يخطئ من يتصور أن انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيعني تبدل الحال الذي وصلت إليه أمريكا اليوم. فما كان للرجل أن يفوز مرتين أصلا لولا أن تراكما امتد عقودا قد مهد له الأرضية. وليس صحيحا أن سياسات ترامب أدت الى حدوث أزمة في «الديمقراطية» الأمريكية. إذ كل ما فعله قد يؤدي إلى الإجهاز عليها!
فالتحولات التي وضعت أمريكا على المنحدر بدأت أغلبها في عهد كلينتون. فهو أول رئيس «ديمقراطي» يتبنى النيوليبرالية التي أقحمها الجمهوري رونالد ريجان على السياسة، وبذلك أضفى كلينتون عليها شرعية عابرة للأحزاب. والنيوليبرالية تقلص دور الدولة في الاقتصاد للحد الأدنى، فتتخلى عن دعم البرامج الاجتماعية للطبقات الأدنى، وتزيل الضوابط الحكومية التي تمنع الاحتكار وتحدث التوازن الاجتماعي. وهي مسؤولة اليوم عن اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتخفيض الضرائب على الشركات العملاقة وإزالة الضوابط التي تحكم عملها فصار الاحتكار طبيعيا!
وللنيوليبرالية تأثيرها السياسي الفادح. فهي في جوهرها معادية للديمقراطية. فمع الوقت، يتوحش رأس المال، والذي لا يهمه أصلا سوى الربح على حساب الأغلبية الساحقة، لذلك يحمى مصالحه عبر التمويل المذهل للحملات الانتخابية لشراء السياسيين وضمان ولائهم. وفى نظام سياسي اعتبرت فيه المحكمة العليا إنفاق المال أحد أشكال التعبير عن الرأي، بات يستحيل عمليا تقييد الدور السياسي للمال.
لكن تبني النيوليبرالية تزامن مع وصول جيل جديد من الجمهوريين إلى مقاعد الأغلبية في الكونجرس لم يختلف أيديولوجيا مع سابقيه بقدر ما اختلف معهم في أسلوب إدارة السياسة. فهو تبنى الصدام ورفض الحلول التوفيقية التي طالما قامت عليها العلاقة بين الحزبين. وعليه صار الاستقطاب من ثوابت الحياة السياسية. والولاء للحزب صارت له الأولوية في عمل الكونجرس.
فبدلا من أن يمارس الرقابة على الرئيس، صار الكونجرس يدين له بالولاء حين يكون من نفس حزبه! وهكذا انهار مبدأ «الرقابة والتوازن» بين مؤسسات الحكم. ثم جاء بوش الابن، فاستغلت إدارته أحداث 11 سبتمبر لفرض قيود على الحريات المدنية ووسعت صلاحيات المؤسسة التنفيذية على حساب الكونجرس والقضاء. وباحتلالها المباشر العراق، وفق مبررات كاذبة، قوضت بعض أسس السياسة الخارجية التي أرسيت بعد هزيمة فيتنام.
إن تعميق جذور النيوليبرالية ثم سياسات بوش الخارجية خلقا معا طبقة سياسية من الحزبين لها مصلحة في إعادة إنتاج التوجهات نفسها. وتولى أوباما لم يغير المشهد كثيرا. ففضلا عن رفضه التحقيق في خرق الدستور والقوانين فى عهد بوش مما قوض مبدأ المساءلة، فهو لم يقم بإعادة الحريات لما كانت عليه ولا تخلى طبعا عن توسع صلاحيات المؤسسة التنفيذية.
وكانت سياسته الخارجية امتدادا لسياسة بوش أكثر من كونها عزوفا عن جوهرها. هذا بينما وصل الاستقطاب السياسي في عهده إلى مستويات غير مسبوقة، إذ زاد من حدته نعرات عنصرية كونه أول رئيس أسود للبلاد. وكل ذلك مهد الطريق لفوز ترامب الذي كانت حملاته للرئاسة في جوهرها تحمل ملامح عنصرية لا تخطئها العين. فالعنصرية هي المصدر الحقيقي للموقف من المهاجرين الذين تحتاجهم البلاد بالمناسبة. بل وهي الجوهر وراء مواقف ترامب تجاه كل من ليس أبيض من الأفراد والدول! بعبارة أخرى، فإن كل ما تمر به أمريكا اليوم نتاج تراكمات امتدت عقودا.
وهكذا بتنا اليوم إزاء رئيس يدين علنا بالولاء لمن مولوا حملته الانتخابية ويختار كبار رجال الأعمال للمناصب سياسية. وصرنا إزاء كونجرس لا يقوم بأي دور رقابي طالما الأغلبية فيه من حزب الرئيس. وصرنا إزاء رئيس يغير أقواله ومواقفه كثيرا فيقوم الإعلام والخبراء «بتحليل» كل كلمة يقولها وكأنها الحقيقة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك