في المساء، بعد أن يهدأ البيت ويخفت كل صوت فيه، أفتح مصحفي. القراءة في هذه الساعة تمضي على مهل، أقف عند الكلمة الواحدة وأبحث في تفسيرها وسبب نزولها، وأخرج من آيةٍ واحدة بما يكفي ليلة كاملة. ومن يقرأ على هذا النحو يجد وراء كل كلمة موقفا وقع وإنسانا بعينه.
امرأةٌ جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تجادله في أمر زوجها وتشكو حالها إلى الله، فنزلت سورة حملت اسم مجادلتها، ومطلعها أن الله قد سمع قولها. ويُروى أن زوج النبي الكريم كانت في ناحية البيت فيخفى عليها بعض ما تقول المرأة، وقد سمعته السماء كله. أقرأ هذا فأقول في نفسي كم هو عميق ما أُرسل إلى الناس، وكم يمر عليه القارئ العجول من غير أن يراه.
وتمتدّ قراءتي إلى رفوفٍ أخرى. في كل مكتبةٍ أدخلها تشدّني كتب الديانات، أقلّب فيها وأخرج بواحدٍ منها أو اثنين، لأعرف ما يقوله كل قومٍ عن أنفسهم بألسنتهم، من غير وسيطٍ ينقله لي ويضيف إليه من عنده.
ووقعت عينُ أحدهم على كتابٍ منها معي، فسألني عنه بنبرةٍ فيها من الإنكار أكثر مما فيها من الاستفهام. قلتُ له إنني أقرأ لأعرف، وإن الذي يجهل ما يقوله جاره سيقول عنه ما لا يعرفه. مضى غير مقتنع، وبقي الكتاب في مكانه.
وأكثر ما يستوقفني في هذه القراءات كلها نبرةُ الأنبياء وهم يخاطبون من كذبهم. رجال حملوا أثقل ما يحمله إنسان، وواجهوا أقسى ما يواجهه، وجاء كلامهم على غير ما ينتظره القارئ منهم.
أشدّ من ذُكر في القرآن طغياناً فرعون، رجل ادّعى الربوبية وذبح أبناء قوم خافهم على ملكه. أُرسل إليه موسى وهارون، وجاءهما التوجيه قبل الطريق: «فقولا له قولاً ليّنا لعلّه يتذكر أو يخشى». اللين هنا أمر لا اجتهاد فيه، و«لعلّ» أبقت الباب موارباً أمام رجل أُغلقت أبوابه كلها.
والتقيت هذه الكلمة نفسها في موضع آخر تماماً. في سفر الأمثال جملة تقول إن الجواب اللين يصرف الغضب، وإن الكلام الموجع يهيّج السخط. الوصية واحدة والكلمة واحدة، في كتابين وزمانين. اللين وصل إلى الناس من أكثر من طريق، ووصل إليهم مبكراً جداً.
وفتى وقف أمام أبيه يدعوه إلى ما يراه حقاً، فردّ عليه الأب بوعيدٍ صريح بالرجم والطرد من البيت. جاء جواب إبراهيم عليه السلام: «سلام عليك سأستغفر لك ربّي». تهديد بالحجارة قوبل بسلامٍ ودعاء.
أقرأ هذا الجواب فأشعر بصغر ما نتخاصم عليه.
ووقفتُ عند آيةٍ في سورة سبأ، أمر الله نبيّه أن يقول لمن كذّبه: «وإنّا أو إيّاكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ مبين». صاحب اليقين يضع نفسه وخصمه في جملةٍ واحدة، ويترك احتمال الخطأ مفتوحاً على الطرفين. أدبٌ في الخطاب أعود إليه كلما مررتُ به.
ولهذا الأدب ثمرة عدها القرآن الكريم نعمةً تُذكر مع النجاة من الهلاك: «إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها». قومٌ كانوا على حافة الحفرة، وكان إنقاذهم كله في تأليف قلوبهم. الآية تضع اجتماع القلوب في مرتبة النجاة من النار، ولا أعرف تقديرا لهذا المعنى أعلى من هذا.
ولهذا وجهٌ ثانٍ عرفته مدنٌ كثيرة في هذا العالم. أهلها تقاسموا الرزق والطريق قروناً، ثم قيلت كلمةٌ من فوق منبرٍ أو خلف مكبّر صوت، فمشت وحدها حتى صار أطفال المدرسة الواحدة يدخلون من بابين. والترميم بعدها يأخذ من الأجيال ما لا تأخذه الحروب.
وأغلق المصحف على المسافة الواسعة بين نبرةٍ نزلت من السماء ونبرةٍ تصل الناس اليوم باسمها. وللكلمة ميزانٌ يسهل حمله، أن يتصوّر المتكلم من يصفه حاضراً يسمعه، ثم يقول ما كان سيقوله. كلام موسى سمعه فرعون بأذنه، وكلام إبراهيم سمعه أبوه في بيته، والمواجهة جرت كلها في حضور الطرف الآخر. ومن قال في الغائب ما لا يقوله في حضوره فليس الخلل في الغائب.
وديننا الحنيف في أصله يقرّب الناس ويبني بينهم. ومن حمل الكلام من فوق منبرٍ إلى جهة التفريق فقد ابتعد عن الكتاب الذي يستشهد به. والذي يتكلم في الناس باسم دينهم يحمل أمانةً أثقل من أمانة الخبر والرأي، لأن السامع يظن أنه يسمع الدين نفسه.
وأعود في الليلة التالية إلى الصفحة نفسها. صورةٌ واحدة تتكرر في كل قصةٍ من قصص هذه الكتب، رجلٌ يحمل أثقل رسالةٍ عرفها البشر، ويقولها بصوتٍ منخفض.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك