قبل أيّام، خرج في مدريد ثمانية فنّانين يحملون منحوتةً تمثّل الشاعر الإسباني فيديريكو جارثيا لوركا، وجالوا بها في الأماكن التي عرفها: المقاهي التي جلس فيها مع لويس بونويل وسلفادور دالي، والمسارح التي احتضنت «عرس الدم» و«ييرما»، وصولاً إلى ساحة سانتا آنّا حيث ينتصب تمثاله.
أطلقوا على العرض اسم «الاقتياد الليلي»، في إشارة إلى الطريقة التي كان يُقتاد بها المعتقلون ليلاً من سجون فرانكو، ليُقتلوا وتُخفى جثثهم، كما حدث للوركا الذي قتل في 17 أغسطس 1936، ولم يُعثر على جثّته بعد. فعلى الرغم من عمليات تنقيب جرت في الأعوام 2009 و2014 و2016 بحثاً عن رفاته في محيط غرناطة، يبقى مكانُ دفنه مجهولاً ووثائقُ اعتقاله ومقتله غير مكشوفة بالكامل، ما يجعله جرحاً إسبانياً لم يلتئم، على الرغم من مرور تسعين سنة.
لكن، إذا ما نظرنا إلى أدبه اليوم، بمعزل عن مصيره ورمزيته السياسية، فهل سنجد له القيمة نفسها التي كانت له؟ لقد كتب لوركا في زمن اختلف تماماً، زمن النضال الثوري والمشاعر الأممية والإيمان بمستقبل أفضل للبشرية، وشعره متّصل بشدّة بالتراث الأندلسي الشعبي، بالغجر والقيثارة والقمر بوصفه شخصيةً شبه أسطورية تتكرّر في نصوصه.
جزء من هذا قد يبدو اليوم فولكلورياً، غير واقعي، أشبه بصورة رومانسية عن ماضٍ تسوّقه إسبانيا بوصفه عنصراً جاذباً للسياح، لا أكثر. إنّه نقد مشروع، وقد وُجّه فعلاً إلى بعض مَن يختزلون لوركا في «الشاعر الغجري»، متناسين القتامة والتجريب اللذين وسما عمله.
والحال أنّ علاقة لوركا بالأندلس لهي أعقد بكثير من صورة سطحية رائجة عنه، فهو قد وُلد هناك، بالقرب من غرناطة، بيد أنّه لم يكتب عن تلك الأرض بوصفها مشهداً جميلاً فقط، إذ رآها طبقاتٍ متراكمة من حضارات اندثرت، عربية وإسلامية ويهودية ومسيحية، بعد أن طبعت اللغةَ والعمارةَ والموسيقى بأثرها، وقبل أن تُمحى بسياط العنف والنسيان.
وربّما يفسّر هذا الشعور بالفقد التاريخي لِمَ استعاد لوركا «الكانتي خوندو»، الفلامنكو العميق، ونظّم عام 1922 مع الموسيقار مانويل دي فايا مهرجاناً لإحيائه بعدما كاد يندثر، إيقاظاً لصوت جماعيّ يحمل ألماً أقدم من صاحبه.
هنا يصبح واضحاً أنّ استعارته صور الغجر والقمر والدم هي محاولة جادّة لالتقاط ذلك التوتّر الحقيقي بين الفرح الحيويّ الظاهر لهذه الثقافة (الرقص والاحتفال والشمس)، وقدرتها الكامنة على تأكيد القيم المحافظة في المجتمعات الريفية على وجه الخصوص.
عندما نقرأ لوركا بعمق، سوف تتكشف لنا طبقاتٌ أخرى تفسّر ديمومته وبقاءه حياً في الوجدان. فمسرحياته الثلاث الكُبرى، «عرس الدم» و«ييرما» و«بيت برناردا ألبا»، التي تدور في إسبانيا الريفية، تتناول معاناة نساء محاصرات بفعل تقاليد اجتماعية معينة، هذه موضوعات معاصرة مازالت تُقدّم على الخشبات وتُقرأ لأنّها تلامس أسئلةً لم تُحلّ في بقاع عدّة من العالم: وكيف تتحوّل العائلة (والمجتمع) إلى سجّان في بعض الأحيان.
يبقى بُعدٌ آخر يؤكّد راهنية لوركا أيضاً، ويتعلّق بظروف مقتله بوصفه شاعراً وصوتاً غير منضبط، في إسبانيا اليمينية المتطرّفة عشية الحرب الأهلية. فقد جُعل اسمُه رمزاً لكلّ كاتبٍ يُستهدَف لهُويّته أو لجرأته، في زمن تتجدّد فيه قيودُ الرقابة على الفنّ والكتّاب الذين يُسكّتون بالعنف أو بالتخويف في أكثر من بلد، ما يجعل لوركا أقلّ قِدماً ممّا توحي به الأرقام (90 عاماً!).
وهذا يجعل الاحتفاء به أكثر من مجرّد طقس، أو ذكرى رسمية. بهذا المعنى، يبقى لوركا أقرب إلى ذاكرة مفتوحة منه إلى تراثٍ مغلق، وهذا بالضبط ما يمنح أدبه طاقةً لا تزال قادرةً على الإزعاج.
{ كاتبة وروائية لبنانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك