أتذكر أنني عدت من الولايات المتحدة في زيارة قصيرة للقاهرة في بداية عام 2012، وطلب مني مجموعة من الزملاء المهتمين بالشأن العام أن أعد محاضرة عن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك.. وكان السؤال المحوري خلال العرض يتعلق بالدولة التي أعتبرها النموذج الاقتصادي الرائد الذي أتمنى لمصر اتباعه.
وكانت دهشة كبرى حين أجبت بحسم أن أنجح اقتصاد وأفضل نموذج يجب اقتفاء أثره آنذاك هو النموذج الألماني وليس الأمريكي. تذكرت هذه الواقعة مجددًا وأنا أتابع أنباء أزمة إفلاس الشركات الألمانية المفزعة؛ فخلال السنوات 2020-2026، أشهرت ما يربو على مليون وستة وخمسين ألف شركة إفلاسها، بمعدل 486 إفلاسًا في اليوم الواحد، مع تقديرات بانهيار 24650 شركة في 2026.
تجدر الإشارة إلى أنه لعقود متتالية، وُصفت ألمانيا بأنها «قاطرة الاقتصاد الأوروبي» و«بطل التصدير العالمي»، ارتكز نموذجها الاستثنائي على معادلة ذهبية شديدة الفعالية: طاقة منخفضة التكلفة من روسيا، قاعدة صناعية متطورة، عمالة عالية التأهيل، يورو أقل من قيمته الافتراضية، وأسواق تصديرية واسعة ونهمة كالصين، لكن اليوم، تهاوت أركان هذه المعادلة تباعًا ليعود شبح «رجل أوروبا المريض» ليخيم على برلين وسط تحولات جيوسياسية وتكنولوجية ضخمة تعيد رسم موازين القوى.
أولًا: ملامح التدهور من الصعود الوهمي إلى الركود الهيكلي.. قد يبدو الاقتصاد الألماني مزدهرًا بصعوده إلى المركز الثالث عالميًا متخطيًا اليابان بين 2023 و2024، بناتج قُدر بحوالي 4.5 إلى 4.7 تريليونات دولار، غير أن هذا الصعود الظاهري نتج مباشرة عن انهيار الين الياباني وتراجع اقتصاد طوكيو السريع. تاريخيًا، بعد انكماش 2009 القاسي بنسبة (-5.7%)، عاشت برلين «عقدًا ذهبيًا» امتد خلال (2010-2019) بمتوسط نمو سنوي تراوح بين 1.5% و2%، وبطالة قريبة من 5%.
إلا أن مسلسل الأزمات المتتالية بدأ مع جائحة كورونا عام 2020 بانكماش (-3.8%)، وتوالى مع الحرب الروسية الأوكرانية، ليدخل الاقتصاد في ركود مقنع بنسب نمو حول (0.1% إلى 0.2%) خلال 2024 و2025. ورغم توقعات صندوق النقد الدولي بتسارع طفيف لنحو 1% في 2026 و1.5% في 2027، فإن المشكلات الهيكلية لا تزال تنخر بقوة في عصب الاقتصاد.
ثانيًا: جذور الأزمة وأسباب التدهور الهيكلي..
الركود الحالي ليس أزمة عابرة بل مرضا هيكليا جذريا ناتجا عن صدمة الطاقة: فقدت الصناعة الألمانية ميزتها التنافسية الكبرى بانقطاع الغاز الروسي المغذي لصناعات ثقيلة كالكيماويات والتعدين والورق، لتصبح كلفة التشغيل والطاقة في ألمانيا أعلى بضعفين إلى ثلاثة أضعاف من نظيرتها الأمريكية.
التحول الصيني: تحولت بكين من مستورد مستأنس إلى منافس مفترس يزيح برلين من أسواقها، في عام 2025، بلغت الواردات الألمانية من الصين 170.6 مليار يورو بزيادة 8.8%، بينما هبطت صادرات برلين إليها بنسبة 9.7% لتبلغ 81.3 مليار يورو.
أزمة صناعة السيارات: يواجه هذا القطاع التاريخي أزمة وجودية حقيقية مع التحول للمركبات الكهربائية، حيث انتقلت القيمة للبطارية والبرمجيات والبيانات التي تتفوق فيها الصين. وقد استوردت أوروبا في 2025 أكثر من 1.1 مليون سيارة صينية استحوذت على 20% من مبيعات السيارات الكهربائية بالبطارية.
الاختناق الديموغرافي: مع تقاعد جيل «طفرة المواليد»، Baby Boomers، سيفقد سوق العمل الألماني 7 ملايين عامل بحلول 2035، وتحتاج البلاد إلى400 ألف مهاجر ماهر سنويًا وسط تحديات البيروقراطية المعقدة وصعود اليمين المتطرف.
ثالثًا: تداعيات التدهور على أوروبا والسباق الأمريكي- الصيني، يمتد الأثر ليعيد تشكيل الخريطة الجيواقتصادية العالمية.
الركود الأوروبي المعدي: تمثل ألمانيا ربع الناتج المحلى الإجمالي لمنطقة اليورو، واعتماد صناعتها على شبكة توريد معقدة تمتد الى دول مثل بولندا، والتشيك، والمجر، وسلوفاكيا، ما يعني أن تراجع إنتاجها سيؤدى الى إغلاق مصانع وتسريح عمال هناك، مقلصًا قدرتها السياسية على تمويل الميزانية الأوروبية.
توسيع الفجوة لصالح واشنطن: أمريكا هي الرابح الأكبر؛ فبعد تقارب اقتصاديهما عام 2008 بنحو 14 تريليون دولار لكل منهما، تجاوز الاقتصاد الأمريكي حاجز الـ28 تريليون دولار في عام 2026. وبفضل توافر الطاقة الرخيصة و«قانون خفض التضخم»، بدأت عمالقة الصناعة الألمانية بنقل استثماراتها الكبرى الى أمريكا.
ترسيخ الهيمنة الصينية: يُعد التدهور الصناعي الألماني انتصارًا استراتيجيًا للصين، إذ يرسخ هيمنتها على سلاسل توريد الاقتصاد الأخضر والمركبات الكهربائية، مفقدًا الغرب واحدة من أهم قلاعه الصناعية.
{ أستاذ الاقتصاد بجامعة
ولاية أوهايو وجامعة النيل

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك