عرف العالم منذ قرون طويلة العمل الخيري والجمعيات الخيرية الأهلية واعتبرها ركيزة أساسية للتكافل الاجتماعي وسندا وداعما ومكملا لجهود الدولة في معالجة مشكلات الأسر والعائلات والأفراد والجماعات، إلا ان هذا الجانب رغم عراقته وأهميته يقف اليوم امام تحديات كبيرة؛ هي كيفية المحافظة على رسالته الإنسانية النبيلة من دون ان ينحرف عن أهدافه ويتحول إلى اداة للهيمنة او لتوجيه الأفكار أو التوظيف السياسي.
إننا في الوقت الذي لا ننكر فيه الدور الحيوي الذي يؤديه العمل الخيري وجهود الجمعيات الخيرية في حياة المجتمعات، فهو بكل تأكيد يشكل شبكة امان اجتماعي تساعد وتعين الأيتام والارامل والفقراء وتوفر لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ورعاية صحية واجتماعية، إلا ان دوره لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ يمتد الى نقل المستفيدين من مرحلة المحتاجين إلى مرحلة الاكتفاء والإنتاج من خلال تمويل المشروعات الصغيرة والتدريب المهني والتعليم، كما يسهم العمل الخيري في تعزيز التماسك المجتمعي بنشر قيم التكافل والمواطنة والتطوع وتوجيه طاقات الشباب نحو أعمال مثمرة تخدم الصالح العام، ويضاف إلى ذلك كله قدرته الفائقة على الاستجابة السريعة للأزمات والكوارث والأوبئة التي تضرب الدول وخصوصا الفقيرة، ما يستدعي تقديم مساعدات عاجلة وفورية بمرونة تفوق أحيانا سرعة الأجهزة الحكومية الروتينية.
غير ان هذا العطاء قد ينقلب إذا ما غابت أو انحرفت النوايا؛ فأول هذه المخاطر تكريس ثقافة الاعتمادية حين تقتصر المساعدات على جانبها الاستهلاكي المباشر من دون بعدها التنموي؛ فيصبح المستفيد معتمدا اعتمادا كليا على الجمعية فاقدا الرغبة في الانتاج والاستقلال.
ويأتي بعد ذلك ما هو أخطر من ذلك، وهو خطر التوجيه الأيديولوجي والفكري والسياسي حين تستغل بعض الجمعيات الخيرية حاجة الناس المادية لفرض توجهات دينية أو سياسية معينة بتحويل مقار الجمعيات إلى منابر للاستقطابات المختلفة بكل اشكالها وأنواعها بدل ان تبقى فضاءات للعطاء.
أما الاستغلال السياسي والاجتماعي فيتمثل في صورة اكثر خطورة؛ إذ تتحول المساعدات إلى وسيلة وأداة لشراء أصوات الناخبين في مواسم الانتخابات حين تتدفق الأموال فجأة لكسب التأييد لصالح أفراد او تيارات معينة، ولا يقل خطورة عن ذلك شعور المستفيد بالتبعية الشخصية أو الجهوية تجاه المانح بما يسلبه حريته في التعبير أو في اتخاذ قراراته خشية ان تقطع عنه المساعدة.
ويختم هذا المشهد بخطر ضعف الشفافية المالية الذي يفتح الباب امام احتمال استخدام أموال التبرعات في أشياء وأمور غير معلنة أو تضخيم المصاريف الادارية على حساب المساعدات الفعلية المفترض توجيهها إلى مستحقيها الحقيقيين.
ونعتقد ان قرارات وزارة التنمية الاجتماعية الاخيرة رقم 51 و52 لسنة 2026 حول جمع المال واعتماد نماذج واستمارات وطلبات جمع المال وتحديد المخالفات التي يترتب عليها غرامات مالية خطوة في الاتجاه الصحيح؛ وذلك لضمان بقاء الجمعيات الخيرية أدوات بناء لا أدوات سيطرة، وخصوصاً في هذه الظروف التي تبرز فيها الحاجة الى مجموعة من الآليات العملية لمراقبة اداء الجمعيات الخيرية، في مقدمتها وضع أطر تشريعية ورقابة حكومية لفصل العمل الخيري عن العمل السياسي وغيره فصلا تاما بحضر مشاركة الجمعيات الخيرية في الحملات الانتخابية بصفتهم الاعتبارية ومنع استخدام مقارها أو مواردها في أي ترويج سياسي.
ويأتي إلى جانب ذلك ضرورة فرض رقابة مالية صارمة على الجمعيات لمراقبة أوجه صرف المساعدات مع إلزامها بنشر قوائمها المالية المدققة سنويا وتوضيح مصادر التمويل وأوجه الصرف، والاهم من ذلك كله هو التحول التدريجي من فلسفة «الرعاية» إلى فلسفة «التنمية المستدامة» بتوجيه الدعم نحو المنح التعليمية والتأمين الصحي وتأسيس المشروعات الاجتماعية الصغيرة التي تضمن للمستفيد الاستدامة المادية.
واخيراً، لا بد من ربط المساعدات بخطط زمنية واضحة تستهدف تأهيل الأسر المستفيدة للدخول لدورة سوق العمل لأن العمل الخيري ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لبناء انسان قادر على الاستقلال بنفسه وأسرة قادرة على إعالة أفرادها ومجتمع متماسك لا يعرف طريقه الى الجمعيات الخيرية إلا في أضيق الحدود. فالعطاء الحقيقي في نهاية المطاف يقاس بحجم المساعدة المقدمة أو استمرارها بل بتجاوز مرحلة الحاجة إلى مرحلة العطاء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك