العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة وتحديات المستقبل

بقلم: وليد محمود عبد الناصر

الجمعة ١١ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬انتخاب،‭ ‬أو‭ ‬اختيار،‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬جديد‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬تمثل‭ ‬فرصة‭ ‬تتجدد‭ ‬كل‭ ‬عشرة‭ ‬أعوام،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المعتاد‭ ‬في‭ ‬غالبية‭ ‬الحالات‭ ‬السابقة‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬التجديد‭ ‬فترة‭ ‬واحدة‭ ‬إضافية‭ ‬لمن‭ ‬يشغل‭ ‬هذا‭ ‬المنصب،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الاستثناء‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬الراحل‭ ‬الكبير‭ ‬الدكتور‭ ‬بطرس‭ ‬بطرس‭ ‬غالى،‭ ‬أول‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬مصري‭ ‬وعربي‭ ‬وإفريقي‭ ‬للمنظمة‭ ‬الأممية،‭ ‬للنظر‭ ‬والتأمل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬وفى‭ ‬أوضاع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬برمته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬والمعضلات‭ ‬الموجودة‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬تأثيرات‭ ‬وانعكاسات‭ ‬وتداعيات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬جسدت،‭ ‬عند‭ ‬إنشائها‭ ‬في‭ ‬نهايات‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬رغبة‭ ‬وإرادة‭ ‬مشتركة‭ ‬لدى‭ ‬الأطراف‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬لبناء‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬متعدد‭ ‬أطراف‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين،‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إضافته‭ ‬لاحقًا‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الدولية‭ ‬بشأن‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مهام‭.‬

ولقد‭ ‬مرت‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بتحديات‭ ‬جمة‭ ‬وكثيرة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬منذ‭ ‬إنشائها،‭ ‬فما‭ ‬بين‭ ‬إرساء‭ ‬أسس‭ ‬وقواعد‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬متعدد‭ ‬أطراف‭ ‬جديد،‭ ‬ثم‭ ‬المرور‭ ‬بحقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬تقود‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة،‭ ‬خاصة‭ ‬عبر‭ ‬أزمة‭ ‬الصواريخ‭ ‬السوفيتية‭ ‬في‭ ‬كوبا،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬نشأة‭ ‬وتطور‭ ‬صراعات‭ ‬إقليمية‭ ‬ظلت‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مثل‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وفى‭ ‬القلب‭ ‬منه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والصراع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وتايوان،‭ ‬وكذلك‭ ‬الصراع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬ويحب‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬دائم‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بين‭ ‬شطري‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الكورية‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬نشوب‭ ‬حروب‭ ‬في‭ ‬سياقها،‭ ‬فإنها‭ ‬قامت‭ ‬بجهود‭ ‬كبيرة‭ ‬لمحاولة‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬درجة‭ ‬التصعيد‭ ‬فيها‭ ‬واحتواء‭ ‬اشتعالها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬العالمي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬سمحت‭ ‬به‭ ‬ظروف‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬تعكس‭ ‬الإرادة‭ ‬الجمعية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬شهدت‭ ‬تطورات‭ ‬إيجابية‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬عدم‭ ‬إغفالها،‭ ‬وكان‭ ‬لمنظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بصمات‭ ‬بارزة‭ ‬عليها‭ ‬ودور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬تحقيقها،‭ ‬وفى‭ ‬المقدمة‭ ‬منها‭ ‬تصفية‭ ‬الاستعمار‭ ‬في‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬الجنوب،‭ ‬وحققت‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬استقلالها‭ ‬السياسي‭ ‬وسعت‭ ‬أغلبها‭ ‬لتحقيق‭ ‬استقلالها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والثقافي‭ ‬والإعلامي‭ ‬وفى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مجالات،‭ ‬وأعلنت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1960‭ ‬‮«‬عام‭ ‬إفريقيا‮»‬‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬17‭ ‬دولة‭ ‬إفريقية‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬استقلالها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬كما‭ ‬شرعت‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬إعلانات‭ ‬سياسية‭ ‬لم‭ ‬تخل‭ ‬من‭ ‬مضمون‭ ‬وأثر‭ ‬قانوني‭ ‬بشأن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاستعمار،‭ ‬كما‭ ‬كرست‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أنشطتها‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬نظم‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬وروديسيا‭ (‬زيمبابوى‭ ‬الآن‭)‬،‭ ‬وإنهاء‭ ‬احتلال‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬لناميبيا،‭ ‬وفى‭ ‬عقدي‭ ‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وأيضًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬تبنت‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬المتحدة‭ ‬مبادرات‭ ‬تتعلق‭ ‬بإقامة‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬ونظام‭ ‬إعلامي‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مسعى‭ ‬لاستكمال‭ ‬مقومات‭ ‬الاستقلال‭ ‬لبلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ولبناء‭ ‬أسس‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬أكثر‭ ‬عدلًا‭ ‬وإنصافًا‭ ‬وتوازنًا‭ ‬مما‭ ‬يثبت‭ ‬دعائم‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭.‬

وعلى‭ ‬مدار‭ ‬تلك‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬والنصف‭ ‬عقد‭ ‬تعاقب‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬ذات‭ ‬الوزن‭ ‬الثقيل،‭ ‬وحاول‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬بذل‭ ‬أقصى‭ ‬جهده،‭ ‬وكان‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬نجاحات‭ ‬وإخفاقات،‭ ‬ودفع‭ ‬أحدهم،‭ ‬وهو‭ ‬السويدي‭ ‬‮«‬داج‭ ‬همرشولد‮»‬،‭ ‬حياته‭ ‬ثمنًا‭ ‬لسعيه‭ ‬الجاد‭ ‬والدءوب‭ ‬لتـأمين‭ ‬استقلال‭ ‬الكونغو‭ ‬كينشاسا‭ (‬الكونغو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الآن‭)‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬بارزًا‭ ‬ومحوريًا‭ ‬ناجحًا‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لأزمة‭ ‬حرب‭ ‬السويس‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬تأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ثم‭ ‬شن‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬بحدوث‭ ‬حالة‭ ‬انفراج‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬وتسوية‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬زمن‭ ‬الثنائية‭ ‬القطبية،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬أمينها‭ ‬العام‭ ‬آنذاك‭ ‬الدكتور‭ ‬بطرس‭ ‬بطرس‭ ‬غالي‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الدولية‭ ‬كرس‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لموضوع‭ ‬محدد‭ ‬مثل‭ ‬البيئة‭ ‬والمرأة‭ ‬والتنمية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬توصل‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقيات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬مثل‭ ‬معاهدة‭ ‬حظر‭ ‬الأسلحة‭ ‬الكيماوية‭ ‬ومعاهدة‭ ‬حظر‭ ‬التجارب‭ ‬النووية،‭ ‬وتقديم‭ ‬الدكتور‭ ‬بطرس‭ ‬غالي‭ ‬لوثيقتي‭ ‬‮«‬أجندة‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬و«أجندة‭ ‬التنمية‮»‬‭ ‬كأسس‭ ‬لنظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد،‭ ‬فإن‭ ‬عقد‭ ‬التسعينيات‭ ‬شهد‭ ‬أزمات‭ ‬وحروبًا‭ ‬إقليمية‭ ‬تزامنت‭ ‬مع‭ ‬وقوع‭ ‬مذابح‭ ‬وعمليات‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬البحيرات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬في‭ ‬رواندا‭ ‬وبوروندي،‭ ‬وفى‭ ‬البلقان،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬البوسنة‭ ‬والهرسك،‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬تفكك‭ ‬يوغوسلافيا‭ ‬السابقة‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬بأحسن‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬التسعينيات،‭ ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬تبني‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لأهداف‭ ‬التنمية‭ ‬الإنمائية‭ ‬ليتم‭ ‬تحقيقها‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬و2015،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬للتصدي‭ ‬بفعالية‭ ‬لمقولات‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طرح‭ ‬‮«‬حوار‭ ‬الحضارات‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة‭ ‬بدأت‭ ‬بهجمات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والتي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬لطرح‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات،‭ ‬وجعلت‭ ‬مسألة‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬أولويات‭ ‬العمل‭ ‬الدولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وتم‭ ‬استخدامها‭ ‬كمبرر‭ ‬للغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬لأفغانستان‭ ‬في‭ ‬2001‭ ‬وللعراق‭ ‬في‭ ‬2003،‭ ‬ولم‭ ‬تقف‭ ‬الأمور‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬حدثت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬2008،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬يتعافَ‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬الكارثية‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ولم‭ ‬تفلح‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬التداعيات‭ ‬ولا‭ ‬جوهر‭ ‬الأزمة‭.‬

وفي‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬شهد‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬تحديات‭ ‬متعددة‭ ‬وخطيرة‭ ‬مثلت‭ ‬اختبارات‭ ‬حقيقية‭ ‬وشديدة‭ ‬الجدية‭ ‬لمتانة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬بدأت‭ ‬بجائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬ــ‭ ‬19‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬مثلته‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬جديد‭ ‬للحياة‭ ‬البشرية‭ ‬ومن‭ ‬تـأثير‭ ‬كارثي‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الذى‭ ‬لم‭ ‬يتعافَ‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬2008‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬ثم‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬إمدادات‭ ‬الغذاء‭ ‬وأسعاره‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ثم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والدمار‭ ‬والمرار‭ ‬اللذين‭ ‬خلفتهما‭ ‬إقليميًا‭ ‬وعالميًا،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬وليس‭ ‬آخرًا‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وتداعياتها‭ ‬المأساوية‭ ‬المستمرة‭ ‬على‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهى‭ ‬قضايا‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬لعدم‭ ‬توافر‭ ‬الإرادة‭ ‬الدولية‭ ‬لتسويتها‭ ‬بشكل‭ ‬نهائي‭ ‬وعادل،‭ ‬وحتى‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬جاء‭ ‬عبر‭ ‬دور‭ ‬أمريكي‭ ‬وإنشاء‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬للسلام‮»‬‭ ‬برئاسة‭ ‬الرئيس‭ ‬رأه‭ ‬كثيرون‭ ‬يأتي‭ ‬خصما‭ ‬من‭ ‬رصيد‭ ‬ودور‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المنوط‭ ‬به‭ ‬مهمة‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭.‬

وهكذا‭ ‬يأتي‭ ‬اختيار‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬جديد‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬والدلالة‭ ‬والخطورة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬وللنظام‭ ‬الدولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سيكون‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬أو‭ ‬تسوية‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬عالمي‭ ‬بمفرده،‭ ‬وليس‭ ‬لأننا‭ ‬نبالغ‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬دور‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الاعتبارات‭ ‬والمعايير‭ ‬الموضوعية،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬الخبرة‭ ‬التاريخية‭ ‬والتجربة‭ ‬العملية‭ ‬أثبتتا‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لها‭ ‬دورها‭ ‬وثقلها‭ ‬ووزنها،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬الإقرار‭ ‬بعدم‭ ‬قدرته‭ ‬وحده‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬المعجزات‭ ‬دون‭ ‬الالتزام‭ ‬والاصطفاف‭ ‬والدعم‭ ‬الفعال‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية،‭ ‬خاصة‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬إذا‭ ‬توافرت‭ ‬فيها‭ ‬روح‭ ‬المبادرة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والإبداع‭ ‬والتفكير‭ ‬خارج‭ ‬الصندوق،‭ ‬مع‭ ‬الالتزام‭ ‬بالطبع‭ ‬بالشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬وقدر‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬والجرأة،‭ ‬دون‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬التوازن‭ ‬والإيجابية‭ ‬والحكمة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬وتاريخي‭ ‬وفعال‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬بوصلة‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬نحو‭ ‬حل،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حلحلة،‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬وتجاوز‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬اليوم‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬المتعدد‭ ‬الأطراف‭.‬

 

‭ ‬كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا