أحياناً نلتفت إلى حياتنا فنكتشف أنّ أكثر ما تغيّر فيها لم يكن الأشياء من حولنا، وإنّما نظرتنا إليها. الكرسي الذي كان ينتظر شخصا بعينه صار قطعة أثاث، والشارع الذي كنا نعرف تفاصيله من وقع الخطوات صار طريقاً نعبره، والاسم الذي كان يكفي وحده ليحرّك القلب صار يحتاج إلى لحظة طويلة كي نستعيد حكايته.
الزمان لا يبدّل الأشياء وحدها، يبدّلنا نحن أيضاً. أشخاص كانوا بالأمس أقرب إلينا من نبضنا، صاروا اليوم مجرّد أسماء في الذاكرة. وأماكن كانت تسكننا، صارت تحتاج إلى عنوان كي نتذكّرها. وأشياء صغيرة كنّا نظنّ أنّها ستبقى معنا إلى آخر الطريق فقدت مكانها بهدوء، حتّى إنّنا قد نعجز أحياناً عن تذكّر اللحظة التي خرجت فيها من حياتنا. وهذه واحدة من غرائب الزمن: إنّه لا يستأذن حين يعيد ترتيب الأشياء.
يمرّ عام واحد، فنجد أنّ علاقتنا بشخص ما أصبحت أكثر هدوءاً، أو أكثر برودة، أو انتهت تماماً. وقد نلتقيه بعد سنوات فنكتشف أنّ المسافة التي قطعتها الأيّام بيننا أكبر بكثير من المسافة التي تفصل بين مقعدَين في مقهى. نتبادل السلام، ونسأل السؤال المعتاد عن الأحوال، ثمّ يمضي كلّ واحد في طريقه، وكأنّنا نؤدّي مشهداً قصيراً من حياة قديمة لا نملك حقّ استعادتها.
مع ذلك، لا يعني هذا أنّ كلّ ما يتغيّر يضيع. بعض العلاقات تنتهي وظيفتها في حياتنا وتبقى قيمتها. بعض الأشخاص يعبرون حياتنا سنوات قليلة، ثمّ يتركون فيها شيئاً لا يغادر. ربّما كلمة قالوها في وقت مناسب، أو موقف كشف لنا أنفسنا، أو طريقة جديدة للنظر إلى الحياة. وحين نتذكّرهم بعد زمن، لا نتذكّر تفاصيل كثيرة، وإنّما نتذكّر الأثر.
وهذا ما يفعله الزمن بنا أيضاً. إنّه ينقل الأشياء من مكان إلى آخر داخلنا، فالذين كانوا يشغلون مساحة واسعة في القلب قد يصبحون ذكرى صغيرة، والذين ظنّنا أنّنا سنظلّ نحتاج إليهم قد نكتشف أنّنا تعلّمنا كيف نكمل الطريق من دونهم. وبعض الذين مررنا بهم عابرين، ولم نمنحهم كثيراً من انتباهنا، قد يصبحون في الذاكرة أكثر حضوراً من أشخاص أقاموا معنا سنوات طويلة، ربّما لأنّ الذاكرة لا تعمل وفقاً للمدّة، وإنّما وفقاً للأثر.
وكم من مكان دخلناه صغاراً، ثمّ عدنا إليه بعد أعوام فلم نعرفه. الأشجار هي الأشجار، والبيوت في أماكنها، والطريق يؤدّي إلى المكان نفسه، ومع ذلك نشعر بأنّ شيئاً غريباً حدث. نكتشف بعد قليل أنّ المكان لم يتغيّر كثيراً، وإنّما نحن الذين جئناه بأعين أخرى.
كبرنا. وهذه الكلمة وحدها تفسّر أشياء كثيرة. كبرنا فتغيّر معنى البيت، ومعنى الصداقة، ومعنى الغياب، وحتّى معنى العودة. صار البيت الذي كان يعني لنا العالم غرفة قديمة، ثمّ أصبح بعد رحيل بعض أهله ذاكرة كاملة. وصار الصديق الذي كنّا نراه كل يوم حكاية نعود إليها بين حين وآخر، وصار الغياب شيئاً نفهمه أكثر كلّما فقدنا أشخاصاً وأمكنة وفرصاً لم نعرف قيمتها حين كانت قريبة. لهذا، حين نقول إنّ الزمان غيّرنا، فنحن نعني أيضاً أنّ تجاربنا أعادت ترتيب أولوياتنا.
قد نجد أنفسنا أكثر تسامحاً مع أخطاء قديمة، وأكثر صرامة تجاه ما يؤذينا، وقد نتوقّف عن البحث عن تفسير لكلّ شيء. نتعلّم أنّ بعض الأسئلة يمكن أن تعيش معنا من دون إجابة، وأنّ بعض الحكايات تنتهي من دون خاتمة واضحة، وأنّ قبول ذلك جزء من النضج.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نتعلّمه من تحوّلات الزمان هو ألّا نتعامل مع الماضي بوصفه امتحاناً فشلنا فيه، أو حياة كان ينبغي أن تبقى كما كانت، فالماضي كان مناسباً لنسخته منّا، ونحن اليوم أبناء نسخة أخرى تشكّلت من كلّ ما مررنا به.
{ شاعرة وكاتبة كويتية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك