لا شك أن عملية انتخاب، أو اختيار، أمين عام جديد للأمم المتحدة تمثل فرصة تتجدد كل عشرة أعوام، باعتبار أن المعتاد في غالبية الحالات السابقة كان هو التجديد فترة واحدة إضافية لمن يشغل هذا المنصب، وربما كان الاستثناء الوحيد هو الراحل الكبير الدكتور بطرس بطرس غالى، أول أمين عام مصري وعربي وإفريقي للمنظمة الأممية، للنظر والتأمل ليس فقط في أحوال المنظمة الدولية، بل وفى أوضاع النظام الدولي متعدد الأطراف برمته، وبالتالي الانطلاق من هناك للتعرف على القضايا والمعضلات الموجودة على ساحة العلاقات الدولية، التي يكون لها بالتأكيد تأثيرات وانعكاسات وتداعيات في النظام الدولي، ومن ثم على المنظمة الدولية التي جسدت، عند إنشائها في نهايات الحرب العالمية الثانية عام 1945، رغبة وإرادة مشتركة لدى الأطراف المنتصرة في تلك الحرب لبناء نظام دولي متعدد أطراف قائم على حفظ السلم والأمن الدوليين، ثم ما تم إضافته لاحقًا من مهام ومسؤوليات لهذه المنظومة الدولية بشأن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة وغير ذلك من مهام.
ولقد مرت منظومة الأمم المتحدة بتحديات جمة وكثيرة ومتنوعة منذ إنشائها، فما بين إرساء أسس وقواعد نظام دولي متعدد أطراف جديد، ثم المرور بحقبة الحرب الباردة الصعبة التي كادت تقود العالم إلى حرب عالمية ثالثة، خاصة عبر أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا، كما شهدت تلك الحقبة نشأة وتطور صراعات إقليمية ظلت مع العالم حتى الآن مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وفى القلب منه القضية الفلسطينية، والصراع ما بين الصين وتايوان، وكذلك الصراع ما بين الهند وباكستان، ويحب ألا ننسى الحرب الكورية التي أدت إلى حالة توتر دائم حتى الآن بين شطري شبه الجزيرة الكورية. وبالرغم من عجز الأمم المتحدة حتى الآن عن تسوية هذه الصراعات والحيلولة دون نشوب حروب في سياقها، فإنها قامت بجهود كبيرة لمحاولة الحد من درجة التصعيد فيها واحتواء اشتعالها وتأثيرها العالمي بقدر ما سمحت به ظروف المنظمة الدولية التي هي في نهاية الأمر تعكس الإرادة الجمعية للمجتمع الدولي.
وعلى الجانب الآخر، فإن تلك الحقبة من الحرب الباردة شهدت تطورات إيجابية يتعين علينا عدم إغفالها، وكان لمنظومة الأمم المتحدة بصمات بارزة عليها ودور مهم في تحقيقها، وفى المقدمة منها تصفية الاستعمار في الغالبية العظمى من بلدان الجنوب، وحققت تلك البلدان استقلالها السياسي وسعت أغلبها لتحقيق استقلالها الاقتصادي والثقافي والإعلامي وفى غير ذلك من مجالات، وأعلنت الأمم المتحدة عام 1960 «عام إفريقيا» باعتبار أن 17 دولة إفريقية حصلت على استقلالها في هذا العام، كما شرعت المنظمة الدولية في إصدار إعلانات سياسية لم تخل من مضمون وأثر قانوني بشأن القضاء على الاستعمار، كما كرست منظومة الأمم المتحدة العديد من أنشطتها للقضاء على نظم الفصل العنصري آنذاك في جنوب إفريقيا وروديسيا (زيمبابوى الآن)، وإنهاء احتلال جنوب إفريقيا لناميبيا، وفى عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأيضًا في ظل أجواء الحرب الباردة، تبنت منظومة الأمن المتحدة مبادرات تتعلق بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد ونظام إعلامي عالمي جديد في سياق مسعى لاستكمال مقومات الاستقلال لبلدان العالم الثالث ولبناء أسس نظام دولي أكثر عدلًا وإنصافًا وتوازنًا مما يثبت دعائم السلم والأمن الدوليين.
وعلى مدار تلك العقود الأربعة والنصف عقد تعاقب على منصب أمين عام الأمم المتحدة عدد من الشخصيات ذات الوزن الثقيل، وحاول كل منهم بذل أقصى جهده، وكان لكل منهم نجاحات وإخفاقات، ودفع أحدهم، وهو السويدي «داج همرشولد»، حياته ثمنًا لسعيه الجاد والدءوب لتـأمين استقلال الكونغو كينشاسا (الكونغو الديمقراطية الآن)، بعد أن كان قد لعب دورًا بارزًا ومحوريًا ناجحًا في التصدي لأزمة حرب السويس التي تلت إعلان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس ثم شن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثي على مصر.
أما في زمن ما بعد الحرب الباردة، وبالرغم من توقعات بحدوث حالة انفراج في النظام الدولي وتسوية الأزمات الكبرى في العالم بعد انتهاء زمن الثنائية القطبية، وبالرغم من عقد الأمم المتحدة بمبادرة من أمينها العام آنذاك الدكتور بطرس بطرس غالي سلسلة من المؤتمرات الدولية كرس كل منها لموضوع محدد مثل البيئة والمرأة والتنمية الاجتماعية، وبالرغم من توصل المنظمة الدولية إلى اتفاقيات مهمة في مجال نزع السلاح مثل معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية ومعاهدة حظر التجارب النووية، وتقديم الدكتور بطرس غالي لوثيقتي «أجندة السلام» و«أجندة التنمية» كأسس لنظام دولي جديد، فإن عقد التسعينيات شهد أزمات وحروبًا إقليمية تزامنت مع وقوع مذابح وعمليات تطهير عرقي في إقليم البحيرات الكبرى في إفريقيا، وتحديدًا في رواندا وبوروندي، وفى البلقان، خاصة في البوسنة والهرسك، في أعقاب تفكك يوغوسلافيا السابقة.
لم تكن الألفية الثالثة بأحسن حال من عقد التسعينيات، فبالرغم من تبني الدول الأعضاء للأمم المتحدة لأهداف التنمية الإنمائية ليتم تحقيقها ما بين عام 2000 و2015، وبالرغم من جهود الأمم المتحدة في العقد الأخير من الألفية الثانية للتصدي بفعالية لمقولات صدام الحضارات من خلال طرح «حوار الحضارات»، فإن الألفية الجديدة بدأت بهجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أدت إلى تصعيد لطرح صدام الحضارات، وجعلت مسألة «الحرب على الإرهاب» على قمة أولويات العمل الدولي متعدد الأطراف، وتم استخدامها كمبرر للغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001 وللعراق في 2003، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل حدثت الأزمة المالية العالمية في 2008، والتي لم يتعافَ العالم من آثارها الكارثية حتى الآن، ولم تفلح منظومة الأمم المتحدة في التعامل مع تلك التداعيات ولا جوهر الأزمة.
وفي العقد الثالث من القرن الأول من الألفية الثالثة شهد المجتمع الدولي تحديات متعددة وخطيرة مثلت اختبارات حقيقية وشديدة الجدية لمتانة النظام الدولي متعدد الأطراف، بدأت بجائحة «كوفيد ــ 19»، وما مثلته من تهديد جديد للحياة البشرية ومن تـأثير كارثي في الاقتصاد العالمي الذى لم يتعافَ من أزمة 2008 المالية العالمية، ثم نشوب الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتداعياتها على إمدادات الغذاء وأسعاره في العالم، ثم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الفلسطيني والدمار والمرار اللذين خلفتهما إقليميًا وعالميًا، وأخيرًا وليس آخرًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها المأساوية المستمرة على إمدادات الطاقة وحرية الملاحة على الصعيد العالمي، وهى قضايا لم تنجح الأمم المتحدة في التعامل معها لعدم توافر الإرادة الدولية لتسويتها بشكل نهائي وعادل، وحتى وقف الحرب الإسرائيلية على غزة جاء عبر دور أمريكي وإنشاء «مجلس للسلام» برئاسة الرئيس رأه كثيرون يأتي خصما من رصيد ودور مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المنوط به مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين.
وهكذا يأتي اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة في توقيت شديد الحساسية والدلالة والخطورة للمجتمع الدولي وللنظام الدولي متعدد الأطراف، ليس لأن أي أمين عام للأمم المتحدة سيكون لديه القدرة على حل أو تسوية أي صراع عالمي بمفرده، وليس لأننا نبالغ في تعظيم دور الفرد في التاريخ على حساب الاعتبارات والمعايير الموضوعية، ولكن لأن الخبرة التاريخية والتجربة العملية أثبتتا أن شخصية الأمين العام لها دورها وثقلها ووزنها، حتى مع الإقرار بعدم قدرته وحده على صنع المعجزات دون الالتزام والاصطفاف والدعم الفعال من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، خاصة الدول الخمس دائمة العضوية؛ حيث إن هذه الشخصية إذا توافرت فيها روح المبادرة والقدرة على الابتكار والإبداع والتفكير خارج الصندوق، مع الالتزام بالطبع بالشرعية الدولية، وقدر من الشجاعة والجرأة، دون التغاضي عن أهمية التوازن والإيجابية والحكمة، يمكن أن يكون لها دور مهم وتاريخي وفعال في توجيه بوصلة المنظمة الدولية نحو حل، أو على الأقل حلحلة، العديد من القضايا وتجاوز العديد من التحديات التي تواجه اليوم النظام الدولي المتعدد الأطراف.
كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك