العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف نتغير ونتعلم في مشوار الحياة؟

بقلم: سعدية مفرح {

الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

أحياناً‭ ‬نلتفت‭ ‬إلى‭ ‬حياتنا‭ ‬فنكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تغيّر‭ ‬فيها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬وإنّما‭ ‬نظرتنا‭ ‬إليها‭. ‬الكرسي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬شخصا‭ ‬بعينه‭ ‬صار‭ ‬قطعة‭ ‬أثاث،‭ ‬والشارع‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نعرف‭ ‬تفاصيله‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬الخطوات‭ ‬صار‭ ‬طريقاً‭ ‬نعبره،‭ ‬والاسم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬ليحرّك‭ ‬القلب‭ ‬صار‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬طويلة‭ ‬كي‭ ‬نستعيد‭ ‬حكايته‭.‬

الزمان‭ ‬لا‭ ‬يبدّل‭ ‬الأشياء‭ ‬وحدها،‭ ‬يبدّلنا‭ ‬نحن‭ ‬أيضاً‭. ‬أشخاص‭ ‬كانوا‭ ‬بالأمس‭ ‬أقرب‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬نبضنا،‭ ‬صاروا‭ ‬اليوم‭ ‬مجرّد‭ ‬أسماء‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭. ‬وأماكن‭ ‬كانت‭ ‬تسكننا،‭ ‬صارت‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عنوان‭ ‬كي‭ ‬نتذكّرها‭. ‬وأشياء‭ ‬صغيرة‭ ‬كنّا‭ ‬نظنّ‭ ‬أنّها‭ ‬ستبقى‭ ‬معنا‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الطريق‭ ‬فقدت‭ ‬مكانها‭ ‬بهدوء،‭ ‬حتّى‭ ‬إنّنا‭ ‬قد‭ ‬نعجز‭ ‬أحياناً‭ ‬عن‭ ‬تذكّر‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭. ‬وهذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬غرائب‭ ‬الزمن‭: ‬إنّه‭ ‬لا‭ ‬يستأذن‭ ‬حين‭ ‬يعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأشياء‭.‬

يمرّ‭ ‬عام‭ ‬واحد،‭ ‬فنجد‭ ‬أنّ‭ ‬علاقتنا‭ ‬بشخص‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءاً،‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬برودة،‭ ‬أو‭ ‬انتهت‭ ‬تماماً‭. ‬وقد‭ ‬نلتقيه‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬فنكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬قطعتها‭ ‬الأيّام‭ ‬بيننا‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬مقعدَين‭ ‬في‭ ‬مقهى‭. ‬نتبادل‭ ‬السلام،‭ ‬ونسأل‭ ‬السؤال‭ ‬المعتاد‭ ‬عن‭ ‬الأحوال،‭ ‬ثمّ‭ ‬يمضي‭ ‬كلّ‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬طريقه،‭ ‬وكأنّنا‭ ‬نؤدّي‭ ‬مشهداً‭ ‬قصيراً‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬قديمة‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬حقّ‭ ‬استعادتها‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أنّ‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتغيّر‭ ‬يضيع‭. ‬بعض‭ ‬العلاقات‭ ‬تنتهي‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬وتبقى‭ ‬قيمتها‭. ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬يعبرون‭ ‬حياتنا‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬ثمّ‭ ‬يتركون‭ ‬فيها‭ ‬شيئاً‭ ‬لا‭ ‬يغادر‭. ‬ربّما‭ ‬كلمة‭ ‬قالوها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مناسب،‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬كشف‭ ‬لنا‭ ‬أنفسنا،‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬جديدة‭ ‬للنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭. ‬وحين‭ ‬نتذكّرهم‭ ‬بعد‭ ‬زمن،‭ ‬لا‭ ‬نتذكّر‭ ‬تفاصيل‭ ‬كثيرة،‭ ‬وإنّما‭ ‬نتذكّر‭ ‬الأثر‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الزمن‭ ‬بنا‭ ‬أيضاً‭. ‬إنّه‭ ‬ينقل‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬داخلنا،‭ ‬فالذين‭ ‬كانوا‭ ‬يشغلون‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬قد‭ ‬يصبحون‭ ‬ذكرى‭ ‬صغيرة،‭ ‬والذين‭ ‬ظنّنا‭ ‬أنّنا‭ ‬سنظلّ‭ ‬نحتاج‭ ‬إليهم‭ ‬قد‭ ‬نكتشف‭ ‬أنّنا‭ ‬تعلّمنا‭ ‬كيف‭ ‬نكمل‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬دونهم‭. ‬وبعض‭ ‬الذين‭ ‬مررنا‭ ‬بهم‭ ‬عابرين،‭ ‬ولم‭ ‬نمنحهم‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬انتباهنا،‭ ‬قد‭ ‬يصبحون‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬أكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬من‭ ‬أشخاص‭ ‬أقاموا‭ ‬معنا‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬ربّما‭ ‬لأنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬وفقاً‭ ‬للمدّة،‭ ‬وإنّما‭ ‬وفقاً‭ ‬للأثر‭.‬

وكم‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬دخلناه‭ ‬صغاراً،‭ ‬ثمّ‭ ‬عدنا‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬أعوام‭ ‬فلم‭ ‬نعرفه‭. ‬الأشجار‭ ‬هي‭ ‬الأشجار،‭ ‬والبيوت‭ ‬في‭ ‬أماكنها،‭ ‬والطريق‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬نفسه،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬نشعر‭ ‬بأنّ‭ ‬شيئاً‭ ‬غريباً‭ ‬حدث‭. ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬أنّ‭ ‬المكان‭ ‬لم‭ ‬يتغيّر‭ ‬كثيراً،‭ ‬وإنّما‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬جئناه‭ ‬بأعين‭ ‬أخرى‭.‬

كبرنا‭. ‬وهذه‭ ‬الكلمة‭ ‬وحدها‭ ‬تفسّر‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭. ‬كبرنا‭ ‬فتغيّر‭ ‬معنى‭ ‬البيت،‭ ‬ومعنى‭ ‬الصداقة،‭ ‬ومعنى‭ ‬الغياب،‭ ‬وحتّى‭ ‬معنى‭ ‬العودة‭. ‬صار‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعني‭ ‬لنا‭ ‬العالم‭ ‬غرفة‭ ‬قديمة،‭ ‬ثمّ‭ ‬أصبح‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬بعض‭ ‬أهله‭ ‬ذاكرة‭ ‬كاملة‭. ‬وصار‭ ‬الصديق‭ ‬الذي‭ ‬كنّا‭ ‬نراه‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬حكاية‭ ‬نعود‭ ‬إليها‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬وصار‭ ‬الغياب‭ ‬شيئاً‭ ‬نفهمه‭ ‬أكثر‭ ‬كلّما‭ ‬فقدنا‭ ‬أشخاصاً‭ ‬وأمكنة‭ ‬وفرصاً‭ ‬لم‭ ‬نعرف‭ ‬قيمتها‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬قريبة‭. ‬لهذا،‭ ‬حين‭ ‬نقول‭ ‬إنّ‭ ‬الزمان‭ ‬غيّرنا،‭ ‬فنحن‭ ‬نعني‭ ‬أيضاً‭ ‬أنّ‭ ‬تجاربنا‭ ‬أعادت‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتنا‭.‬

قد‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أكثر‭ ‬تسامحاً‭ ‬مع‭ ‬أخطاء‭ ‬قديمة،‭ ‬وأكثر‭ ‬صرامة‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬يؤذينا،‭ ‬وقد‭ ‬نتوقّف‭ ‬عن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تفسير‭ ‬لكلّ‭ ‬شيء‭. ‬نتعلّم‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬معنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إجابة،‭ ‬وأنّ‭ ‬بعض‭ ‬الحكايات‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خاتمة‭ ‬واضحة،‭ ‬وأنّ‭ ‬قبول‭ ‬ذلك‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النضج‭.‬

ولعلّ‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتعلّمه‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬الزمان‭ ‬هو‭ ‬ألّا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭ ‬بوصفه‭ ‬امتحاناً‭ ‬فشلنا‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬حياة‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬فالماضي‭ ‬كان‭ ‬مناسباً‭ ‬لنسخته‭ ‬منّا،‭ ‬ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬أبناء‭ ‬نسخة‭ ‬أخرى‭ ‬تشكّلت‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬مررنا‭ ‬به‭.‬

 

{‭ ‬شاعرة‭ ‬وكاتبة‭ ‬كويتية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا