العدد : ١٧٧٠٧ - الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٧ - الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

معادلة التعليم والاقتصاد وأولويات سوق العمل

بقلم: طلال أبو غزالة

الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

التعليم‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬والجامعة‭ ‬هي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يهيّئ‭ ‬الشابّ‭ ‬لحياته‭ ‬المهنية،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً‭ ‬آخر‭. ‬لدينا‭ ‬جامعات‭ ‬تتوسّع،‭ ‬وتخصّصات‭ ‬تتكاثر،‭ ‬وأعداد‭ ‬الخرّيجين‭ ‬تزداد‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬عام‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتّسع‭ ‬مشكلة‭ ‬البطالة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وتبحث‭ ‬شركات‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬مهاراتٍ‭ ‬لا‭ ‬تجدها‭ ‬بسهولة‭. ‬المفارقة‭ ‬تستحقّ‭ ‬التوقّف،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬الشهادات،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬نشكو‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المهارات؟‭ ‬والمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الطالب‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

منذ‭ ‬عقود‭ ‬خلت،‭ ‬لم‭ ‬أترك‭ ‬منبراً‭ ‬إلّا‭ ‬وتحدّثت‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬علاقة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نعلّمه‭ ‬في‭ ‬جامعاتنا‭ ‬وما‭ ‬يحتاجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأسواق‭. ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نختار‭ ‬التخصّص،‭ ‬في‭ ‬أحيانٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متاح،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬الأهالي،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعتقد‭ ‬الطالب‭ ‬أنّه‭ ‬أسهل،‭ ‬ثمّ‭ ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬أنّ‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭.‬

‭ ‬وهكذا‭ ‬تتكرّر‭ ‬القصّة‭: ‬آلاف‭ ‬الطلّاب‭ ‬يدخلون‭ ‬تخصّصات‭ ‬بمسمّيات‭ ‬برّاقة‭ ‬أصبحت‭ ‬أعداد‭ ‬خريجيها‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬استيعابهم،‭ ‬بينما‭ ‬تعاني‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬نقصاً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬الفنّيين‭ ‬والمبرمجين‭ ‬والمتخصّصين‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬والبرمجة‭ ‬التفاعلية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والأتمتة‭ ‬والطاقة‭ ‬والتقنيات‭ ‬الصناعية‭ ‬الحديثة‭. ‬وربّما‭ ‬يكون‭ ‬مستوى‭ ‬الخريجين‭ ‬أقلّ‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬متوقّع،‭ ‬وهذا‭ ‬باب‭ ‬نفرد‭ ‬له‭ ‬مساحةً‭ ‬أخرى‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المناهج‭ ‬وسقوط‭ ‬بعضها‭ ‬بالتقادم‭.‬

طبعاً،‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مشكلة‭ ‬أعداد‭ ‬فقط،‭ ‬إنّها‭ ‬مشكلة‭ ‬تخطيط‭. ‬فالاقتصاد‭ ‬يتغيّر‭ ‬بسرعة،‭ ‬بينما‭ ‬التعليم‭ ‬لدينا‭ ‬يتحرّك‭ ‬ببطء‭ ‬شديد‭. ‬شركة‭ ‬اليوم‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مهارات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودةً‭ ‬أصلاً‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬التخصّصات‭ ‬الجامعية‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬الصناعة‭ ‬والخدمات‭ ‬والطبّ‭ ‬والمال‭ ‬والإعلام،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬المؤسّسات‭ ‬والدول،‭ ‬والروبوتات‭ ‬والأتمتة‭ ‬تغيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬التخصّص‭ ‬الجامعي‭ ‬وكأنّه‭ ‬قرار‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭.‬

المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬التصوّر‭ ‬الذهني‭ ‬للجامعة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مطبعةً‭ ‬للشهادات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬والاقتصاد‭ ‬معاً،‭ ‬ثمّ‭ ‬نعود‭ ‬لنسأل‭: ‬لماذا‭ ‬هاجر‭ ‬شبابنا؟‭ ‬ولماذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬البطالة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬الشركات‭ ‬الكفاءات‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها؟‭ ‬والإجابة‭ ‬ليست‭ ‬سرّاً‭ ‬كما‭ ‬نظن‭. ‬فالعالم‭ ‬لن‭ ‬ينتظرنا‭ ‬حتّى‭ ‬نعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬مناهجنا،‭ ‬وأظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحلّ‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تتوقّف‭ ‬الجامعات‭ ‬عن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬باعتباره‭ ‬جهةً‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق‭ ‬لتوظيف‭ ‬خرّيجيها،‭ ‬فالسوق‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حاضرةً‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المهارات‭ ‬وتصميم‭ ‬البرامج‭ ‬والتدريب‭ ‬والمشاريع‭ ‬العملية،‭ ‬وحتّى‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التخصّص‭ ‬الذي‭ ‬ندرّسه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مطلوباً‭ ‬أصلاً‭. ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬مقرّراً‭ ‬في‭ ‬البرمجة‭ ‬إلى‭ ‬تخصّص‭ ‬قديم‭ ‬ونقول‭ ‬إنّنا‭ ‬حدّثنا‭ ‬التعليم‭.‬

لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬بيضاء،‭ ‬فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭. ‬الطالب‭ ‬الذي‭ ‬يدرس‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬مثلاً،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬البيانات‭ ‬والأدوات‭ ‬الرقمية،‭ ‬ومَن‭ ‬يدرس‭ ‬الإدارة‭ ‬سيعمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وحتّى‭ ‬التخصّصات‭ ‬الإنسانية‭ ‬نفسها‭ ‬ستتغيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬فالعالم‭ ‬المهني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقسّماً‭ ‬بالطريقة‭ ‬القديمة‭ ‬بين‭ ‬تخصّصات‭ ‬علمية‭ ‬وتخصّصات‭ ‬أدبية‭ ‬أو‭ ‬إنسانية،‭ ‬الحدود‭ ‬نفسها‭ ‬بدأت‭ ‬تختفي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استمرار‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬واحتياجات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬كلفةً‭.‬

لدينا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ثروة‭ ‬بشرية‭ ‬هائلة،‭ ‬ملايين‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬فتية،‭ ‬مقابل‭ ‬كهولة‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وهذه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أكبر‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬لديه،‭ ‬أو‭ ‬أكبر‭ ‬مشكلة‭ ‬يواجهها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬الفرق‭ ‬يتوقّف‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يحصلون‭ ‬عليه،‭ ‬وعلى‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الأعداد‭ ‬من‭ ‬طالبي‭ ‬وظائف‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬مهارات،‭ ‬ومنتجين،‭ ‬ومبتكرين‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬جامعات‭ ‬جديدة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الموجودة‭. ‬فنحن‭ ‬نحتاج،‭ ‬فيما‭ ‬نحتاج،‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالواقع،‭ ‬وإلى‭ ‬تدريب‭ ‬عملي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وإلى‭ ‬مسارات‭ ‬مهنية‭ ‬محترمة‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬خياراً‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭.‬

الأسواق‭ ‬والاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬يعملان‭ ‬بالشهادة‭ ‬المعلّقة،‭ ‬بل‭ ‬بفنّي‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يصلّح‭ ‬الآلة،‭ ‬ومبرمج‭ ‬يستطيع‭ ‬بناء‭ ‬النظام،‭ ‬ومتخصّص‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬يحمي‭ ‬المؤسّسة،‭ ‬ومهندس‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يحوّل‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬منتَج،‭ ‬وتقني‭ ‬يستطيع‭ ‬تشغيل‭ ‬المعدّات،‭ ‬وصاحب‭ ‬مشروع‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يدخل‭ ‬السوق‭. ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭ ‬إنّ‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬دائماً‭ ‬البريق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬بعض‭ ‬الشهادات‭ ‬الجامعية،‭ ‬لكنّها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحرّك‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتصالح‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭.‬

ليس‭ ‬عيباً‭ ‬ألّا‭ ‬يدخل‭ ‬كلّ‭ ‬شابّ‭ ‬الجامعة،‭ ‬العيب‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬الجامعة‭ ‬ثمّ‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬غير‭ ‬مستعدّ‭ ‬للحياة‭ ‬المهنية‭. ‬وهذه‭ ‬ربّما‭ ‬هي‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬منها‭ ‬النقاش‭ ‬الحقيقي‭ ‬حول‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الخرّيجين،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬خريجين‭ ‬يحتاج‭ ‬إليهم‭ ‬المستقبل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا