في كل حرب لا بد أن تأتي لحظة تصمت فيها المدافع، وتحمل العائلات موتاها إلى المقابر.
أما في غزة، فلم تأتِ تلك اللحظة بشكل كامل بعد.
فبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على الحرب، لا تزال آلاف العائلات الفلسطينية تنتظر؛ لا لتعرف ما إذا كان أحباؤها قد نجوا، بل لتظفر بفرصة انتشال ما تبقى منهم من تحت أنقاض المنازل المنهارة والشوارع المدفونة.
تعرف عائلات كثيرة بدقةٍ شبه تامة أماكن وجود أقاربها: تحت مبنىً بعينه، أو أسفل سُلَّمٍ منهار، أو خلف طبقاتٍ من الخرسانة أثقل من أن تُزاح يدوياً. وفي أنحاء قطاع غزة كافة، لم تعد الأنقاض مجرد شاهدٍ على الدمار، بل أصبحت في كثير من المواقع قبوراً أيضاً.
وبناء عليه، فإن السؤال الإنساني الملحّ لا يقتصر على عدد القتلى، بل يتعداه إلى معرفة عدد من لا يزالون بانتظار انتشالهم والتعرف على هوياتهم ودفنهم.
في الرابع من أغسطس 2026، شُيّعت في غزة جنازة جماعية لـ112 فرداً من عائلتي «الحساينة» و«أبو شريعة» الممتدتين؛ إذ انتُشلت رفاتهم من منازل دُمِّرت في حي الصبرة بمدينة غزة خلال شهر نوفمبر 2023، بعد أن ظلت عائلاتهم تنتظر دفنهم ما يقرب من ثلاث سنوات.
لقد كانت تلك الجنازة بمثابة تحذيرٍ بشأن ما يفعله الزمن بالموتى، وبمن بقوا على قيد الحياة.
فكلما طالت المدة التي تقبع فيها الرفات تحت المباني المنهارة ازدادت صعوبة التعرف على الهوية؛ إذ تتسارع عمليات التحلل، وتنفصل العظام، وتتغير أماكن المقتنيات الشخصية، وتتلف الأدلة الجنائية، فضلاً عن أن القدرات الجنائية في غزة تظل محدودة للغاية.
بالنسبة إلى العائلات، لا تُعد عملية تحديد الهوية مجرد تفصيل تقني؛ بل هي الفارق بين اعتبار الشخص مفقوداً ووجود قبر معلوم له. إنها تتيح لهم إقامة مراسم الدفن، وزيارة مكان الرقاد الأخير، وبدء رحلة الحداد وهم على يقين من الأمر، بدلاً من العيش في دوامة من الشك والظنون.
أما بالنسبة إلى الأقارب، فإن الانتظار بحد ذاته شكلٌ من أشكال المعاناة؛ إذ تعود بعض العائلات مراراً وتكراراً إلى الأنقاض ذاتها، مشيرةً بأصابعها إلى المواقع التي كانت يوماً ما تضم غرفة نوم أو مطبخاً أو سلماً. إنهم لا ينشدون اليقين بشأن النجاة، بل يطلبون ذلك اليقين البسيط المتمثل في وجود قبر؛ فإلى أن يتم انتشال الجثمان تظل عملية الحداد معلقةً في حيزٍ يجمع بين الذكريات والركام.
ثمة عواقب قانونية أيضاً؛ ففي غياب عمليات انتشال الجثث وتحديد الهوية بشكل رسمي قد تواجه العائلات حالة طويلة الأمد من عدم اليقين فيما يتعلق بتسجيل الوفيات، والميراث، والوصاية، وغيرها من المسائل المدنية؛ إذ قد يكون الشخص قد فارق الحياة فعلياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بينما تظل وضعيته القانونية والورقية معلقة من دون حسم.
وعلاوة على ذلك، فإن التحدي المادي هائل؛ فقد قدّر تقييم للأضرار والاحتياجات أجرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن الحرب خلّفت أكثر من 68 مليون طن متري من الركام في قطاع غزة، وهي أنقاض تكون بعض أجزائها ملوثة بمخلفات الحرب غير المنفجرة، ومادة الأسبستوس، وغيرها من المواد الخطرة.
لذا، فإن انتشال جثث الموتى ليس مجرد مسألة إرسال أشخاص إلى الأنقاض ومعهم مجارف؛ فالأمر يتطلب حفارات ورافعات ووقوداً ومعدات حماية وفرقاً للطب الشرعي وقدرات على تحديد الهوية عبر فحص الحمض النووي، فضلاً عن تأمين وصول آمن للفرق الإنسانية وتوفير الحماية لعمال الدفاع المدني وفرق الإنقاذ.
إن الآليات الثقيلة ليست ترفاً، بل هي الفارق بين بقاء الجثة مدفونة تحت كتل الخرسانة وتمكّن العائلة أخيراً من دفن موتاها.
في يوليو 2026، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي مبادرة بقيمة 15 مليون يورو لدعم عمليات إزالة الأنقاض الطارئة وتعزيز قدرة غزة على انتشال رفات الضحايا والتعرف على هوياتهم بما يحفظ كرامتهم. ورغم أهمية هذه المبادرة، فإن الاحتياجات الفعلية تفوق بكثير نطاق أي مشروع منفرد.
ولهذا السبب، يجب أن تتعامل عمليات إزالة الأنقاض مع انتشال رفات الضحايا كأولوية إنسانية جوهرية، وليس كمجرد إجراء ثانوي يتبع عملية إعادة الإعمار؛ إذ ينبغي تحديد مواقع الدفن المحتملة والتعامل معها بعناية فائقة، مع تطبيق إجراءات دقيقة لتوثيق الرفات، والحفاظ على الأدلة، وإبلاغ العائلات؛ فإعادة إعمار غزة لا يمكن أن تعني البناء فوق رفات المفقودين.
إن ما هو مطلوب الآن ليس أمراً معقداً ولا مستحيلاً.
تحتاج الفرق الإنسانية إلى وصول آمن من دون عوائق إلى مواقع انتشال الضحايا؛ إذ يجب السماح بدخول الحفارات والرافعات والوقود وقطع الغيار والمعدات المتخصصة من دون تأخير. كما يتعين تعزيز القدرات في مجال الطب الشرعي، بما في ذلك تحديد الهوية عبر فحص الحمض النووي (DNA) وضمان الحفظ السليم للرفات، فضلاً عن ضرورة توفير الحماية لفرق الدفاع المدني والإنقاذ والطب الشرعي والفرق الإنسانية.
إن هذه المطالب ليست مطالب سياسية مبالغاً فيها، بل هي الحد الأدنى من متطلبات الكرامة الإنسانية.
سيستمر الناس في الاختلاف حول السياسة ومستقبل هذا الصراع، ولكن لا ينبغي أن يكون هناك أي خلاف حول مبدأ واحد: للموتى الحق في أن يُنتشلوا ويُدفنوا بكرامة، وللعائلات الحق في معرفة أماكن رفات أحبائهم.
لا ينبغي للجرافة أن تتحول إلى ورقة مساومة دبلوماسية، ولا ينبغي لتشغيل رافعة أن يتطلب اختراقاً سياسياً، كما لا ينبغي للوصول إلى جثمان طفل أن يتحول إلى معركة أخرى.
لا تُقاس الحضارة بما تبنيه للأحياء فحسب، بل بما تصونه من كرامة للأموات.
افتحوا المعابر والممرات الإنسانية، واسمحوا بدخول الآليات الثقيلة ومعدات الطب الشرعي، ووفروا الحماية لفرق انتشال الجثامين، وامنحوا العائلات فرصةً لدفن أحبائها.
لأنه حتى بعد أن تخطف الحربُ الحياةَ، لا ينبغي السماح لها بأن تسلب المرءَ اسمَه وقبرَه ووداعَه الأخير.
فالكرامة الإنسانية لا تنتهي بالموت.
لذا اتركوا غزةَ تدفنُ موتاها.
{ كاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك