العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التطور التكنولوجي ومعادلة التعايش بين القديم والجديد

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

نعيش‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية؛‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬تقطع‭ ‬الأجواء،‭ ‬وسيارات‭ ‬كهربائية‭ ‬ذكية‭ ‬تقود‭ ‬نفسها،‭ ‬ورقاقات‭ ‬إلكترونية‭ ‬تُحاكي‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬وتطبيقات‭ ‬حوسبية‭ ‬تختصر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬والإجراءات‭ ‬الورقية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬العمل،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التسارع‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الكبير‭ ‬يندفع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬والمتحمسين‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬نبوءات‭ ‬حتمية‭ ‬تؤكد‭ ‬الاستغناء‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة،‭ ‬ولكن‭ ‬نظرة‭ ‬واحدة‭ ‬فاحصة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬سطحية‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬تَمحو‭ ‬ما‭ ‬قبلها‭ ‬بنسبة‭ ‬100‭% ‬هو‭ ‬شخص‭ ‬واهم‭ ‬غابت‭ ‬عنه‭ ‬حضارة‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالإلغاء‭ ‬التام،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تعايش‭ ‬إنساني‭ ‬وتكامل‭ ‬بين‭ ‬العصور،‭ ‬نعم‭ ‬قد‭ ‬تختفي‭ ‬بعض‭ ‬المظاهر‭ ‬أو‭ ‬الوسائل‭ ‬المُستخدمة‭ ‬في‭ ‬انجاز‭ ‬الاعمال‭ ‬وغيرها‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬اختفاء‭ ‬جميعها‭.‬

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬دليلاً‭ ‬حياً‭ ‬فلننظر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬المصرية؛‭ ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬المكواة‭ ‬الكهربائية‭ ‬وأجهزة‭ ‬البخار‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منزل‭ ‬فإن‭ ‬استخدام‭ ‬مكواة‭ ‬الرِجل‭ ‬البدائية‭ ‬التي‭ ‬تُسخن‭ ‬على‭ ‬موقد‭ ‬نار‭ ‬مباشر‭ ‬مازالت‭ ‬تُستخدم‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬السياق‭ ‬يظن‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬قطارات‭ ‬الفحم‭ ‬والبخار‭ ‬أصبحت‭ ‬قصصاً‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬بعد‭ ‬اختراع‭ ‬المحركات‭ ‬النفاثة‭ ‬والقطارات‭ ‬المغناطيسية‭ ‬السريعة‭ ‬والمحركات‭ ‬الكهربائية‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬قطارات‭ ‬الفحم‭ ‬والديزل‭ ‬التقليدية‭ ‬مازالت‭ ‬تشكل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لنقل‭ ‬البضائع‭ ‬الثقيلة‭ ‬والمعادن‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬والبرازيل‭ ‬والمكسيك‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬جدواها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الهائلة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المسافات‭ ‬الشاسعة‭ ‬والظروف‭ ‬المناخية‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬عليها‭ ‬الشبكات‭ ‬الكهربائية‭ ‬المعقدة‭.‬

القصة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬المكواة‭ ‬والقطار،‭ ‬فالأمثلة‭ ‬حولنا‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬وتثبت‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الجديدة‭ ‬تضيف‭ ‬خيارات‭ ‬ولا‭ ‬تلغي‭ ‬القديمة؛‭ ‬فعند‭ ‬ظهور‭ ‬الإنترنت‭ ‬تنبأ‭ ‬الجميع‭ ‬بموت‭ ‬الراديو‭ ‬والتلفزيون،‭ ‬واليوم‭ ‬مازال‭ ‬الراديو‭ ‬الصديق‭ ‬الأول‭ ‬للملايين‭ ‬في‭ ‬سياراتهم،‭ ‬ومازالت‭ ‬شبكات‭ ‬البث‭ ‬الفضائي‭ ‬تنقل‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬بكفاءة‭ ‬تفوق‭ ‬أحياناً‭ ‬تدفق‭ ‬الإنترنت‭ ‬الضعيف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الكتب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والصحف‭ ‬الرقمية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬للكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬رونقه‭ ‬ومبيعاته‭ ‬المليارية‭ ‬عالمياً،‭ ‬فالإنسان‭ ‬مازال‭ ‬يفضل‭ ‬الملمس‭ ‬الفيزيائي‭ ‬والراحة‭ ‬البصرية‭ ‬للورق،‭ ‬كذلك‭ ‬تملأ‭ ‬الساعات‭ ‬الذكية‭ ‬الأسواق‭ ‬وتقيس‭ ‬نبضات‭ ‬القلب‭ ‬والخطوات‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬مازالت‭ ‬الساعات‭ ‬الميكانيكية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالتروس‭ ‬والزنبرك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬بطارية‭ ‬تُصنع‭ ‬وتُباع‭ ‬بعشرات‭ ‬بل‭ ‬مئات‭ ‬الالاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬كرمز‭ ‬للأناقة‭ ‬والاعتمادية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬عمر‭ ‬بطاريتها‭.‬

وإذا‭ ‬اخذنا‭ ‬معركة‭ ‬السيارات‭ ‬وتأسيساً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬فإن‭ ‬النبوءة‭ ‬الشائعة‭ ‬بأن‭ ‬السيارات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالوقود‭ ‬التقليدي‭ ‬البنزين‭ ‬والديزل‭ ‬سيتم‭ ‬استبدالها‭ ‬بالكامل‭ ‬بمركبات‭ ‬كهربائية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭ ‬هي‭ ‬نبوءة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الواقعية،‭ ‬نعم‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬ستنتشر‭ ‬وتأخذ‭ ‬حصة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه،‭ ‬ولكن‭ ‬سيارات‭ ‬الوقود‭ ‬ستبقى‭ ‬خياراً‭ ‬متاحاً‭ ‬وحيوياً‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭ ‬قادمة‭.‬

والمتشدق‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬كمصدر‭ ‬للطاقة‭ ‬سينتهي‭ ‬تماماً‭ ‬هو‭ ‬واهم‭ ‬آخر‭ ‬يتجاهل‭ ‬حقيقة‭ ‬تغلغل‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬في‭ ‬عصب‭ ‬الحضارة‭ ‬الحديثة‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬خزان‭ ‬وقود‭ ‬السيارات،‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭ ‬الأرقام‭ ‬والتقارير‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬تحديثات‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬وتوقعات‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬لن‭ ‬يختفي،‭ ‬بل‭ ‬سيمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬جوهرية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تحولت‭ ‬كل‭ ‬سيارات‭ ‬الركاب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬الكهرباء،‭ ‬فإن‭ ‬السيارات‭ ‬لا‭ ‬تستهلك‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬برميل‭ ‬النفط،‭ ‬فالصناعات‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬تعتمد‭ ‬كلياً‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬لإنتاج‭ ‬البلاستيك‭ ‬والأدوية‭ ‬والألياف‭ ‬الصناعية‭ ‬والأسمدة‭ ‬الزراعية‭ ‬والمنظفات،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬بديل‭ ‬حيوي‭ ‬أو‭ ‬تكنولوجي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬الضخمة‭ ‬حالياً،‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬بمختلف‭ ‬اشكاله‭ ‬كالطائرات‭ ‬العملاقة‭ ‬وسفن‭ ‬الحاويات‭ ‬الضخمة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كثافة‭ ‬طاقة‭ ‬هائلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لبطاريات‭ ‬الليثيوم‭ ‬الحالية‭ ‬أو‭ ‬المستقبلية‭ ‬توفيرها‭ ‬بسبب‭ ‬وزنها‭ ‬وحجمها‭.‬

مع‭ ‬تزايد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬كالطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والرياح‭ ‬وحدها‭ ‬لتأمين‭ ‬طاقة‭ ‬مستقرة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬24‭ ‬ساعة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬بقاء‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬كصمام‭ ‬أمان‭ ‬لتوليد‭ ‬الكهرباء‭.‬

في‭ ‬مراجعاتها‭ ‬الصادرة‭ ‬مؤخراً‭ ‬لعام‭ ‬2025‭-‬2026‭ ‬اضطرت‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬توقعاتها،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2050‭ ‬بفعل‭ ‬تغير‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنمو‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬كالهند‭ ‬وإفريقيا‭.‬

إن‭ ‬التطور‭ ‬البشري‭ ‬ليس‭ ‬قطاراً‭ ‬يدهس‭ ‬ما‭ ‬قبله،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نهر‭ ‬تتدفق‭ ‬فيه‭ ‬مياه‭ ‬جديدة‭ ‬لتتسع‭ ‬الضفاف‭ ‬تدخل‭ ‬أشياء‭ ‬جديدة‭ ‬وتصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اعتمادية‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬نعم‭.. ‬ولكن‭ ‬الأمور‭ ‬التقليدية‭ ‬ستبقى‭ ‬وتستمر‭ ‬كبديل‭ ‬وخيار‭ ‬متاح‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭ ‬بنسبة‭ ‬100‭%. ‬التكنولوجيا‭ ‬الذكية‭ ‬تمنحنا‭ ‬الرفاهية،‭ ‬لكن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التقليدية‭ ‬تمنحنا‭ ‬الأمان‭ ‬والاعتمادية‭ ‬وقت‭ ‬الأزمات‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا