العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تداعيات السياسات الأمريكية الخاطئة على دول وشعوب الشرق الأوسط

بقلم: د. رمزي بارود {

الخميس ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تواصل‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التمسك‭ ‬بمواقفها‭ ‬والرهان‭ ‬عليها‭ ‬بقوة،‭ ‬حتى‭ ‬وهي‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬هذا‭ ‬العناد‭ ‬غالياً؛‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المادية،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بنفوذها‭ ‬الجيوسياسي‭. ‬

تشهد‭ ‬واشنطن‭ ‬تراجعاً‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬ومكانتها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وهو‭ ‬تراجع‭ ‬قد‭ ‬يُحدث‭ ‬تأثير‭ ‬‮«‬الدومينو‮»‬‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬لتمتد‭ ‬تداعياته‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

وقد‭ ‬تجلى‭ ‬هذا‭ ‬الغرور‭ ‬مؤخراً‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكي،‭ ‬سكوت‭ ‬بيسنت‭. ‬فخلال‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬وزراء‭ ‬مالية‭ ‬مجموعة‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬آشفيل‭ ‬بولاية‭ ‬كارولينا‭ ‬الشمالية‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سبتمبر،‭ ‬صرّح‭ ‬بيسنت‭ ‬بأن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬سيتحول‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬عامين‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مسطح‭ ‬مائي‭ ‬عديم‭ ‬القيمة‮»‬،‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬نقل‭ ‬النفط‭ ‬سيتم‭ ‬حينها‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬أنابيب‭ ‬برية‭.‬

يروج‭ ‬الوزير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الآن‭ ‬لسردية‭ ‬جديدة‭ ‬تحوّل‭ ‬التركيز‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬اقتصادية‭. ‬ففي‭ ‬مقال‭ ‬نُشر‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فاينانشال‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬بتاريخ‭ ‬23‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يوماً‭ ‬حاسماً‭ -‬على‭ ‬غرار‭ ‬يوم‭ ‬الإنزال‭ (‬D‭-‬Day‭) ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬النورماندي‭ ‬بفرنسا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ - ‬ينتظر‭ ‬إيران‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬مهدداً‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬تجارتها‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬بعواقب‭ ‬اقتصادية‭ ‬وخيمة‭.‬

ولا‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬جادة‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬اعترافاً‭ ‬بعجز‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬مسار‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭.‬

وقد‭ ‬برزت‭ ‬مدرستان‭ ‬فكريتان‭ ‬رئيسيتان‭ ‬لتفسير‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬واشنطن‭ ‬نفسها‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭.‬

يتمثل‭ ‬الرأي‭ ‬الأول‭ -‬الذي‭ ‬تروج‭ ‬له‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬ومسؤولون‭ ‬سابقون‭ ‬وقادة‭ ‬عسكريون‭ ‬متقاعدون‭- ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬خطأً‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬وأن‭ ‬واشنطن‭ ‬افتقرت‭ ‬إلى‭ ‬الجاهزية‭ ‬العسكرية‭ ‬واللوجستية‭ ‬اللازمة‭ ‬لشنها‭.‬

أما‭ ‬التفسير‭ ‬الثاني‭ ‬فيضع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬المشهد؛‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬قللت‭ ‬بشكل‭ ‬جوهري‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬والصمود‭ ‬السياسي،‭ ‬والنفوذ‭ ‬الإقليمي،‭ ‬حيث‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬البلاد‭ ‬وكأنها‭ ‬‮«‬فنزويلا‭ ‬أخرى‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬إخضاعها‭ ‬عبر‭ ‬العقوبات‭ ‬والتهديدات‭ ‬وممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة‭.‬

ينطوي‭ ‬كلا‭ ‬التفسيرين‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الحقيقة؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أياً‭ ‬منهما‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬الفهم‭ ‬الأعمق‭ -‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬بقدر‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬النزعة‭ ‬الدفاعية‭ ‬وبقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬الحقائق‭ ‬التاريخية‭- ‬واللازم‭ ‬لتفسير‭ ‬حجم‭ ‬الفشل‭ ‬الأمريكي‭ ‬الراهن‭.‬

يُعد‭ ‬جون‭ ‬جيه‭. ‬ميرشايمر،‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكي‭ ‬البارز‭ ‬والمتخصص‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أجرأ‭ ‬منتقدي‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭.‬

ففي‭ ‬15‭ ‬يوليو‭ ‬2026،‭ ‬قال‭ ‬ميرشايمر‭: ‬‮«‬إن‭ ‬ترامب‭ ‬محاصر‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬مخرجاً‮»‬،‭ ‬مكرراً‭ ‬بذلك‭ ‬ذات‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬يردده‭ ‬مراراً‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭. ‬

يضيف‭ ‬ميرشايمر‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬خلاصة‭ ‬القول‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬مهاجمة‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬يُعد‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الأخطاء‭ ‬الفادحة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‮»‬‭.‬

وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يحلل‭ ‬ميرشايمر‭ - ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬جيفري‭ ‬ساكس‭ ‬وسكوت‭ ‬ريتر‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الناقدة‭ - ‬هذه‭ ‬‮«‬الأخطاء‭ ‬الجسيمة‮»‬‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مفهوم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مجرد‭ ‬تمرين‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬استراتيجي؛‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يصف‭ ‬واقعهم‭ ‬المعيشي‭ ‬اليومي،‭ ‬إذ‭ ‬عاصروا‭ ‬هذه‭ ‬الحسابات‭ ‬الخاطئة‭ ‬الكارثية‭ ‬ودفعوا‭ ‬الثمن‭ ‬البشري‭ ‬المترتب‭ ‬على‭ ‬التعنت‭ ‬الأمريكي‭ ‬والنزعة‭ ‬العسكرية‭ ‬والفشل‭ ‬السياسي‭.‬

يقدم‭ ‬تاريخ‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أمثلة‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬المدمر‭. ‬ويظل‭ ‬دعم‭ ‬واشنطن‭ ‬لإسرائيل‭ -‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬القوة‭ ‬الأكبر‭ ‬المزعزعة‭ ‬للاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭- ‬المثال‭ ‬الأبرز‭ ‬والأكثر‭ ‬استمراراً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬واللبنانيون‭ ‬والسوريون‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجي‭ ‬جديد‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬مماثل‭ ‬لما‭ ‬طرحه‭ ‬ميرشايمر‭. ‬فقد‭ ‬عانوا‭ ‬مباشرةً‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬متمثلةً‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬وعمليات‭ ‬الغزو‭ ‬والاحتلال،‭ ‬والعقوبات،‭ ‬والتدخلات‭ ‬السياسية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬لإسرائيل‭.‬

كما‭ ‬سجلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تاريخاً‭ ‬كارثياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬غزوها‭ ‬للعراق‭ ‬واحتلاله؛‭ ‬إذ‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭ ‬فشلاً‭ ‬ذريعاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬البلاد‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وفقاً‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬الرؤية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أعلنتها‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬النتيجة‭ ‬نظاماً‭ ‬أمريكياً‭ ‬جديداً،‭ ‬بل‭ ‬دماراً‭ ‬حلّ‭ ‬بالعراق،‭ ‬وحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الممتد،‭ ‬وصعود‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬لم‭ ‬تتوقعها‭ ‬واشنطن‭ ‬ولم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭.‬

كما‭ ‬انجرّ‭ ‬حلفاء‭ ‬واشنطن‭ ‬الغربيون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬مستنقع‭ ‬العراق‮»‬،‭ ‬متكبدين‭ ‬أثماناً‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬ومالية‭ ‬باهظة‭ ‬في‭ ‬حربٍ‭ ‬ثبت‭ ‬زيف‭ ‬مبرراتها،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تداعياتها‭ ‬بلا‭ ‬حل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشركاء‭ ‬السابقين‭ ‬أي‭ ‬رغبة‭ ‬تُذكر‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أضخم‭ -‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬تدميراً‭- ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬ولفترة‭ ‬غير‭ ‬محددة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وهما‭ ‬زعيمان‭ ‬باتا‭ ‬يفتقران‭ ‬بشدة‭ ‬إلى‭ ‬الشعبية،‭ ‬ويتسمان‭ ‬بالاندفاع،‭ ‬وتحيط‭ ‬بهما‭ ‬حالة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة‭.‬

لقد‭ ‬تغيرت‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تتمتع‭ ‬اليوم‭ ‬بفاعلية‭ ‬سياسية‭ ‬أكبر،‭ ‬وتحالفات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً،‭ ‬ومصالح‭ ‬حيوية‭ ‬أضخم‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬تُمثّل‭ ‬فيه‭ ‬واشنطن‭ ‬المركز‭ ‬الوحيد‭ ‬المؤثر‭ ‬للقوة‭ ‬العالمية‭.‬

ولعل‭ ‬الزيارة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬تعد‭ ‬مثالاً‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬فقد‭ ‬صرّح‭ ‬الرئيس‭ ‬شي‭ -‬خلال‭ ‬لقائه‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭- ‬قائلاً‭: ‬

‮«‬علينا‭ ‬التمسك‭ ‬بمبدأ‭ ‬أن‭ ‬شعوب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هي‭ ‬صاحبة‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬شؤونها‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬حثّ‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬معارضة‭ ‬‮«‬التدخلات‭ ‬الخارجية‮»‬‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحوار‭ ‬الإقليمي‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭.‬

على‭ ‬غرار‭ ‬مصر،‭ ‬تعمل‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬علاقاتها‭ ‬وتنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬حصراً‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭.‬

يدرك‭ ‬قادة‭ ‬بارزون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬لن‭ ‬تظل‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬نطاقها‭ ‬الجغرافي؛‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تزعزع‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها،‭ ‬وتدمر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتهدد‭ ‬مسارات‭ ‬الطاقة‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتُشعل‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المترابطة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬تداعياتها‭ ‬لعقود‭.‬

وهنا‭ ‬نأتي‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭. ‬فإسرائيل‭ -‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬شكلت‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالمنطقة‭- ‬تعاني‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬ملحوظ‭. ‬فهي‭ ‬تواجه‭ ‬استنزافاً‭ ‬عسكرياً،‭ ‬وانقسامات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬حادة،‭ ‬وتعجز‭ ‬عن‭ ‬حسم‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع،‭ ‬وذلك‭ ‬رغم‭ ‬إعلانات‭ ‬نتنياهو‭ ‬المتكررة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر‭.‬

وعليه،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬المأزق‭ ‬الراهن‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬واشنطن‭ ‬بمجرد‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬الترسانات،‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري،‭ ‬أو‭ ‬اندفاع‭ ‬ترامب،‭ ‬أو‭ ‬تلاعب‭ ‬نتنياهو‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬المأزق‭ ‬الراهن‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬واشنطن‭ ‬ببساطة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬للاستهانة‭ ‬بإيران‭. ‬فالفشل‭ ‬الأعمق‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬فرض‭ ‬نموذج‭ ‬عفا‭ ‬عليه‭ ‬الزمن‭ ‬للهيمنة‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ -‬وعلى‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭- ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طرأت‭ ‬عليها‭ ‬تغيرات‭ ‬جوهرية‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا