عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر 2025 أن «الحرب قد انتهت»، سرعان ما أصبح هذا التصريح جزءاً من الخطاب الدولي المتداول بشأن غزة. فقد تغيرت العناوين الرئيسية، وبدأ القادة السياسيون يتحدثون عن مرحلة ما بعد الحرب، ويحثون العالم على التطلع إلى المستقبل - نحو إعادة الإعمار والدبلوماسية وما قد يلي ذلك.
في الحقيقة، لم يكن الفارق بين «الحرب» و«السلام» يوماً بتلك البساطة بالنسبة إلى من هم داخل غزة. فربما يؤدي وقف إطلاق النار إلى تخفيف حدة القصف، أو تغيير اللغة التي يستخدمها السياسيون والدبلوماسيون، ولكن بالنسبة إلى الفلسطينيين المحاصرين وسط الدمار والنزوح والحرمان وبقايا جثامين القتلى، فإن الحرب لا تتلاشى لمجرد أن القادة أعلنوا عن انبلاج مرحلة جديدة.
في الرابع من شهر أغسطس 2026، شهدت غزة تذكيراً مأساوياً بهذه الحقيقة؛ إذ جرت مراسم دفن جماعي في مدينة غزة لرفات 112 فلسطينياً، وذلك بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على مقتلهم في غارة إسرائيلية استهدفت حي الصبرة، وشملت قائمة الضحايا 37 طفلاً.
وقد أمضت فرق الإنقاذ أسابيع في البحث عن الرفات بين الأنقاض، مستخدمةً الحد الأدنى من المعدات، وعملت على تحديد هوية الجثامين استناداً إلى الأشلاء والملابس وشهادات ذوي الضحايا وما أمكن استعادته من مقتنيات شخصية.
وبالنسبة إلى العائلات، لم تنتهِ فصول العنف بمجرد توقف القصف على ذلك الحي، بل استمرت معاناتهم وسط الركام؛ ولم تكن مأساة هؤلاء الضحايا الـ 112 حالةً معزولة.
قدَّر الدفاع المدني في غزة أن نحو 8000 جثة لا تزال تحت الأنقاض في أنحاء القطاع. وتقول فرق الإنقاذ إن انتشالها يتطلب معدات ثقيلة لا تزال مفقودة بشدة. وفي ظل عدم توفر هذه المعدات، قد تظل جثامين الموتى عالقة سنوات.
هذا هو معنى إخبار الفلسطينيين بأن الحرب قد انتهت. فبالنسبة إلى كثيرين خارج غزة، تُقاس الحرب بالانفجارات: عدد الغارات الجوية، أو حدة القتال، أو عدد العمليات العسكرية المُعلنة يومياً. أما بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش هنا، فإن الحرب تُقاس أيضاً بما يتبقى بعد الانفجارات.
تتجلى هذه المعاناة في حال العائلات التي تبحث عن جثامين أقاربها المفقودين، وفي الأطفال الذين ينشأون وسط مدارس مدمرة. وتُقاس أيضاً بما حلّ بالمنازل التي لم تعد قائمة، والجامعات التي تحولت إلى ركام، والمستشفيات التي تكافح لمواصلة عملها، والأسر النازحة العاجزة عن العودة إلى الأماكن التي طالما شكلت جوهر حياتها.
كما تظهر في تلك المهمة الجسيمة المتمثلة في انتشال جثامين الموتى من تحت الأنقاض ليتسنى لذويهم دفنهم.
وعليه، فإن الحديث عن غزة «ما بعد الحرب» ينطوي على خطر التحول إلى شكل آخر من أشكال المحو؛ إذ يوحي بأن العنف بات جزءاً من الماضي، في حين تُعامل تداعياته باعتبارها مجرد مشكلة إنسانية تنتظر الحل.
غير أن غزة لا يمكن إعادة بنائها ببساطة كما يتم إصلاح طريق متضرر؛ فقد تمزق نسيج المجتمع، وتشتتت الأسر ودُمرت، واختفت مجتمعات بأكملها، وفقد مئات الآلاف من الناس منازلهم.
لقد خسر الأطفال سنوات من التعليم، فيما يترافق الدمار المادي مع حزن لا يمكن أن تعبّر عنه إحصاءات إعادة الإعمار. ومع ذلك، فقد تحوّل الاهتمام الدولي بشكل متزايد نحو قضايا أخرى.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً. فقد خرج الناس حول العالم في مظاهرات نصرةً لغزة، واحتل الطلبة حرم الجامعات، ووثّقت منظمات حقوق الإنسان الانتهاكات، ودعا العمال والنقابات إلى التضامن، كما رفض ملايين الأشخاص العاديين اعتبار تدمير شعب بأكمله أمراً طبيعياً.
غير أن التعاطف الشعبي لا يترجم تلقائياً إلى تحرك سياسي؛ إذ يمكن للحكومات الغربية أن تعرب عن قلقها بينما تواصل التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً دبلوماسياً لا حالة طوارئ إنسانية.
قد يدعو القادة إلى السلام دون أن يضمنوا توفر الظروف اللازمة ليعيش الفلسطينيون بكرامة؛ إذ يمكن إصدار البيانات، وتقديم التعازي، وعقد المؤتمرات، بينما تظل تبعات الدمار تقع -إلى حد كبير- على عاتق الفلسطينيين أنفسهم.
ولهذا السبب، فإن عبارة «الحرب انتهت» تكتسي أهمية بالغة؛ فالكلمات تشكّل الواقع السياسي. فعندما تصف حكومة أو رئيس أو مؤسسة إعلامية الوضع في غزة بأنه «مرحلة ما بعد الحرب»، قد يظن الجمهور البعيد عن القطاع أن حالة الطوارئ قد انقضت، فتتحول الأنظار إلى أماكن أخرى، وتتراجع الضغوط السياسية، وتتحول المعاناة إلى مجرد ضجيج في الخلفية.
غير أن سكان غزة لا يمكنهم المضي قدماً لمجرد أن العالم قرر ذلك؛ فأولئك الأشخاص الـ 112 الذين ووريت جثامينهم الثرى في شهر أغسطس الماضي كانوا قد انتظروا ما يقرب من ثلاث سنوات للحصول على قبر، ولا يزال الآلاف غيرهم يقبعون تحت الأنقاض.
لا تزال عائلاتهم في حالة انتظار، ولا يزال ملايين الفلسطينيين يحاولون فهم المعنى المقصود بكلمة «سلام» في ظل غياب أي مكان آمن للعودة إليه، وضعف شديد في القدرة على إعادة بناء ما دُمِّر.
ينبغي أن يكون وقف إطلاق النار بدايةً لإنهاء العنف، لا ذريعةً لإعادة توصيف تداعياته على أنه «سلام». وإذا كان المجتمع الدولي يرغب حقاً في الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب في غزة، فعليه أولاً مواجهة ما خلّفته هذه الحرب.
ويعني ذلك ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام، وتيسير عمليات انتشال جثامين الضحايا المغمورين تحت الأنقاض والتعرف على هوياتهم، ودعم إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات والجامعات، وإرساء آليات فعالة للمساءلة عن انتهاكات القانون الدولي.
والأهم من ذلك كله، يجب ألا يُنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم مجرد متلقين للمساعدات الإنسانية؛ بل يجب الاعتراف بهم كأصحاب حقوق، وفاعلين يملكون زمام أمورهم، ولهم مستقبل يخصهم وحدهم. قد يرغب العالم في طي صفحة غزة، لكننا لا نستطيع ذلك؛ فنحن ما زلنا نعيش تفاصيل الصفحات التي سبقت هذه اللحظة.
بالنسبة إلينا هنا، الحرب ليست مجرد سطر في كتاب تاريخ؛ إنها الركام المتكدس أمام أبوابنا، والمقعد الشاغر على مائدة العائلة، والطفل الذي تعذرت عودته إلى المدرسة، والقبر الذي تطلب إعداده سنوات طويلة. لذا، حين يُقال للعالم إن الحرب قد وضعت أوزارها، أنصتوا جيداً إلى غزة.
فتشوا تحت الأنقاض.
أحصوا عدد القبور.
وتساءلوا: هل يمكن حقاً إعلان السلام بينما لا يزال آلاف الموتى بانتظار من يعثر عليهم وينتشلهم؟
{ كاتبة فلسطينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك