العدد : ١٧٧٠٥ - الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٥ - الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف تبدأ الحضارات في الانكسار؟

بقلم: د. رضوان السيد

الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

فاز‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬البديل‮»‬‭ ‬اليميني‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬ولايات‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬سابقاً‭. ‬وقد‭ ‬يتولى‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬الولاية‭ ‬الصغيرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هَزم‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المحلية‭ ‬الحزب‭ ‬‮«‬الديمقراطي‭ ‬المسيحي‮»‬‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الألمانية،‭ ‬بل‭ ‬والبريطانية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬عدّت‭ ‬ذلك‭ ‬مصيبةً‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬والطريف‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬شديد‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بموروثات‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬بألمانيا‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الأمرين‭: ‬يمين‭ ‬متطرف‭ ‬ذو‭ ‬تراث‭ ‬سوفيتي؟‭ ‬وقد‭ ‬صوَّت‭ ‬له‭ ‬الشباب‭ ‬الصغار‭ ‬والعجائز،‭ ‬الذين‭ ‬قال‭ ‬كثيرٌ‭ ‬منهم‭ ‬إنهم‭ ‬مظلومون‭ ‬وتمارَسُ‭ ‬عليهم‭ ‬التفرقة‭ ‬من‭ ‬الحزبين‭ ‬الكبيرين‭: ‬‮«‬المسيحي‭ ‬الديمقراطي‮»‬‭ ‬و«الحزب‭ ‬الاشتراكي‮»‬‭.‬

ما‭ ‬علينا؛‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬التحدث‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬الحديثَ‭ ‬الرَّوْعُ‭ ‬الذي‭ ‬داخَلَ‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الألمانية‭ ‬والغربية‭ ‬عامة،‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬بعضها‭ ‬إنّ‭ ‬‮«‬الحضارة»؛‭ ‬نعم‭ ‬الحضارة،‭ ‬الألمانية‭ ‬انكسرت‭! ‬فهل‭ ‬ألمانيا‭ ‬حضارة؟‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬كذلك‭ ‬فهل‭ ‬تنكسر‭ ‬بخسارة‭ ‬انتخابات‭ ‬محلية؟‭ ‬وهل‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬حدثٍ‭ ‬كهذا‭ ‬بالحضارة‭ ‬أم‭ ‬بسياسات‭ ‬الحكومات،‭ ‬فالموجة‭ ‬اليمينية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتقدم‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وفي‭ ‬الدول‭ ‬الاسكندنافية؟‭ ‬والطريف‭ ‬مرةً‭ ‬ثانيةً،‭ ‬أو‭ ‬ثالثة،‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬الوسطية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمةً‭ ‬يشغلُها‭ ‬الخوف‭ ‬الآخَر‭ ‬من‭ ‬بوتين‭ ‬وروسيا‭ ‬الاتحادية؛‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬شباب‭ ‬اليمين‭ ‬الصاعد‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يُخافَ‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الحكومات‭ ‬‮«‬البرجوازية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬ترتاع‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ترتاع‭ ‬من‭ ‬التخلي‭ ‬والانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬التدريجي‭ ‬والميل‭ -‬مثل‭ ‬اليمين‭ ‬الأوروبي‭- ‬إلى‭ ‬مسالمة‭ ‬روسيا‭ ‬وتصور‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬معها‭.‬

في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬نشب‭ ‬صراع‭ ‬علمي،‭ ‬إذا‭ ‬صحَّ‭ ‬التعبير،‭ ‬بين‭ ‬الأنجلوساكسون‭ ‬والألمان‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬علماً‮»‬؛‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬البريطانيون‭ ‬والأمريكيون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التجريبيات‮»‬‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬العلم‮»‬،‭ ‬ولأن‭ ‬التاريخ‭ ‬والفلسفة‭ ‬والاجتماعيات‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬تجريبية‮»‬‭ ‬فهي‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬علوماً‮»‬؛‭ ‬أصرّ‭ ‬الألمان‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الإنسانيات،‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬بارزين‭ ‬فيها،‭ ‬تستحق‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬العلوم‭ ‬الإنسانية‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تتسم‭ ‬بالدقة‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بها‭ ‬العلوم‭ ‬الاختبارية‭ ‬والتجريبية‭ ‬والرياضية‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬انتصرت‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬علوم‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اكتسبت‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬التجريب‭ ‬والاختبار‭ ‬في‭ ‬إحصاءات‭ ‬الاجتماع‭ ‬والتحليل‭ ‬النفسي‭ ‬وعياداته‭. ‬أما‭ ‬الفلسفة‭ ‬فداخلت‭ ‬الرياضيات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬صمد‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬‮«‬علم‭ ‬التاريخ‮»‬‭. ‬ويذهب‭ ‬المؤرخ‭ ‬الكبير‭ ‬آرنولد‭ ‬توينبي‭ -‬وكان‭ ‬أدنى‭ ‬إلى‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الألمان‭- ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الفيلولوجيا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬التاريخ‭ ‬علماً‭ ‬والتاريخانية‭ ‬مذهباً‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭.‬

إنّ‭ ‬إنجازات‭ ‬الألمان‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬أو‭ ‬علوم‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬إنسانيات‭ ‬الحضارة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬طموحات‭ ‬الدولة‭ ‬الألمانية‭ ‬التي‭ ‬خاضت‭ ‬حروباً‭ ‬عدة‭ ‬لتوحيد‭ ‬البلاد،‭ ‬ثم‭ ‬أنشبت‭ ‬الحربين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬وهما‭ ‬الحربان‭ ‬اللتان‭ ‬أدخلتا‭ ‬أمريكا‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬فيها‭.‬

أوزوالد‭ ‬شبينجلر،‭ ‬المفكر‭ ‬الألماني‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬انهيار‭ ‬الغرب‮»‬،‭ ‬عدّ‭ ‬أن‭ ‬‮«‬علومَ‭ ‬الإنسان‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬وحشيته،‭ ‬كانت‭ ‬أحد‭ ‬عوامل‭ ‬انحطاط‭ ‬ألمانيا،‭ ‬بل‭ ‬الغرب‭ ‬كله‭. ‬وقد‭ ‬كثر‭ ‬استعماله‭ ‬مفردةَ‭ ‬‮«‬انكسار‭ ‬الحضارة‮»‬،‭ ‬ووجهة‭ ‬نظره‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يكسر‭ ‬الحضارة‭ ‬بتدميره‭ ‬العمران‭. ‬والإنسان‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تردد‭. ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬أي‭ ‬إنسان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬الدولة‭. ‬الشعب‭ ‬الواحد‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬حضارةً‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬النابغون‭ ‬فيه‭ ‬كثيرين‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تجتمع‭ ‬دول‭ ‬عدة‭ ‬على‭ ‬إشعال‭ ‬الحروب؛‭ ‬وإن‭ ‬تفاوتت‭ ‬المسؤوليات؛‭ ‬فإنّ‭ ‬‮«‬الحضارة‮»‬‭ ‬غير‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬صاروا‭ ‬أُمماً‭ ‬ودولاً‭ ‬تنكسر‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬بأزماتٍ‭ ‬وحروبٍ‭ ‬كثيرة؛‭ ‬لكن‭ ‬ألمانيا،‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬معظمها،‭ ‬ظلت‭ ‬الأغزر‭ ‬والأعمق‭ ‬معرفةً‭ ‬بأهوالها‭. ‬والفرنسيون‭ ‬ظلوا‭ ‬طويلاً‭ ‬معارضين‭ ‬إعادة‭ ‬توحيد‭ ‬ألمانيا،‭ ‬ومعارضين‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬جيشاً،‭ ‬فهم‭ ‬على‭ ‬حدودها،‭ ‬وأكبرهم‭ ‬معاناة‭ ‬من‭ ‬حروبها‭. ‬وهم‭ ‬خائفون‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تسليح‭ ‬ألمانيا‭ ‬جيشَها‭ ‬وزيادة‭ ‬عدده‭ ‬بحجتين‭: ‬الخطر‭ ‬الروسي،‭ ‬وتفكك‭ ‬‮«‬حلف‭ ‬الأطلسي‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬أهملته‭ ‬أمريكا‭ ‬أو‭ ‬خرجت‭ ‬منه‭.‬

ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬الآن،‭ ‬وقد‭ ‬ساد‭ ‬فيهما‭ ‬التوجس‭ ‬ومخاوف‭ ‬انكسار‭ ‬الحضارة،‭ ‬هما‭ ‬الأكبر‭ ‬تهدداً‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬الصاعد‭ ‬فيهما‭. ‬لكنّ‭ ‬الفرنسيين‭ ‬هم‭ ‬الأكثر‭ ‬كتابةً‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬الغرب‭ ‬وانكسار‭ ‬الحضارة‭. ‬وبالطبع،‭ ‬فإنّ‭ ‬الذي‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬البال‭ ‬أن‭ ‬يسارع‭ ‬مسؤولو‭ ‬الدولتين‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬لكفّ‭ ‬شرور‭ ‬اليمين‭ ‬رغم‭ ‬خوف‭ ‬الفرنسيين‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬ألمانيا‭ ‬المتجددة‭.‬

الفيلسوف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ألَسْدير‭ ‬ماكنتاير،‭ ‬المتوفى‭ ‬قبل‭ ‬3‭ ‬أعوام،‭ ‬أعاد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬بعد‭ ‬الفضيلة‭.. ‬بحث‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الأخلاقية‮»‬‭ ‬اكتشاف‭ ‬مقولة‭ ‬أرسطو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العيش‭ ‬معاً‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أكبر‭ ‬عوامل‭ ‬السِلْم‭ ‬بين‭ ‬الأُمم‭. ‬وظل‭ ‬ماكنتاير‭ ‬مقتنعاً‭ ‬بذلك‭. ‬لكنّ‭ ‬النظرية‭ ‬لم‭ ‬تثبت‭ ‬صحتها‭ ‬قديماً؛‭ ‬بدليل‭ ‬حروب‭ ‬اليونان‭ ‬وإيران،‭ ‬ولا‭ ‬حديثاً؛‭ ‬بدليل‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭. ‬يقول‭ ‬يوهان‭ ‬هويزينجا‭ ‬مؤرخ‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭: ‬‮«‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬تبني‭ ‬الحضارة،‭ ‬لكنّ‭ ‬الدول‭ ‬تهدمها‭!‬‮»‬‭.‬

والطريف‭ ‬أخيراً‭ ‬أن‭ ‬اليمين‭ ‬الأوروبي‭ ‬الصاعد‭ ‬ضدّ‭ ‬الحرب،‭ ‬ويتّهم‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬النزوع‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬بإثارتها‭!‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا