة‭ ‬للبطارية‭ ‬والبرمجيات‭ ‬والبيانات‭ ‬التي‭ ‬تتفوق‭ ‬فيها‭ ‬الصين‭. ‬وقد‭ ‬استوردت‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭.‬1‭ ‬مليون‭ ‬سيارة‭ ‬صينية‭ ‬استحوذت‭ ‬على‭ ‬20‭%‬‭ ‬من‭ ‬مبيعات‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬بالبطارية‭.‬

الاختناق‭ ‬الديموغرافي‭: ‬مع‭ ‬تقاعد‭ ‬جيل‭ ‬‮«‬طفرة‭ ‬المواليد‮»‬،‭ ‬Baby‭ ‬Boomers،‭ ‬سيفقد‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الألماني‭ ‬7‭ ‬ملايين‭ ‬عامل‭ ‬بحلول‭ ‬2035،‭ ‬وتحتاج‭ ‬البلاد‭ ‬إلى400‭ ‬ألف‭ ‬مهاجر‭ ‬ماهر‭ ‬سنويًا‭ ‬وسط‭ ‬تحديات‭ ‬البيروقراطية‭ ‬المعقدة‭ ‬وصعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭.‬

ثالثًا‭: ‬تداعيات‭ ‬التدهور‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬والسباق‭ ‬الأمريكي‭- ‬الصيني،‭ ‬يمتد‭ ‬الأثر‭ ‬ليعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيواقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

الركود‭ ‬الأوروبي‭ ‬المعدي‭: ‬تمثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬ربع‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭ ‬لمنطقة‭ ‬اليورو،‭ ‬واعتماد‭ ‬صناعتها‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬توريد‭ ‬معقدة‭ ‬تمتد‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬بولندا،‭ ‬والتشيك،‭ ‬والمجر،‭ ‬وسلوفاكيا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬إنتاجها‭ ‬سيؤدى‭ ‬الى‭ ‬إغلاق‭ ‬مصانع‭ ‬وتسريح‭ ‬عمال‭ ‬هناك،‭ ‬مقلصًا‭ ‬قدرتها‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الميزانية‭ ‬الأوروبية‭.‬

توسيع‭ ‬الفجوة‭ ‬لصالح‭ ‬واشنطن‭: ‬أمريكا‭ ‬هي‭ ‬الرابح‭ ‬الأكبر؛‭ ‬فبعد‭ ‬تقارب‭ ‬اقتصاديهما‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بنحو‭ ‬14‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬منهما،‭ ‬تجاوز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬حاجز‭ ‬الـ28‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭. ‬وبفضل‭ ‬توافر‭ ‬الطاقة‭ ‬الرخيصة‭ ‬و«قانون‭ ‬خفض‭ ‬التضخم‮»‬،‭ ‬بدأت‭ ‬عمالقة‭ ‬الصناعة‭ ‬الألمانية‭ ‬بنقل‭ ‬استثماراتها‭ ‬الكبرى‭ ‬الى‭ ‬أمريكا‭.‬

ترسيخ‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصينية‭: ‬يُعد‭ ‬التدهور‭ ‬الصناعي‭ ‬الألماني‭ ‬انتصارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬للصين،‭ ‬إذ‭ ‬يرسخ‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬والمركبات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬مفقدًا‭ ‬الغرب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬قلاعه‭ ‬الصناعية‭.‬

{ أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة

ولاية‭ ‬أوهايو‭ ‬وجامعة‭ ‬النيل

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا