تواصل الحكومة الأمريكية التمسك بمواقفها والرهان عليها بقوة، حتى وهي تدفع ثمن هذا العناد غالياً؛ ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضاً فيما يتعلق بنفوذها الجيوسياسي.
تشهد واشنطن تراجعاً سريعاً في قوتها ومكانتها في الشرق الأوسط، وهو تراجع قد يُحدث تأثير «الدومينو» على نطاق أوسع، لتمتد تداعياته إلى مختلف أنحاء العالم.
وقد تجلى هذا الغرور مؤخراً في تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت. فخلال مشاركته في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في مدينة آشفيل بولاية كارولينا الشمالية في الأول من سبتمبر، صرّح بيسنت بأن مضيق هرمز سيتحول في غضون عامين إلى «مسطح مائي عديم القيمة»، نظراً لأن نقل النفط سيتم حينها عبر خطوط أنابيب برية.
يروج الوزير الأمريكي الآن لسردية جديدة تحوّل التركيز من الحرب العسكرية إلى حرب اقتصادية. ففي مقال نُشر في صحيفة «فاينانشال تايمز» بتاريخ 23 أغسطس 2026، أعلن أن «يوماً حاسماً -على غرار يوم الإنزال (D-Day) في منطقة النورماندي بفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية - ينتظر إيران اقتصاديا، مهدداً الدول التي تواصل تجارتها مع طهران بعواقب اقتصادية وخيمة.
ولا يبدو هذا الطرح استراتيجيةً جادة للسياسة الخارجية بقدر ما يبدو اعترافاً بعجز واشنطن عن تغيير مسار الحرب الدائرة.
وقد برزت مدرستان فكريتان رئيسيتان لتفسير الكيفية التي وجدت واشنطن نفسها بها في هذا الموقف.
يتمثل الرأي الأول -الذي تروج له إلى حد كبير قطاعات من وسائل الإعلام الأمريكية ومسؤولون سابقون وقادة عسكريون متقاعدون- في أن الحرب على إيران كانت خطأً منذ البداية، وأن واشنطن افتقرت إلى الجاهزية العسكرية واللوجستية اللازمة لشنها.
أما التفسير الثاني فيضع إيران في صلب المشهد؛ إذ يرى أن واشنطن قللت بشكل جوهري من شأن القدرات العسكرية الإيرانية، والصمود السياسي، والنفوذ الإقليمي، حيث تعاملت مع البلاد وكأنها «فنزويلا أخرى» يمكن إخضاعها عبر العقوبات والتهديدات وممارسة ضغوط عسكرية محدودة.
ينطوي كلا التفسيرين على عناصر من الحقيقة؛ غير أن أياً منهما لا يوفر الفهم الأعمق -الذي يتسم بقدر أقل من النزعة الدفاعية وبقدر أكبر من الاستناد إلى الحقائق التاريخية- واللازم لتفسير حجم الفشل الأمريكي الراهن.
يُعد جون جيه. ميرشايمر، عالم السياسة الأمريكي البارز والمتخصص في العلاقات الدولية، واحداً من أجرأ منتقدي الحرب الأمريكية.
ففي 15 يوليو 2026، قال ميرشايمر: «إن ترامب محاصر ولا يملك مخرجاً»، مكرراً بذلك ذات الكلام الذي ظل يردده مراراً منذ بداية الحرب.
يضيف ميرشايمر قوله: «خلاصة القول هي أن قرار مهاجمة إيران في 28 فبراير 2026 يُعد واحداً من أكبر الأخطاء الفادحة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية».
وغالباً ما يحلل ميرشايمر - شأنه في ذلك شأن جيفري ساكس وسكوت ريتر وغيرهم من الأصوات الأمريكية الناقدة - هذه «الأخطاء الجسيمة» من منظور يتمحور حول الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر مفهوم.
غير أن هذا التحليل الجماعي لا يمثل بالنسبة إلى ملايين الأشخاص في منطقة الشرق الأوسط مجرد تمرين فكري أو استراتيجي؛ بل إنه يصف واقعهم المعيشي اليومي، إذ عاصروا هذه الحسابات الخاطئة الكارثية ودفعوا الثمن البشري المترتب على التعنت الأمريكي والنزعة العسكرية والفشل السياسي.
يقدم تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط أمثلة لا حصر لها على هذا النمط المدمر. ويظل دعم واشنطن لإسرائيل -التي تُعد القوة الأكبر المزعزعة للاستقرار في المنطقة- المثال الأبرز والأكثر استمراراً على ذلك.
لا يحتاج الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون وغيرهم من شعوب منطقة الشرق الأوسط إلى إطار استراتيجي جديد للتوصل إلى استنتاج مماثل لما طرحه ميرشايمر. فقد عانوا مباشرةً من تبعات القوة الأمريكية، متمثلةً في الحروب، وعمليات الغزو والاحتلال، والعقوبات، والتدخلات السياسية، بالإضافة إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل.
كما سجلت الولايات المتحدة الأمريكية تاريخاً كارثياً من خلال غزوها للعراق واحتلاله؛ إذ نجحت في إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة البلاد أو تحقيق الاستقرار فيها أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقاً لـ «الرؤية» التي كانت قد أعلنتها.
لم تكن النتيجة نظاماً أمريكياً جديداً، بل دماراً حلّ بالعراق، وحالة من عدم الاستقرار الممتد، وصعود قوى سياسية لم تتوقعها واشنطن ولم تتمكن من السيطرة عليها.
كما انجرّ حلفاء واشنطن الغربيون إلى ما عُرف بـ «مستنقع العراق»، متكبدين أثماناً سياسية وعسكرية ومالية باهظة في حربٍ ثبت زيف مبرراتها، ولا تزال تداعياتها بلا حل حتى اليوم.
ومن الطبيعي ألا تكون لدى هؤلاء الشركاء السابقين أي رغبة تُذكر في المشاركة في حرب أضخم -وربما أكثر تدميراً- ضد إيران ولفترة غير محددة، لا سيما وأن إدارة الأزمة تقع على عاتق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهما زعيمان باتا يفتقران بشدة إلى الشعبية، ويتسمان بالاندفاع، وتحيط بهما حالة واسعة من انعدام الثقة.
لقد تغيرت منطقة الشرق الأوسط، إذ باتت دول المنطقة تتمتع اليوم بفاعلية سياسية أكبر، وتحالفات أكثر تنوعاً، ومصالح حيوية أضخم بكثير مما كانت عليه الحال في عام 2003. لم تعد منطقة الشرق الأوسط تعمل في ظل نظام إقليمي تُمثّل فيه واشنطن المركز الوحيد المؤثر للقوة العالمية.
ولعل الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تعد مثالاً واحداً من أمثلة عديدة على ذلك. فقد صرّح الرئيس شي -خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الثاني من شهر سبتمبر- قائلاً:
«علينا التمسك بمبدأ أن شعوب الشرق الأوسط هي صاحبة القرار في شؤونها»، كما حثّ الدول على معارضة «التدخلات الخارجية» وتعزيز الحوار الإقليمي حول قضايا السلم والأمن.
على غرار مصر، تعمل قوى إقليمية أخرى في الوقت الراهن أيضاً على تعزيز علاقاتها وتنويع شراكاتها بدلاً من الاعتماد حصراً على واشنطن.
يدرك قادة بارزون في منطقة الشرق الأوسط أن أي حرب طويلة الأمد ضد إيران لن تظل محصورة في نطاقها الجغرافي؛ إذ من شأنها أن تزعزع استقرار المنطقة بأسرها، وتدمر الاقتصادات والبنية التحتية، وتهدد مسارات الطاقة الحيوية، وتُشعل سلسلة من الحروب المترابطة التي قد تمتد تداعياتها لعقود.
وهنا نأتي إلى إسرائيل. فإسرائيل -التي لطالما شكلت حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة- تعاني اليوم من ضعف ملحوظ. فهي تواجه استنزافاً عسكرياً، وانقسامات سياسية واجتماعية حادة، وتعجز عن حسم أي من الحروب التي خاضتها بشكل قاطع، وذلك رغم إعلانات نتنياهو المتكررة عن تحقيق النصر.
وعليه، لا يمكن تفسير المأزق الراهن الذي تعيشه واشنطن بمجرد الإشارة إلى استنزاف الترسانات، أو سوء التخطيط العسكري، أو اندفاع ترامب، أو تلاعب نتنياهو.
كما لا يمكن فهم المأزق الراهن الذي تعيشه واشنطن ببساطة على أنه نتيجة للاستهانة بإيران. فالفشل الأعمق يكمن في محاولة واشنطن فرض نموذج عفا عليه الزمن للهيمنة الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط -وعلى العالم بأسره- بعد أن طرأت عليها تغيرات جوهرية.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك