العدد : ١٧٧٠٣ - الجمعة ١١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٣ - الجمعة ١١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ما وراء التغيرات في النظام السياسي الأمريكي

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ١١ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

يخطئ‭ ‬من‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬سيعني‭ ‬تبدل‭ ‬الحال‭ ‬الذي‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬أمريكا‭ ‬اليوم‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬للرجل‭ ‬أن‭ ‬يفوز‭ ‬مرتين‭ ‬أصلا‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬تراكما‭ ‬امتد‭ ‬عقودا‭ ‬قد‭ ‬مهد‭ ‬له‭ ‬الأرضية‭. ‬وليس‭ ‬صحيحا‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬ترامب‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬حدوث‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬الأمريكية‭. ‬إذ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإجهاز‭ ‬عليها‭!‬

فالتحولات‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬المنحدر‭ ‬بدأت‭ ‬أغلبها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬كلينتون‭. ‬فهو‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬‮«‬ديمقراطي‮»‬‭ ‬يتبنى‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬التي‭ ‬أقحمها‭ ‬الجمهوري‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬على‭ ‬السياسة،‭ ‬وبذلك‭ ‬أضفى‭ ‬كلينتون‭ ‬عليها‭ ‬شرعية‭ ‬عابرة‭ ‬للأحزاب‭. ‬والنيوليبرالية‭ ‬تقلص‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬للحد‭ ‬الأدنى،‭ ‬فتتخلى‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬البرامج‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للطبقات‭ ‬الأدنى،‭ ‬وتزيل‭ ‬الضوابط‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬الاحتكار‭ ‬وتحدث‭ ‬التوازن‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وهي‭ ‬مسؤولة‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬اتساع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الأغنياء‭ ‬والفقراء،‭ ‬وتخفيض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬وإزالة‭ ‬الضوابط‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬عملها‭ ‬فصار‭ ‬الاحتكار‭ ‬طبيعيا‭!‬

وللنيوليبرالية‭ ‬تأثيرها‭ ‬السياسي‭ ‬الفادح‭. ‬فهي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬معادية‭ ‬للديمقراطية‭. ‬فمع‭ ‬الوقت،‭ ‬يتوحش‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يهمه‭ ‬أصلا‭ ‬سوى‭ ‬الربح‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة،‭ ‬لذلك‭ ‬يحمى‭ ‬مصالحه‭ ‬عبر‭ ‬التمويل‭ ‬المذهل‭ ‬للحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬لشراء‭ ‬السياسيين‭ ‬وضمان‭ ‬ولائهم‭. ‬وفى‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬اعتبرت‭ ‬فيه‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬إنفاق‭ ‬المال‭ ‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬بات‭ ‬يستحيل‭ ‬عمليا‭ ‬تقييد‭ ‬الدور‭ ‬السياسي‭ ‬للمال‭.‬

لكن‭ ‬تبني‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬تزامن‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الجمهوريين‭ ‬إلى‭ ‬مقاعد‭ ‬الأغلبية‭ ‬في‭ ‬الكونجرس‭ ‬لم‭ ‬يختلف‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬مع‭ ‬سابقيه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬اختلف‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭. ‬فهو‭ ‬تبنى‭ ‬الصدام‭ ‬ورفض‭ ‬الحلول‭ ‬التوفيقية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحزبين‭. ‬وعليه‭ ‬صار‭ ‬الاستقطاب‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭. ‬والولاء‭ ‬للحزب‭ ‬صارت‭ ‬له‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬الكونجرس‭.‬

‭ ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الرئيس،‭ ‬صار‭ ‬الكونجرس‭ ‬يدين‭ ‬له‭ ‬بالولاء‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬حزبه‭! ‬وهكذا‭ ‬انهار‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الرقابة‭ ‬والتوازن‮»‬‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬فاستغلت‭ ‬إدارته‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬لفرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الحريات‭ ‬المدنية‭ ‬ووسعت‭ ‬صلاحيات‭ ‬المؤسسة‭ ‬التنفيذية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكونجرس‭ ‬والقضاء‭. ‬وباحتلالها‭ ‬المباشر‭ ‬العراق،‭ ‬وفق‭ ‬مبررات‭ ‬كاذبة،‭ ‬قوضت‭ ‬بعض‭ ‬أسس‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬أرسيت‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬فيتنام‭.‬

إن‭ ‬تعميق‭ ‬جذور‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬ثم‭ ‬سياسات‭ ‬بوش‭ ‬الخارجية‭ ‬خلقا‭ ‬معا‭ ‬طبقة‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬الحزبين‭ ‬لها‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬التوجهات‭ ‬نفسها‭. ‬وتولى‭ ‬أوباما‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬المشهد‭ ‬كثيرا‭. ‬ففضلا‭ ‬عن‭ ‬رفضه‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬خرق‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين‭ ‬فى‭ ‬عهد‭ ‬بوش‭ ‬مما‭ ‬قوض‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بإعادة‭ ‬الحريات‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬ولا‭ ‬تخلى‭ ‬طبعا‭ ‬عن‭ ‬توسع‭ ‬صلاحيات‭ ‬المؤسسة‭ ‬التنفيذية‭. ‬

وكانت‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية‭ ‬امتدادا‭ ‬لسياسة‭ ‬بوش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬عزوفا‭ ‬عن‭ ‬جوهرها‭. ‬هذا‭ ‬بينما‭ ‬وصل‭ ‬الاستقطاب‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬إذ‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حدته‭ ‬نعرات‭ ‬عنصرية‭ ‬كونه‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬أسود‭ ‬للبلاد‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬مهد‭ ‬الطريق‭ ‬لفوز‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬حملاته‭ ‬للرئاسة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تحمل‭ ‬ملامح‭ ‬عنصرية‭ ‬لا‭ ‬تخطئها‭ ‬العين‭. ‬فالعنصرية‭ ‬هي‭ ‬المصدر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للموقف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬تحتاجهم‭ ‬البلاد‭ ‬بالمناسبة‭. ‬بل‭ ‬وهي‭ ‬الجوهر‭ ‬وراء‭ ‬مواقف‭ ‬ترامب‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ليس‭ ‬أبيض‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬والدول‭! ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬أمريكا‭ ‬اليوم‭ ‬نتاج‭ ‬تراكمات‭ ‬امتدت‭ ‬عقودا‭.‬

وهكذا‭ ‬بتنا‭ ‬اليوم‭ ‬إزاء‭ ‬رئيس‭ ‬يدين‭ ‬علنا‭ ‬بالولاء‭ ‬لمن‭ ‬مولوا‭ ‬حملته‭ ‬الانتخابية‭ ‬ويختار‭ ‬كبار‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬للمناصب‭ ‬سياسية‭. ‬وصرنا‭ ‬إزاء‭ ‬كونجرس‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بأي‭ ‬دور‭ ‬رقابي‭ ‬طالما‭ ‬الأغلبية‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الرئيس‭. ‬وصرنا‭ ‬إزاء‭ ‬رئيس‭ ‬يغير‭ ‬أقواله‭ ‬ومواقفه‭ ‬كثيرا‭ ‬فيقوم‭ ‬الإعلام‭ ‬والخبراء‭ ‬‮«‬بتحليل‮»‬‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬يقولها‭ ‬وكأنها‭ ‬الحقيقة‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا