العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بعد 90 عاما.. لماذا يستمر تأثير إبداع الإسباني لوركا؟

بقلم: نجوى بركات

السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬أيّام،‭ ‬خرج‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬ثمانية‭ ‬فنّانين‭ ‬يحملون‭ ‬منحوتةً‭ ‬تمثّل‭ ‬الشاعر‭ ‬الإسباني‭ ‬فيديريكو‭ ‬جارثيا‭ ‬لوركا،‭ ‬وجالوا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭: ‬المقاهي‭ ‬التي‭ ‬جلس‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬لويس‭ ‬بونويل‭ ‬وسلفادور‭ ‬دالي،‭ ‬والمسارح‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬‮«‬عرس‭ ‬الدم‮»‬‭ ‬و‮«‬ييرما‮»‬،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬سانتا‭ ‬آنّا‭ ‬حيث‭ ‬ينتصب‭ ‬تمثاله‭. ‬

أطلقوا‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الاقتياد‭ ‬الليلي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُقتاد‭ ‬بها‭ ‬المعتقلون‭ ‬ليلاً‭ ‬من‭ ‬سجون‭ ‬فرانكو،‭ ‬ليُقتلوا‭ ‬وتُخفى‭ ‬جثثهم،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬للوركا‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬أغسطس‭ ‬1936،‭ ‬ولم‭ ‬يُعثر‭ ‬على‭ ‬جثّته‭ ‬بعد‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬تنقيب‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬2009‭ ‬و2014‭ ‬و2016‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬رفاته‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬غرناطة،‭ ‬يبقى‭ ‬مكانُ‭ ‬دفنه‭ ‬مجهولاً‭ ‬ووثائقُ‭ ‬اعتقاله‭ ‬ومقتله‭ ‬غير‭ ‬مكشوفة‭ ‬بالكامل،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬جرحاً‭ ‬إسبانياً‭ ‬لم‭ ‬يلتئم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬تسعين‭ ‬سنة‭.‬

لكن،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬أدبه‭ ‬اليوم،‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬مصيره‭ ‬ورمزيته‭ ‬السياسية،‭ ‬فهل‭ ‬سنجد‭ ‬له‭ ‬القيمة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬له؟‭ ‬لقد‭ ‬كتب‭ ‬لوركا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اختلف‭ ‬تماماً،‭ ‬زمن‭ ‬النضال‭ ‬الثوري‭ ‬والمشاعر‭ ‬الأممية‭ ‬والإيمان‭ ‬بمستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للبشرية،‭ ‬وشعره‭ ‬متّصل‭ ‬بشدّة‭ ‬بالتراث‭ ‬الأندلسي‭ ‬الشعبي،‭ ‬بالغجر‭ ‬والقيثارة‭ ‬والقمر‭ ‬بوصفه‭ ‬شخصيةً‭ ‬شبه‭ ‬أسطورية‭ ‬تتكرّر‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭.‬

جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬فولكلورياً،‭ ‬غير‭ ‬واقعي،‭ ‬أشبه‭ ‬بصورة‭ ‬رومانسية‭ ‬عن‭ ‬ماضٍ‭ ‬تسوّقه‭ ‬إسبانيا‭ ‬بوصفه‭ ‬عنصراً‭ ‬جاذباً‭ ‬للسياح،‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭. ‬إنّه‭ ‬نقد‭ ‬مشروع،‭ ‬وقد‭ ‬وُجّه‭ ‬فعلاً‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬مَن‭ ‬يختزلون‭ ‬لوركا‭ ‬في‭ ‬‮«‬الشاعر‭ ‬الغجري‮»‬،‭ ‬متناسين‭ ‬القتامة‭ ‬والتجريب‭ ‬اللذين‭ ‬وسما‭ ‬عمله‭.‬

والحال‭ ‬أنّ‭ ‬علاقة‭ ‬لوركا‭ ‬بالأندلس‭ ‬لهي‭ ‬أعقد‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬سطحية‭ ‬رائجة‭ ‬عنه،‭ ‬فهو‭ ‬قد‭ ‬وُلد‭ ‬هناك،‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬غرناطة،‭ ‬بيد‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬بوصفها‭ ‬مشهداً‭ ‬جميلاً‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬رآها‭ ‬طبقاتٍ‭ ‬متراكمة‭ ‬من‭ ‬حضارات‭ ‬اندثرت،‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬ويهودية‭ ‬ومسيحية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طبعت‭ ‬اللغةَ‭ ‬والعمارةَ‭ ‬والموسيقى‭ ‬بأثرها،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تُمحى‭ ‬بسياط‭ ‬العنف‭ ‬والنسيان‭.‬

وربّما‭ ‬يفسّر‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بالفقد‭ ‬التاريخي‭ ‬لِمَ‭ ‬استعاد‭ ‬لوركا‭ ‬‮«‬الكانتي‭ ‬خوندو‮»‬،‭ ‬الفلامنكو‭ ‬العميق،‭ ‬ونظّم‭ ‬عام‭ ‬1922‭ ‬مع‭ ‬الموسيقار‭ ‬مانويل‭ ‬دي‭ ‬فايا‭ ‬مهرجاناً‭ ‬لإحيائه‭ ‬بعدما‭ ‬كاد‭ ‬يندثر،‭ ‬إيقاظاً‭ ‬لصوت‭ ‬جماعيّ‭ ‬يحمل‭ ‬ألماً‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬صاحبه‭.‬

هنا‭ ‬يصبح‭ ‬واضحاً‭ ‬أنّ‭ ‬استعارته‭ ‬صور‭ ‬الغجر‭ ‬والقمر‭ ‬والدم‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬جادّة‭ ‬لالتقاط‭ ‬ذلك‭ ‬التوتّر‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬الفرح‭ ‬الحيويّ‭ ‬الظاهر‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة‭ (‬الرقص‭ ‬والاحتفال‭ ‬والشمس‭)‬،‭ ‬وقدرتها‭ ‬الكامنة‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬القيم‭ ‬المحافظة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الريفية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭.‬

عندما‭ ‬نقرأ‭ ‬لوركا‭ ‬بعمق،‭ ‬سوف‭ ‬تتكشف‭ ‬لنا‭ ‬طبقاتٌ‭ ‬أخرى‭ ‬تفسّر‭ ‬ديمومته‭ ‬وبقاءه‭ ‬حياً‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭. ‬فمسرحياته‭ ‬الثلاث‭ ‬الكُبرى،‭ ‬‮«‬عرس‭ ‬الدم‮»‬‭ ‬و‮«‬ييرما‮»‬‭ ‬و«بيت‭ ‬برناردا‭ ‬ألبا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬الريفية،‭ ‬تتناول‭ ‬معاناة‭ ‬نساء‭ ‬محاصرات‭ ‬بفعل‭ ‬تقاليد‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة،‭ ‬هذه‭ ‬موضوعات‭ ‬معاصرة‭ ‬مازالت‭ ‬تُقدّم‭ ‬على‭ ‬الخشبات‭ ‬وتُقرأ‭ ‬لأنّها‭ ‬تلامس‭ ‬أسئلةً‭ ‬لم‭ ‬تُحلّ‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬عدّة‭ ‬من‭ ‬العالم‭: ‬وكيف‭ ‬تتحوّل‭ ‬العائلة‭ (‬والمجتمع‭) ‬إلى‭ ‬سجّان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭.‬

يبقى‭ ‬بُعدٌ‭ ‬آخر‭ ‬يؤكّد‭ ‬راهنية‭ ‬لوركا‭ ‬أيضاً،‭ ‬ويتعلّق‭ ‬بظروف‭ ‬مقتله‭ ‬بوصفه‭ ‬شاعراً‭ ‬وصوتاً‭ ‬غير‭ ‬منضبط،‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬اليمينية‭ ‬المتطرّفة‭ ‬عشية‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭. ‬فقد‭ ‬جُعل‭ ‬اسمُه‭ ‬رمزاً‭ ‬لكلّ‭ ‬كاتبٍ‭ ‬يُستهدَف‭ ‬لهُويّته‭ ‬أو‭ ‬لجرأته،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتجدّد‭ ‬فيه‭ ‬قيودُ‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الفنّ‭ ‬والكتّاب‭ ‬الذين‭ ‬يُسكّتون‭ ‬بالعنف‭ ‬أو‭ ‬بالتخويف‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬لوركا‭ ‬أقلّ‭ ‬قِدماً‭ ‬ممّا‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬الأرقام‭ (‬90‭ ‬عاماً‭!).‬

وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬الاحتفاء‭ ‬به‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬طقس،‭ ‬أو‭ ‬ذكرى‭ ‬رسمية‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يبقى‭ ‬لوركا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬مفتوحة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬تراثٍ‭ ‬مغلق،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬أدبه‭ ‬طاقةً‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرةً‭ ‬على‭ ‬الإزعاج‭.‬

 

{ كاتبة‭ ‬وروائية‭ ‬لبنانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا