بلغ تطور الذكاء الاصطناعي مرحلة خطرة، فلم يعد مجرد أداة يديرها الإنسان، ولكن ربما يخرج عن سيطرة الإنسان، ولربما نجده يشعر بدلاً منه، ويفكر نيابة عنه، فها هو اليوم يكتب ويقرأ، ويؤلف القصص، ويلحن الأغنيات، ويرسم ويصمم، ويضع الخطط الإعلانية، ويشخّص الأمراض ويقترح الأدوية، ويتنبأ بالأحداث والأحوال الجوية، ويساعد في تنظيم الوقت، ويعمل مدرساً خاصاً، ويقترح أنماطاً أكثر سهولة للحياة، ويحلل كميات هائلة من البيانات في ثوانٍ معدودة، وكل ذلك يبدو للوهلة الأولى وكأنه انتصار جديد للإنسان وتوسيع لقدراته وتخفيف لأعبائه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح متى تتحول التكنولوجيا من خادم للإنسان إلى بديل عنه؟
فما يبدو اليوم تسهيلاً للحياة قد يتحول غداً إلى إلغاء تدريجي لدور الإنسان فيها، وقد يقذف به إلى عالم رقمي بلا حدود واضحة، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ إلى أين يصل مداه. ومع كل طفرة برمجية جديدة، تتقلص المسافة بين ما كان يوصف بالأمس بأنه خيال علمي، وما أصبح اليوم حقيقة قابلة للتنفيذ.
مع تسارع هذه الطفرات وتنوعها وتلاحقها، يخطو الإنسان بسرعة نحو المجهول، من دون أن يمتلك إجابة حاسمة عن أسئلة تبدو أكثر إلحاحاً كل يوم:
إلى أين نمضي؟ وهل نسير فعلاً في الاتجاه الذي يخدم مصالح الإنسان؟ وهل ينبغي أن يكون للتطور التكنولوجي حدود؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين يجب أن تتوقف التكنولوجيا، وأين يجب أن يبدأ الإنسان في قول كفى؟
لكن أكثر ما بات يقلقني الآن هو احتمال يبدو اليوم أقرب إلى الخيال، لكنه قد لا يبقى كذلك طويلاً، هو: أن تنجح التكنولوجيا، وخصوصاً عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات الربط بين الدماغ والآلة، في تحميل المعلومات مباشرة إلى العقل البشرى.
قد يبدو الأمر في ظاهره ثورة غير مسبوقة في التعليم واكتساب المعرفة، إذ يمكن تجاوز سنوات الدراسة الطويلة، واختصار الوقت والجهد اللازمين للتعلم والحفظ والتحليل، فإذا أراد الإنسان تعلم لغة جديدة، أو اكتساب موهبة، أو إتقان مهارة، أو دراسة علم معقد، أو حتى تعديل حالته المزاجية والنفسية، فقد تصبح تقنيات الربط بين الدماغ والآلة جسراً مباشراً بين الخلايا العصبية والأجهزة الرقمية، وبين العقل البشرى والتكنولوجيا.
وحينها لن تكون القضية مجرد تخزين معلومات، بل قد تمتد إلى تحليلها واسترجاعها بسرعة فائقة، وربما توجيه بعض أنماط التفكير والاستجابة.
تخيل، عزيزي القارئ، أنك تحب الشعر وتتمنى أن تصبح شاعراً موهوباً، وبدلاً من أن تسهر الليالي تقرأ وتحفظ وتتعلم وتخطئ ثم تعيد المحاولة، يكفيك -في ذلك المستقبل المفترض- أن تضغط زراً لتخزن في عقلك دواوين الشعراء الذين تحبهم، وتريد أن تكتسب شيئاً من معارفهم وأساليبهم ومهاراتهم البلاغية والفنية، لتصبح شاعرا فحلا مثلهم، أو تخيل أنك تريد أن تصبح طبيباً ناجحاً، أو مهندساً متميزاً، أو عالماً في الكيمياء أو الفيزياء، بدلاً من سنوات الدراسة والتجربة والتدريب، يمكن أن تُحمّل إلى عقلك موسوعات علمية هائلة، فتصل المعرفة إليك مباشرة، وتصبح المعلومات التي احتاجت البشرية إلى قرون لجمعها متاحة في لحظة واحدة.
ولكن إذا أصبح كل شيء قابلاً للتحميل إلى العقل، فلماذا نتعلم؟ ولماذا نحفظ؟ ولماذا نحلل ونناقش ونختلف ونخطئ ثم نستفيد من أخطائنا؟
قد يقول قائل: هذا مجرد خيال علمي، وافتراضات لا يمكن تحقيقها.
لكن التاريخ العلمي يخبرنا بشيء مختلف، فكثير مما اعتبره الإنسان في الماضي مستحيلاً أصبح اليوم واقعاً، وما كان يحتاج إلى سنوات طويلة من الجهد أصبح ينجز في لحظات. ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن نصدق كل ما نتخيله، وإنما في أن نستبعد إمكان حدوثه لمجرد أنه يتجاوز حدود معرفتنا الحالية.
{ كاتب وباحث أكاديمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك