كشفت الحرب الروسية - الأوكرانية التي يزيد عمرها على الأربعة أعوام، ضعف أوروبا الغربية عسكريا وعدم امتلاكها بنية فضائية خاصة، تمكنها من إدارة الحروب باستقلالية تامة دون اللجوء إلى الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
أوكرانيا التي استنجدت بالعالم الغربي، حصلت على مساعدات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والفضاء من شركة أمريكية خاصة اسمها «ستارلينك» صاحبها الملياردير إيلون ماسك، وتتركز جهودها في توفير شبكة اتصالات فضائية حين تتعرض شبكات الاتصالات الأرضية ومحطات الكهرباء للتدمير أو التشويش.
هذا الاعتماد على شركة خاصة وأمريكية فتح النقاش بين صناع القرار الأوروبي على أهمية تطوير منظومة اتصالات فضائية أوروبية مستقلة وغير مرهونة لأي دولة خارج الفضاء الأوروبي، ومن هنا جاءت قمة الفضاء الدولية التي دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى تدفع باتجاه تمكين أوروبا فضائياً.
القمة التي عقدت، الأسبوع الماضي، في باريس، ركزت على حشد الجهود الأوروبية لبناء وإطلاق أقمار صناعية في مدارات بعيدة وأخرى منخفضة، وإرسال رواد فضاء أوروبيين، والاستثمار في شركات الفضاء الأوروبية لتمكينها من التصنيع المتطور في القطاع الفضائي.
مشكلة أوروبا أنها تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في الجوانب العسكرية بما يتضمن أنظمة الدفاع والرادارات المتقدمة وشبكة الاتصالات الفضائية، وهي لا تريد أن تبقى أسيرة للقرار الأمريكي، خصوصاً مع تعالي الشكاوى بشأن طبيعة العلاقة والشراكة بين الطرفين في عهد الرئيس الأمريكي ترامب.
ماكرون كان يطمح منذ سنوات للابتعاد شيئاً فشيئاً عن الاعتماد على واشنطن، وكان يرى أن على أوروبا أن تبذل الجهد الأكبر لتأمين نفسها سياسياً وعسكرياً، وتشكيل جيش أوروبي موحد يمكنه التعامل مع مختلف الأزمات بما فيها الأزمة الأوكرانية الحالية.
كذلك كان ماكرون حريصاً أن تكون هناك بصمة أوروبية حاضرة في القطاع الفضائي، لأن الحروب الحالية لم تعد تقليدية كما كانت في السابق، والمشكلة بنظر الرئيس الفرنسي أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا قادرة على التعامل مع تحديات الحروب الذكية عكس الجاهزية الأوروبية.
ما من شك أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المسيطر الرئيس في الفضاء بأكثر من 11 ألف قمر صناعي معظمها تعود إلى شركة «ستارلينك»، وبصرف النظر عن الحجم الهائل في عدد الأقمار الصناعية، إلا أن واشنطن تتفوق في تنوع طبيعة عمل الأقمار التي تخدم قطاعات عسكرية وتجارية وخلاف ذلك.
أوروبا أيضاً تملك أقماراً صناعية لكن عددها قليل جداً مقارنةً بالأقمار الأمريكية، لكن التحدي الأبرز في عدم وجود كوكبات متكاملة ومستقلة في الاتصالات العسكرية والإنترنت الفضائي والمراقبة والإطلاق، ولذلك أوروبا متأخرة فضائياً وغير قادرة على الدخول في حرب حديثة وطويلة دون الدعم الأمريكي.
أيضاً تبرز مسألة غاية في الأهمية تتعلق بالانقسام الأوروبي تجاه الأمن القومي وتفاوت القدرات العسكرية. على سبيل المثال، دولة مثل فرنسا وألمانيا تمتلكان المعرفة والقدرة في التصنيع الفضائي، بينما هناك دول أخرى ضعيفة عسكرياً واقتصادياً وتجد أولوياتها مختلفة.
التحدي المهم في هذا الإطار يتعلق بتوسيع نطاق التصنيع حتى يشمل دولاً أوروبية أخرى، بحيث يمكن لفرنسا مثلاً صناعة الأقمار الصناعية، وألمانيا تركز على الصواريخ التي تنقل الأقمار إلى الفضاء، وإيطاليا تتخصص في الرادارات الفضائية وهكذا دواليك.
اللافت للنظر أيضاً أن 120 دولة وجهة شاركت في هذه القمة، في حين قاطعتها شركات أمريكية حكومية وخاصة، ربما لأنها ترفض التوجه الأوروبي نحو الاستقلالية الفضائية، وكذلك لا ترغب في نقل المعرفة أو الدخول في اتفاقيات مشتركة تصب في مصلحة الشركات الأوروبية.
في المحصلة، قد تكون هذه القمة خطوة إلى الأمام نحو استقلالية أكبر لأوروبا في القطاع الفضائي، لكنها بالتأكيد ستواجه تحديات وستكون مرهونة لعامل الوقت، لأن ماكرون المهتم جداً بالاستقلالية الأوروبية في المجال العسكري عموماً، سيغادر منصبه بعد سبعة أشهر من الآن.
أوروبا لديها قدرات ممتازة في القطاع الفضائي لكنها موزعة بين الدول، وهي بحاجة أولاً إلى توحيد جهودها والتكامل لتطوير قدراتها العسكرية بالعموم، ومن ثم الخروج التدريجي من دائرة التبعية الأمريكية، وثانياً تحتاج إلى تخصيص أموال سنوية تقدر بالمليارات للاستثمار في قطاع فضائي أوروبي موحد.
القمة وحدها لا تكفي لإنجاح آمال الرئيس الفرنسي، بل تحتاج إلى قوانين وتشريعات أوروبية وإرادة متكاملة لترجمة طموحات ماكرون بوجود أوروبا قوية وموحدة وقادرة على منافسة الكبار.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك