قد تدخل إلى مكانٍ ما وأنت تعرف أنك لست أكثر الحاضرين خبرة، ولا أكثرهم حظّا، وربما لا تملك الإجابة عن كل سؤال. ومع ذلك تجلس بهدوء، وتتكلم حين تجد ما يستحق أن يقال، وتصمت حين لا تجد ما يضيفه الكلام. تلك واحدةٌ من علامات الثقة بالنفس التي يصعب تعليمها في الكتب، لأنها تنشأ من علاقة طويلة بين الشخص ونفسه.
الثقة بالنفس تبدأ من لحظة يدرك فيها المرء أنه يستطيع أن يعيش من دون أن يقيس قيمته كل صباح بردود الآخرين. قد يسمع نقداً فيتأمله، وقد يخطئ فيعترف بخطئه، وقد يخسر فرصة فيحزن عليها، ثم يمضي. يعرف أن تجربة واحدة لا تختصر سيرته، وأن رأياً عابراً لا يملك حقّ إصدار الحكم النهائي عليه.
ولعل أجمل ما تمنحه الثقة بالنفس أنها تجعل صاحبها أقل خوفا من التجربة، فالذي يثق بقدرته على النهوض يستطيع أن يبدأ، حتى وهو يعرف احتمال التعثر.
يكتب مقاله الأول، ويصدر كتابه، ويذهب إلى مقابلة العمل، ويقف أمام جمهور للمرّة الأولى، ويقول رأيه في غرفة اعتادت الصمت. قد ترتجف يده، وقد يخونه صوته لحظة، لكنه يكمل. الثقة هنا ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على ألا يمنح الخوف حق اتخاذ القرار.
وأحياناً تتشكّل هذه الثقة من خسارات قديمة. شخص تعرض للسخرية لأنه حلم أكبر من المحيطين به، أو قيل له إن ما يكتبه لا يستحقّ، أو فشل في مشروع كان يظنه بداية جديدة. تمر السنوات، ثم يكتشف أن بعض تلك الأحكام لم تكن سوى آراء أصحابها، وأن الفشل الذي أوجعه ذات يوم كان جزءاً من الطريق الذي أوصله إلى مكان أكثر نضجا.
الثقة الحقيقية تسمح لك بأن ترى عيوبك من دون أن تتحوّل رؤيتك لها إلى كراهية نفسك. تستطيع أن تقول: أخطأت. تستطيع أن تقول: لا أعرف. تستطيع أن تتعلم من شخص أصغر منك، وأن تغير رأيك حين تكتشف أنك كنت مخطئاً. وهذه علامات قوة داخلية، لأن صاحبها لا يحتاج إلى حماية صورة متخيلة عن نفسه. وأصعب امتحانات الثقة بالنفس تأتي حين يختار الإنسان طريقاً لا يفهمه الآخرون. قد يصبح شرح اختياراتك مرهقاً، وتتحوّل كثرة التبرير إلى عبء. عندها تحتاج أن تكون متصالحاً مع السبب الذي دفعك إلى اختيارك. قد يخطئ اختيارك، وهذا وارد، لكنك تتعلم من خطئك، وتعود إلى نفسك لتقرّر من جديد.
والثقة بالنفس لا تعني أن ترى نفسك فوق الآخرين. كلما استقرّت قيمة الشخص داخله، قل احتياجه إلى التقليل من قيمة غيره. من يعرف مكانه لا يحتاج إلى إزاحة أحد كي يجد لنفسه مقعداً، ومن يعرف قدرته يستطيع أن يفرح بنجاح شخص آخر من دون أن يشعر أن نجاحه ينتقص منه.
وربما لا تحتاج الثقة بالنفس إلى خطاب كبير. تحتاج إلى ممارسة يومية: أن تحترم وعدك نفسك، وأن تنجز ما تستطيع، وأن تتعلم حين تخفق، وأن تتوقف عن مطاردة قبول الجميع. وحين تتصالح مع قيمتك، تصبح الصعوبات أكثر قابليةً للاحتمال، لأنك تدخل إليها وأنت تعرف أن ما يحدث لك لا يساوي كل ما أنت عليه.
قد تخسر عملاً، أو علاقة، أو فرصة، وقد يتأخّر عليك شيء انتظرته طويلاً. ستتألم، وهذا طبيعي. ثم تستعيد توازنك وتفكر في الخطوة التالية. تلك هي القوة التي تستحق أن نسميها ثقة بالنفس: أن تعرف أن حياتك أوسع من خسارة واحدة، وأن قيمتك لا ترتفع مع المديح ولا تهبط مع النقد، وأن لديك دائماً مساحة داخلية تستطيع أن تعود إليها حين تضيق الطرق.
ومن يعرف كيف يعود إلى نفسه، يصعب أن تضيع منه الطريق طويلاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك