العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حتى يحقق العمل الخيري أهدافه

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

عرف‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬طويلة‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬والجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬الأهلية‭ ‬واعتبرها‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للتكافل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وسندا‭ ‬وداعما‭ ‬ومكملا‭ ‬لجهود‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬مشكلات‭ ‬الأسر‭ ‬والعائلات‭ ‬والأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬رغم‭ ‬عراقته‭ ‬وأهميته‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬امام‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة؛‭ ‬هي‭ ‬كيفية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬رسالته‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬ينحرف‭ ‬عن‭ ‬أهدافه‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬اداة‭ ‬للهيمنة‭ ‬او‭ ‬لتوجيه‭ ‬الأفكار‭ ‬أو‭ ‬التوظيف‭ ‬السياسي‭.‬

إننا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬فيه‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬وجهود‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات،‭ ‬فهو‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬يشكل‭ ‬شبكة‭ ‬امان‭ ‬اجتماعي‭ ‬تساعد‭ ‬وتعين‭ ‬الأيتام‭ ‬والارامل‭ ‬والفقراء‭ ‬وتوفر‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬يحتاجون‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬غذاء‭ ‬وكساء‭ ‬ورعاية‭ ‬صحية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬دوره‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد؛‭ ‬إذ‭ ‬يمتد‭ ‬الى‭ ‬نقل‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬المحتاجين‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاكتفاء‭ ‬والإنتاج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمويل‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والتدريب‭ ‬المهني‭ ‬والتعليم،‭ ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭ ‬بنشر‭ ‬قيم‭ ‬التكافل‭ ‬والمواطنة‭ ‬والتطوع‭ ‬وتوجيه‭ ‬طاقات‭ ‬الشباب‭ ‬نحو‭ ‬أعمال‭ ‬مثمرة‭ ‬تخدم‭ ‬الصالح‭ ‬العام،‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬قدرته‭ ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬والأوبئة‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬الدول‭ ‬وخصوصا‭ ‬الفقيرة،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬تقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬عاجلة‭ ‬وفورية‭ ‬بمرونة‭ ‬تفوق‭ ‬أحيانا‭ ‬سرعة‭ ‬الأجهزة‭ ‬الحكومية‭ ‬الروتينية‭.‬

غير‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬العطاء‭ ‬قد‭ ‬ينقلب‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬غابت‭ ‬أو‭ ‬انحرفت‭ ‬النوايا؛‭ ‬فأول‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬تكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬الاعتمادية‭ ‬حين‭ ‬تقتصر‭ ‬المساعدات‭ ‬على‭ ‬جانبها‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بعدها‭ ‬التنموي؛‭ ‬فيصبح‭ ‬المستفيد‭ ‬معتمدا‭ ‬اعتمادا‭ ‬كليا‭ ‬على‭ ‬الجمعية‭ ‬فاقدا‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الانتاج‭ ‬والاستقلال‭.‬

‭ ‬ويأتي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬خطر‭ ‬التوجيه‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والفكري‭ ‬والسياسي‭ ‬حين‭ ‬تستغل‭ ‬بعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬حاجة‭ ‬الناس‭ ‬المادية‭ ‬لفرض‭ ‬توجهات‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬معينة‭ ‬بتحويل‭ ‬مقار‭ ‬الجمعيات‭ ‬إلى‭ ‬منابر‭ ‬للاستقطابات‭ ‬المختلفة‭ ‬بكل‭ ‬اشكالها‭ ‬وأنواعها‭ ‬بدل‭ ‬ان‭ ‬تبقى‭ ‬فضاءات‭ ‬للعطاء‭.‬

أما‭ ‬الاستغلال‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬اكثر‭ ‬خطورة؛‭ ‬إذ‭ ‬تتحول‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬وأداة‭ ‬لشراء‭ ‬أصوات‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬الانتخابات‭ ‬حين‭ ‬تتدفق‭ ‬الأموال‭ ‬فجأة‭ ‬لكسب‭ ‬التأييد‭ ‬لصالح‭ ‬أفراد‭ ‬او‭ ‬تيارات‭ ‬معينة،‭ ‬ولا‭ ‬يقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬شعور‭ ‬المستفيد‭ ‬بالتبعية‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬الجهوية‭ ‬تجاه‭ ‬المانح‭ ‬بما‭ ‬يسلبه‭ ‬حريته‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراته‭ ‬خشية‭ ‬ان‭ ‬تقطع‭ ‬عنه‭ ‬المساعدة‭.‬

ويختم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬بخطر‭ ‬ضعف‭ ‬الشفافية‭ ‬المالية‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬امام‭ ‬احتمال‭ ‬استخدام‭ ‬أموال‭ ‬التبرعات‭ ‬في‭ ‬أشياء‭ ‬وأمور‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬المصاريف‭ ‬الادارية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المساعدات‭ ‬الفعلية‭ ‬المفترض‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬مستحقيها‭ ‬الحقيقيين‭.‬

ونعتقد‭ ‬ان‭ ‬قرارات‭ ‬وزارة‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الاخيرة‭ ‬رقم‭ ‬51‭ ‬و52‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬حول‭ ‬جمع‭ ‬المال‭ ‬واعتماد‭ ‬نماذج‭ ‬واستمارات‭ ‬وطلبات‭ ‬جمع‭ ‬المال‭ ‬وتحديد‭ ‬المخالفات‭ ‬التي‭ ‬يترتب‭ ‬عليها‭ ‬غرامات‭ ‬مالية‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصحيح؛‭ ‬وذلك‭ ‬لضمان‭ ‬بقاء‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬أدوات‭ ‬بناء‭ ‬لا‭ ‬أدوات‭ ‬سيطرة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬فيها‭ ‬الحاجة‭ ‬الى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الآليات‭ ‬العملية‭ ‬لمراقبة‭ ‬اداء‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬وضع‭ ‬أطر‭ ‬تشريعية‭ ‬ورقابة‭ ‬حكومية‭ ‬لفصل‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬وغيره‭ ‬فصلا‭ ‬تاما‭ ‬بحضر‭ ‬مشاركة‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬بصفتهم‭ ‬الاعتبارية‭ ‬ومنع‭ ‬استخدام‭ ‬مقارها‭ ‬أو‭ ‬مواردها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ترويج‭ ‬سياسي‭.‬

ويأتي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬ضرورة‭ ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬مالية‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬الجمعيات‭ ‬لمراقبة‭ ‬أوجه‭ ‬صرف‭ ‬المساعدات‭ ‬مع‭ ‬إلزامها‭ ‬بنشر‭ ‬قوائمها‭ ‬المالية‭ ‬المدققة‭ ‬سنويا‭ ‬وتوضيح‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬وأوجه‭ ‬الصرف،‭ ‬والاهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬التحول‭ ‬التدريجي‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬الرعاية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬التنمية‭ ‬المستدامة‮»‬‭ ‬بتوجيه‭ ‬الدعم‭ ‬نحو‭ ‬المنح‭ ‬التعليمية‭ ‬والتأمين‭ ‬الصحي‭ ‬وتأسيس‭ ‬المشروعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬للمستفيد‭ ‬الاستدامة‭ ‬المادية‭.‬

واخيراً،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ربط‭ ‬المساعدات‭ ‬بخطط‭ ‬زمنية‭ ‬واضحة‭ ‬تستهدف‭ ‬تأهيل‭ ‬الأسر‭ ‬المستفيدة‭ ‬للدخول‭ ‬لدورة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬لأن‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لبناء‭ ‬انسان‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬بنفسه‭ ‬وأسرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعالة‭ ‬أفرادها‭ ‬ومجتمع‭ ‬متماسك‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬طريقه‭ ‬الى‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬الحدود‭. ‬فالعطاء‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬يقاس‭ ‬بحجم‭ ‬المساعدة‭ ‬المقدمة‭ ‬أو‭ ‬استمرارها‭ ‬بل‭ ‬بتجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬العطاء‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا