العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العقل البشري وإدارة التطور التكنولوجي

بقلم: د. طارق عباس

الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

بلغ‭ ‬تطور‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مرحلة‭ ‬خطرة،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬يديرها‭ ‬الإنسان،‭  ‬ولكن‭ ‬ربما‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬سيطرة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولربما‭ ‬نجده‭  ‬يشعر‭ ‬بدلاً‭ ‬منه،‭ ‬ويفكر‭ ‬نيابة‭ ‬عنه،‭ ‬فها‭ ‬هو‭ ‬اليوم‭ ‬يكتب‭ ‬ويقرأ،‭ ‬ويؤلف‭ ‬القصص،‭ ‬ويلحن‭ ‬الأغنيات،‭ ‬ويرسم‭ ‬ويصمم،‭ ‬ويضع‭ ‬الخطط‭ ‬الإعلانية،‭ ‬ويشخّص‭ ‬الأمراض‭ ‬ويقترح‭ ‬الأدوية،‭ ‬ويتنبأ‭ ‬بالأحداث‭ ‬والأحوال‭ ‬الجوية،‭ ‬ويساعد‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الوقت،‭ ‬ويعمل‭ ‬مدرساً‭ ‬خاصاً،‭ ‬ويقترح‭ ‬أنماطاً‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة‭ ‬للحياة،‭ ‬ويحلل‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬وكأنه‭ ‬انتصار‭ ‬جديد‭ ‬للإنسان‭ ‬وتوسيع‭ ‬لقدراته‭ ‬وتخفيف‭ ‬لأعبائه‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭ ‬متى‭ ‬تتحول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬من‭ ‬خادم‭ ‬للإنسان‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عنه؟

فما‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬تسهيلاً‭ ‬للحياة‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬غداً‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬تدريجي‭ ‬لدور‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها،‭ ‬وقد‭ ‬يقذف‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬رقمي‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬واضحة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يتنبأ‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يصل‭ ‬مداه‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬طفرة‭ ‬برمجية‭ ‬جديدة،‭ ‬تتقلص‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يوصف‭ ‬بالأمس‭ ‬بأنه‭ ‬خيال‭ ‬علمي،‭ ‬وما‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬حقيقة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭.‬

مع‭ ‬تسارع‭ ‬هذه‭ ‬الطفرات‭ ‬وتنوعها‭ ‬وتلاحقها،‭ ‬يخطو‭ ‬الإنسان‭ ‬بسرعة‭ ‬نحو‭ ‬المجهول،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬إجابة‭ ‬حاسمة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬كل‭ ‬يوم‭:‬

إلى‭ ‬أين‭ ‬نمضي؟‭ ‬وهل‭ ‬نسير‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬الإنسان؟‭ ‬وهل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للتطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬حدود؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬فأين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وأين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬كفى؟

لكن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يقلقني‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬احتمال‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخيال،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬كذلك‭ ‬طويلاً،‭ ‬هو‭: ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عبر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتقنيات‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الدماغ‭ ‬والآلة،‭ ‬في‭ ‬تحميل‭ ‬المعلومات‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬البشرى‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬ثورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬واكتساب‭ ‬المعرفة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوز‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬الطويلة،‭ ‬واختصار‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬اللازمين‭ ‬للتعلم‭ ‬والحفظ‭ ‬والتحليل،‭ ‬فإذا‭ ‬أراد‭ ‬الإنسان‭ ‬تعلم‭ ‬لغة‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬اكتساب‭ ‬موهبة،‭ ‬أو‭ ‬إتقان‭ ‬مهارة،‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭ ‬علم‭ ‬معقد،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تعديل‭ ‬حالته‭ ‬المزاجية‭ ‬والنفسية،‭ ‬فقد‭ ‬تصبح‭ ‬تقنيات‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الدماغ‭ ‬والآلة‭ ‬جسراً‭ ‬مباشراً‭ ‬بين‭ ‬الخلايا‭ ‬العصبية‭ ‬والأجهزة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وبين‭ ‬العقل‭ ‬البشرى‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

وحينها‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬القضية‭ ‬مجرد‭ ‬تخزين‭ ‬معلومات،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تحليلها‭ ‬واسترجاعها‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة،‭ ‬وربما‭ ‬توجيه‭ ‬بعض‭ ‬أنماط‭ ‬التفكير‭ ‬والاستجابة‭.‬

تخيل،‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ،‭ ‬أنك‭ ‬تحب‭ ‬الشعر‭ ‬وتتمنى‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬شاعراً‭ ‬موهوباً،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسهر‭ ‬الليالي‭ ‬تقرأ‭ ‬وتحفظ‭ ‬وتتعلم‭ ‬وتخطئ‭ ‬ثم‭ ‬تعيد‭ ‬المحاولة،‭ ‬يكفيك‭ -‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المستقبل‭ ‬المفترض‭- ‬أن‭ ‬تضغط‭ ‬زراً‭ ‬لتخزن‭ ‬في‭ ‬عقلك‭ ‬دواوين‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬تحبهم،‭ ‬وتريد‭ ‬أن‭ ‬تكتسب‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬معارفهم‭ ‬وأساليبهم‭ ‬ومهاراتهم‭ ‬البلاغية‭ ‬والفنية،‭ ‬لتصبح‭ ‬شاعرا‭ ‬فحلا‭ ‬مثلهم،‭ ‬أو‭ ‬تخيل‭ ‬أنك‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬طبيباً‭ ‬ناجحاً،‭ ‬أو‭ ‬مهندساً‭ ‬متميزاً،‭ ‬أو‭ ‬عالماً‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬أو‭ ‬الفيزياء،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬والتجربة‭ ‬والتدريب،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحمّل‭ ‬إلى‭ ‬عقلك‭ ‬موسوعات‭ ‬علمية‭ ‬هائلة،‭ ‬فتصل‭ ‬المعرفة‭ ‬إليك‭ ‬مباشرة،‭ ‬وتصبح‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬احتاجت‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬قرون‭ ‬لجمعها‭ ‬متاحة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭.‬

ولكن‭ ‬إذا‭ ‬أصبح‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قابلاً‭ ‬للتحميل‭ ‬إلى‭ ‬العقل،‭ ‬فلماذا‭ ‬نتعلم؟‭ ‬ولماذا‭ ‬نحفظ؟‭ ‬ولماذا‭ ‬نحلل‭ ‬ونناقش‭ ‬ونختلف‭ ‬ونخطئ‭ ‬ثم‭ ‬نستفيد‭ ‬من‭ ‬أخطائنا؟

قد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭: ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬خيال‭ ‬علمي،‭ ‬وافتراضات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقها‭.‬

لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬يخبرنا‭ ‬بشيء‭ ‬مختلف،‭ ‬فكثير‭ ‬مما‭ ‬اعتبره‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬مستحيلاً‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬واقعاً،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬أصبح‭ ‬ينجز‭ ‬في‭ ‬لحظات‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نصدق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نتخيله،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نستبعد‭ ‬إمكان‭ ‬حدوثه‭ ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬معرفتنا‭ ‬الحالية‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا