العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

«فقولا له قولا لينا».. تأملات في خطاب قرآني إعجازي

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬المساء،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يهدأ‭ ‬البيت‭ ‬ويخفت‭ ‬كل‭ ‬صوت‭ ‬فيه،‭ ‬أفتح‭ ‬مصحفي‭. ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الساعة‭ ‬تمضي‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ ‬الكلمة‭ ‬الواحدة‭ ‬وأبحث‭ ‬في‭ ‬تفسيرها‭ ‬وسبب‭ ‬نزولها،‭ ‬وأخرج‭ ‬من‭ ‬آيةٍ‭ ‬واحدة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬ليلة‭ ‬كاملة‭. ‬ومن‭ ‬يقرأ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬يجد‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬موقفا‭ ‬وقع‭ ‬وإنسانا‭ ‬بعينه‭.‬

امرأةٌ‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬تجادله‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬زوجها‭ ‬وتشكو‭ ‬حالها‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬فنزلت‭ ‬سورة‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬مجادلتها،‭ ‬ومطلعها‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬قد‭ ‬سمع‭ ‬قولها‭. ‬ويُروى‭ ‬أن‭ ‬زوج‭ ‬النبي‭ ‬الكريم‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ناحية‭ ‬البيت‭ ‬فيخفى‭ ‬عليها‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬المرأة،‭ ‬وقد‭ ‬سمعته‭ ‬السماء‭ ‬كله‭. ‬أقرأ‭ ‬هذا‭ ‬فأقول‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬عميق‭ ‬ما‭ ‬أُرسل‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬وكم‭ ‬يمر‭ ‬عليه‭ ‬القارئ‭ ‬العجول‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يراه‭.‬

وتمتدّ‭ ‬قراءتي‭ ‬إلى‭ ‬رفوفٍ‭ ‬أخرى‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكتبةٍ‭ ‬أدخلها‭ ‬تشدّني‭ ‬كتب‭ ‬الديانات،‭ ‬أقلّب‭ ‬فيها‭ ‬وأخرج‭ ‬بواحدٍ‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬اثنين،‭ ‬لأعرف‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬كل‭ ‬قومٍ‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬بألسنتهم،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬وسيطٍ‭ ‬ينقله‭ ‬لي‭ ‬ويضيف‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عنده‭.‬

ووقعت‭ ‬عينُ‭ ‬أحدهم‭ ‬على‭ ‬كتابٍ‭ ‬منها‭ ‬معي،‭ ‬فسألني‭ ‬عنه‭ ‬بنبرةٍ‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الإنكار‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الاستفهام‭. ‬قلتُ‭ ‬له‭ ‬إنني‭ ‬أقرأ‭ ‬لأعرف،‭ ‬وإن‭ ‬الذي‭ ‬يجهل‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬جاره‭ ‬سيقول‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭. ‬مضى‭ ‬غير‭ ‬مقتنع،‭ ‬وبقي‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬مكانه‭.‬

وأكثر‭ ‬ما‭ ‬يستوقفني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القراءات‭ ‬كلها‭ ‬نبرةُ‭ ‬الأنبياء‭ ‬وهم‭ ‬يخاطبون‭ ‬من‭ ‬كذبهم‭. ‬رجال‭ ‬حملوا‭ ‬أثقل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬إنسان،‭ ‬وواجهوا‭ ‬أقسى‭ ‬ما‭ ‬يواجهه،‭ ‬وجاء‭ ‬كلامهم‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬ينتظره‭ ‬القارئ‭ ‬منهم‭.‬

أشدّ‭ ‬من‭ ‬ذُكر‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬طغياناً‭ ‬فرعون،‭ ‬رجل‭ ‬ادّعى‭ ‬الربوبية‭ ‬وذبح‭ ‬أبناء‭ ‬قوم‭ ‬خافهم‭ ‬على‭ ‬ملكه‭. ‬أُرسل‭ ‬إليه‭ ‬موسى‭ ‬وهارون،‭ ‬وجاءهما‭ ‬التوجيه‭ ‬قبل‭ ‬الطريق‭: ‬‮«‬فقولا‭ ‬له‭ ‬قولاً‭ ‬ليّنا‭ ‬لعلّه‭ ‬يتذكر‭ ‬أو‭ ‬يخشى‮»‬‭. ‬اللين‭ ‬هنا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬اجتهاد‭ ‬فيه،‭ ‬و«لعلّ‮»‬‭ ‬أبقت‭ ‬الباب‭ ‬موارباً‭ ‬أمام‭ ‬رجل‭ ‬أُغلقت‭ ‬أبوابه‭ ‬كلها‭.‬

والتقيت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬تماماً‭. ‬في‭ ‬سفر‭ ‬الأمثال‭ ‬جملة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الجواب‭ ‬اللين‭ ‬يصرف‭ ‬الغضب،‭ ‬وإن‭ ‬الكلام‭ ‬الموجع‭ ‬يهيّج‭ ‬السخط‭.‬‭ ‬الوصية‭ ‬واحدة‭ ‬والكلمة‭ ‬واحدة،‭ ‬في‭ ‬كتابين‭ ‬وزمانين‭. ‬اللين‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طريق،‭ ‬ووصل‭ ‬إليهم‭ ‬مبكراً‭ ‬جداً‭.‬

وفتى‭ ‬وقف‭ ‬أمام‭ ‬أبيه‭ ‬يدعوه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬حقاً،‭ ‬فردّ‭ ‬عليه‭ ‬الأب‭ ‬بوعيدٍ‭ ‬صريح‭ ‬بالرجم‭ ‬والطرد‭ ‬من‭ ‬البيت‭. ‬جاء‭ ‬جواب‭ ‬إبراهيم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭: ‬‮«‬سلام‭ ‬عليك‭ ‬سأستغفر‭ ‬لك‭ ‬ربّي‮»‬‭. ‬تهديد‭ ‬بالحجارة‭ ‬قوبل‭ ‬بسلامٍ‭ ‬ودعاء‭.‬

أقرأ‭ ‬هذا‭ ‬الجواب‭ ‬فأشعر‭ ‬بصغر‭ ‬ما‭ ‬نتخاصم‭ ‬عليه‭.‬

ووقفتُ‭ ‬عند‭ ‬آيةٍ‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬سبأ،‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬نبيّه‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لمن‭ ‬كذّبه‭: ‬‮«‬وإنّا‭ ‬أو‭ ‬إيّاكم‭ ‬لعلى‭ ‬هدىً‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬ضلالٍ‭ ‬مبين‮»‬‭. ‬صاحب‭ ‬اليقين‭ ‬يضع‭ ‬نفسه‭ ‬وخصمه‭ ‬في‭ ‬جملةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬ويترك‭ ‬احتمال‭ ‬الخطأ‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬الطرفين‭. ‬أدبٌ‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬أعود‭ ‬إليه‭ ‬كلما‭ ‬مررتُ‭ ‬به‭.‬

ولهذا‭ ‬الأدب‭ ‬ثمرة‭ ‬عدها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬نعمةً‭ ‬تُذكر‭ ‬مع‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬الهلاك‭: ‬‮«‬إذ‭ ‬كنتم‭ ‬أعداء‭ ‬فألف‭ ‬بين‭ ‬قلوبكم‭ ‬فأصبحتم‭ ‬بنعمته‭ ‬إخواناً‭ ‬وكنتم‭ ‬على‭ ‬شفا‭ ‬حفرة‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬فأنقذكم‭ ‬منها‮»‬‭. ‬قومٌ‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الحفرة،‭ ‬وكان‭ ‬إنقاذهم‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬تأليف‭ ‬قلوبهم‭. ‬الآية‭ ‬تضع‭ ‬اجتماع‭ ‬القلوب‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬النار،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬تقديرا‭ ‬لهذا‭ ‬المعنى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬هذا‭.‬

ولهذا‭ ‬وجهٌ‭ ‬ثانٍ‭ ‬عرفته‭ ‬مدنٌ‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬أهلها‭ ‬تقاسموا‭ ‬الرزق‭ ‬والطريق‭ ‬قروناً،‭ ‬ثم‭ ‬قيلت‭ ‬كلمةٌ‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬منبرٍ‭ ‬أو‭ ‬خلف‭ ‬مكبّر‭ ‬صوت،‭ ‬فمشت‭ ‬وحدها‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬أطفال‭ ‬المدرسة‭ ‬الواحدة‭ ‬يدخلون‭ ‬من‭ ‬بابين‭. ‬والترميم‭ ‬بعدها‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تأخذه‭ ‬الحروب‭.‬

وأغلق‭ ‬المصحف‭ ‬على‭ ‬المسافة‭ ‬الواسعة‭ ‬بين‭ ‬نبرةٍ‭ ‬نزلت‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬ونبرةٍ‭ ‬تصل‭ ‬الناس‭ ‬اليوم‭ ‬باسمها‭. ‬وللكلمة‭ ‬ميزانٌ‭ ‬يسهل‭ ‬حمله،‭ ‬أن‭ ‬يتصوّر‭ ‬المتكلم‭ ‬من‭ ‬يصفه‭ ‬حاضراً‭ ‬يسمعه،‭ ‬ثم‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬سيقوله‭. ‬كلام‭ ‬موسى‭ ‬سمعه‭ ‬فرعون‭ ‬بأذنه،‭ ‬وكلام‭ ‬إبراهيم‭ ‬سمعه‭ ‬أبوه‭ ‬في‭ ‬بيته،‭ ‬والمواجهة‭ ‬جرت‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬الغائب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقوله‭ ‬في‭ ‬حضوره‭ ‬فليس‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬الغائب‭.‬

وديننا‭ ‬الحنيف‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬يقرّب‭ ‬الناس‭ ‬ويبني‭ ‬بينهم‭. ‬ومن‭ ‬حمل‭ ‬الكلام‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬منبرٍ‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬التفريق‭ ‬فقد‭ ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يستشهد‭ ‬به‭. ‬والذي‭ ‬يتكلم‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬باسم‭ ‬دينهم‭ ‬يحمل‭ ‬أمانةً‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬أمانة‭ ‬الخبر‭ ‬والرأي،‭ ‬لأن‭ ‬السامع‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬يسمع‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭.‬

وأعود‭ ‬في‭ ‬الليلة‭ ‬التالية‭ ‬إلى‭ ‬الصفحة‭ ‬نفسها‭. ‬صورةٌ‭ ‬واحدة‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قصةٍ‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬هذه‭ ‬الكتب،‭ ‬رجلٌ‭ ‬يحمل‭ ‬أثقل‭ ‬رسالةٍ‭ ‬عرفها‭ ‬البشر،‭ ‬ويقولها‭ ‬بصوتٍ‭ ‬منخفض‭.‬

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭. ‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا