نعيش اليوم في ذروة الثورة الرقمية؛ طائرات مسيّرة تقطع الأجواء، وسيارات كهربائية ذكية تقود نفسها، ورقاقات إلكترونية تُحاكي العقل البشري وتطبيقات حوسبية تختصر الكثير من الجهد والإجراءات الورقية في كثير من مجالات العمل، وفي ظل هذا التسارع التكنولوجي الكبير يندفع الكثير من الخبراء والمتحمسين للتكنولوجيا إلى إطلاق نبوءات حتمية تؤكد الاستغناء الكامل عن كل ما هو قديم في السنوات القليلة القادمة، ولكن نظرة واحدة فاحصة على أرض الواقع تكشف مدى سطحية هذه التوقعات، وتؤكد أن من يظن أن التكنولوجيا الحديثة تَمحو ما قبلها بنسبة 100% هو شخص واهم غابت عنه حضارة التاريخ البشري، فالتاريخ لا يعترف بالإلغاء التام، بل هناك تعايش إنساني وتكامل بين العصور، نعم قد تختفي بعض المظاهر أو الوسائل المُستخدمة في انجاز الاعمال وغيرها لكن ليس اختفاء جميعها.
إذا أردنا دليلاً حياً فلننظر إلى التجربة المصرية؛ فبالرغم من انتشار المكواة الكهربائية وأجهزة البخار الحديثة في كل منزل فإن استخدام مكواة الرِجل البدائية التي تُسخن على موقد نار مباشر مازالت تُستخدم حتى يومنا هذا في الأحياء الشعبية والتاريخية، وفي نفس السياق يظن البعض أن قطارات الفحم والبخار أصبحت قصصاً من الماضي بعد اختراع المحركات النفاثة والقطارات المغناطيسية السريعة والمحركات الكهربائية الحديثة، لكن الواقع يقول إن قطارات الفحم والديزل التقليدية مازالت تشكل العمود الفقري لنقل البضائع الثقيلة والمعادن في أجزاء واسعة من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والمكسيك نظراً إلى جدواها الاقتصادية الهائلة وقدرتها على تحمل المسافات الشاسعة والظروف المناخية القاسية التي لا تقوى عليها الشبكات الكهربائية المعقدة.
القصة لا تتوقف عند المكواة والقطار، فالأمثلة حولنا لا حصر لها وتثبت أن التكنولوجيا الجديدة تضيف خيارات ولا تلغي القديمة؛ فعند ظهور الإنترنت تنبأ الجميع بموت الراديو والتلفزيون، واليوم مازال الراديو الصديق الأول للملايين في سياراتهم، ومازالت شبكات البث الفضائي تنقل الأحداث الكبرى بكفاءة تفوق أحياناً تدفق الإنترنت الضعيف في بعض المناطق.
وبالرغم من انتشار الكتب الإلكترونية والصحف الرقمية لا يزال للكتاب الورقي رونقه ومبيعاته المليارية عالمياً، فالإنسان مازال يفضل الملمس الفيزيائي والراحة البصرية للورق، كذلك تملأ الساعات الذكية الأسواق وتقيس نبضات القلب والخطوات ومع ذلك مازالت الساعات الميكانيكية التقليدية التي تعمل بالتروس والزنبرك من دون أي بطارية تُصنع وتُباع بعشرات بل مئات الالاف من الدولارات كرمز للأناقة والاعتمادية التي لا تنتهي بانتهاء عمر بطاريتها.
وإذا اخذنا معركة السيارات وتأسيساً على هذا المنطق، فإن النبوءة الشائعة بأن السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي البنزين والديزل سيتم استبدالها بالكامل بمركبات كهربائية في السنوات القليلة القادمة هي نبوءة تفتقر إلى الواقعية، نعم السيارات الكهربائية ستنتشر وتأخذ حصة كبيرة من السوق هذا أمر لا شك فيه، ولكن سيارات الوقود ستبقى خياراً متاحاً وحيوياً عقودا طويلة قادمة.
والمتشدق بالقول إن الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة سينتهي تماماً هو واهم آخر يتجاهل حقيقة تغلغل هذه المادة في عصب الحضارة الحديثة وليس فقط في خزان وقود السيارات، الحقيقة التي تدعمها الأرقام والتقارير الدولية مثل تحديثات وكالة الطاقة الدولية وتوقعات شركات الطاقة العالمية تؤكد أن النفط لن يختفي، بل سيمر بمرحلة إعادة تموضع لعدة أسباب جوهرية حتى لو تحولت كل سيارات الركاب في العالم إلى الكهرباء، فإن السيارات لا تستهلك سوى جزء من برميل النفط، فالصناعات البتروكيماوية تعتمد كلياً على النفط لإنتاج البلاستيك والأدوية والألياف الصناعية والأسمدة الزراعية والمنظفات، ولا يوجد أي بديل حيوي أو تكنولوجي قادر على تعويض النفط في هذه الصناعات الضخمة حالياً، قطاع النقل بمختلف اشكاله كالطائرات العملاقة وسفن الحاويات الضخمة تحتاج إلى كثافة طاقة هائلة لا يمكن لبطاريات الليثيوم الحالية أو المستقبلية توفيرها بسبب وزنها وحجمها.
مع تزايد الطلب على الطاقة لا تكفي الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح وحدها لتأمين طاقة مستقرة على مدار 24 ساعة، ما يفرض بقاء النفط والغاز كصمام أمان لتوليد الكهرباء.
في مراجعاتها الصادرة مؤخراً لعام 2025-2026 اضطرت المنظمات الدولية مثل وكالة الطاقة الدولية إلى تعديل توقعاتها، مشيرة إلى أن الطلب العالمي على النفط قد يستمر في النمو أو الاستقرار حتى عام 2050 بفعل تغير السياسات الاقتصادية والنمو الهائل في الدول النامية كالهند وإفريقيا.
إن التطور البشري ليس قطاراً يدهس ما قبله، بل هو نهر تتدفق فيه مياه جديدة لتتسع الضفاف تدخل أشياء جديدة وتصبح أكثر اعتمادية مع مرور السنوات نعم.. ولكن الأمور التقليدية ستبقى وتستمر كبديل وخيار متاح لا يمكن الاستغناء عنه بنسبة 100%. التكنولوجيا الذكية تمنحنا الرفاهية، لكن التكنولوجيا التقليدية تمنحنا الأمان والاعتمادية وقت الأزمات.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك