العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إسرائيل تمنع أطفال غزة من إطلاق الطائرات الورقية

بقلم: جمال كنج {

الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

مازلت‭ ‬أحمل‭ ‬ذكريات‭ ‬الطفولة‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬نهر‭ ‬البارد‭ ‬للاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬لبنان؛‭ ‬حيث‭ ‬كنا‭ ‬نبدع‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬ألعاب‭ ‬موسمية‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المال؛‭ ‬ففي‭ ‬موسم‭ ‬نلعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬وفي‭ ‬آخر‭ ‬نلعب‭ ‬الغميضة،‭ ‬أو‭ ‬نمارس‭ ‬السباحة‭ ‬وصيد‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭.‬

وكانت‭ ‬لعبتي‭ ‬المفضلة‭ ‬هي‭ ‬صنع‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقية‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬إذ‭ ‬كنا‭ ‬نصنعها‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬أو‭ ‬الورق‭ ‬الذي‭ ‬نجمعُه‭ ‬من‭ ‬مكبّ‭ ‬النفايات،‭ ‬أما‭ ‬الهيكل‭ ‬فكان‭ ‬يُصنع‭ ‬من‭ ‬عيدان‭ ‬الخيزران‭ ‬الجافة‭ ‬التي‭ ‬نربطها‭ ‬أو‭ ‬نلصقها‭ ‬ببعضها‭ ‬باستخدام‭ ‬أسلاك‭ ‬كهربائية‭ ‬أو‭ ‬معدنية‭ ‬مُستعملة‭.‬

كانت‭ ‬التكلفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬الوحيدة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الخيط‭. ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬يحالفنا‭ ‬الحظ‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬خيط‭ ‬صيد‭ ‬أو‭ ‬بكرة‭ ‬خيط‭ ‬خياطة‭ ‬في‭ ‬أكوام‭ ‬القمامة،‭ ‬كان‭ ‬علينا‭ ‬شراؤه‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬لأتخيل‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬لعبتي‭ ‬المفضلة‭ ‬والأرخص‭ ‬ثمناً‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬قد‭ ‬تُصنَّف‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬نشاط‭ ‬مسلح‮»‬‭.‬

في‭ ‬23‭ ‬أغسطس‭ ‬2026م،‭ ‬أصدر‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬ووزير‭ ‬الحرب‭ ‬إسرائيل‭ ‬كاتس‭ ‬أمراً‭ ‬لأطفال‭ ‬غزة‭ ‬بالتوقف‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬طائراتهم‭ ‬الورقية،‭ ‬وإلا‭ ‬فسيواجهون‭ ‬الموت‭. ‬إنها‭ ‬ألعاب‭ ‬يصنعها‭ ‬الفتيان‭ ‬والفتيات‭ ‬في‭ ‬شريط‭ ‬ضيق‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬لم‭ ‬يتبقَّ‭ ‬فيه‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ ‬جداً‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬القيام‭ ‬به‭.‬

يُعد‭ ‬العذاب‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬يُفرض‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬وجهاً‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬الإرهاب‭ ‬الإسرائيلي؛‭ ‬فقد‭ ‬حثت‭ ‬لجان‭ ‬الأحياء‭ ‬المحلية‭ ‬الأهالي‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬أطفالهم‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقية‭ ‬أو‭ ‬إطلاقها‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬غزة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ذكرت‭ ‬إحدى‭ ‬الأمهات‭ ‬أن‭ ‬أطفالها‭ ‬اعتادوا‭ ‬إطلاق‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقية‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬للترويح‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لكنها‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬بذلك‭ ‬بعد‭ ‬الآن‭.‬

إن‭ ‬فرحة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬تُعد‭ ‬أمراً‭ ‬خطيراً‭ ‬لأنها‭ ‬تصرف‭ ‬الانتباه‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الخضوع؛‭ ‬فالسعادة‭ ‬العادية‭ - ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يُفترض‭ ‬ألا‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬سعادة‭ ‬–‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬وجودي‭ ‬لإسرائيل‭. ‬

إن‭ ‬حالة‭ ‬الذعر‭ ‬المثارة‭ ‬حول‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقية‭ ‬ليست‭ ‬الاختلاق‭ ‬الصهيوني‭ ‬الوحيد؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أحدث‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬المصطنعة‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتقييد‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬ولننظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭.‬

فقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬للرأي‭ ‬–‭ ‬شمل‭ ‬قرابة‭ ‬ألف‭ ‬باحث‭ ‬أمريكي‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأجراه‭ ‬باحثون‭ ‬من‭ ‬جامعتي‭ ‬ميريلاند‭ ‬وجورج‭ ‬واشنطن‭- ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الباحثين‭ ‬يمارسون‭ ‬رقابة‭ ‬ذاتية‭ ‬عند‭ ‬مناقشة‭ ‬الصراع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وأن‭ ‬معظمهم‭ ‬أرجعوا‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الخوف‭.‬

إنه‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬العواقب‭ ‬المهنية،‭ ‬ومن‭ ‬التعرض‭ ‬لـ«الإقصاء‮»‬‭ (‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬ثقافة‭ ‬الإلغاء‮»‬‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬الوشاية‭ ‬بهم‭ ‬لدى‭ ‬الإدارات‭ ‬الجامعية‭. ‬ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬نتاجاً‭ ‬لحملة‭ ‬ترهيب‭ ‬منسقة‭ ‬تصوّر‭ ‬انتقاد‭ ‬سياسات‭ ‬حكومة‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تعصب‭ ‬ضد‭ ‬مجموعة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬وحين‭ ‬احتج‭ ‬الطلاب‭ ‬الأمريكيون‭ ‬على‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لدى‭ ‬الجماعات‭ ‬الصهيونية‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬الماثلة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع؛‭ ‬فلجأت‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬إثارة‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬والابتزاز‭. ‬إذ‭ ‬ادعت‭ ‬تلك‭ ‬الجماعات‭ ‬أن‭ ‬الطلاب‭ ‬اليهود‭ ‬يشعرون‭ ‬‮«‬بعدم‭ ‬الأمان‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬حرم‭ ‬جامعاتهم‭.‬

لكن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬مصدر‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الخطر‮»‬‭ ‬أو‭ ‬طبيعته‭ ‬بدقة؛‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بتهديد‭ ‬فعلي،‭ ‬بل‭ ‬بمجرد‭ ‬شعور،‭ ‬أو‭ ‬خوف‭ ‬مبهم‭ ‬يعجز‭ ‬الأطباء‭ ‬عن‭ ‬تشخيصه‭ ‬وتفتقر‭ ‬الأدلة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬صحته‭.‬

إن‭ ‬المشاعر‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬حقائق،‭ ‬وهي‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الحقائق‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للمساءلة‭ ‬أو‭ ‬المناقشة‭ ‬والتمحيص؛‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تحديداً‭ ‬اختارت‭ ‬‮«‬رابطة‭ ‬مكافحة‭ ‬التشهير‮»‬‭ (‬ADL‭) ‬وغيرها‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب؛‭ ‬فعندما‭ ‬يعجزون‭ ‬عن‭ ‬كسب‭ ‬الجدل‭ ‬بالحجة‭ ‬والمنطق،‭ ‬يتخلون‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬ويستغلون‭ ‬بدلاً‭ ‬منها‭ ‬تعاطف‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬المحلفين‮»‬‭.‬

يروي‭ ‬طلاب‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬القصة‭ ‬نفسها‭. ‬فقبل‭ ‬الساعة‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬مساءً‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬30‭ ‬أبريل،‭ ‬اقتحمت‭ ‬مجموعة‭ ‬صهيونية‭ ‬مؤلفة‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬رجل‭ ‬ملثم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬مخيمًا‭ ‬سلميًا‭ ‬للتضامن‭ ‬مع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬ديكسون،‭ ‬وأطلقوا‭ ‬أصوات‭ ‬صراخ‭ ‬أطفال‭ ‬عبر‭ ‬مكبرات‭ ‬الصوت،‭ ‬وسلطوا‭ ‬أضواءً‭ ‬وامضة،‭ ‬ورشوا‭ ‬غازًا‭ ‬مهيجًا،‭ ‬وألقوا‭ ‬مفرقعات‭ ‬نارية‭ ‬على‭ ‬خيام‭ ‬النوم‭.‬

تنحى‭ ‬حراس‭ ‬الجامعة‭ ‬غير‭ ‬المسلحين‭ ‬جانبًا‭ ‬واختبأوا‭ ‬داخل‭ ‬أحد‭ ‬المباني؛‭ ‬ووصلت‭ ‬شرطة‭ ‬الحرم‭ ‬الجامعي‭ ‬وغادرت‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬عشر‭ ‬دقائق؛‭ ‬بينما‭ ‬استغرقت‭ ‬شرطة‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬ساعتين‭ ‬إضافيتين‭ ‬للوصول،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬للهجوم‭ ‬الصهيوني‭ ‬بالاستمرار‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الساعة‭ ‬الثالثة‭ ‬صباحًا‭. ‬نُقل‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرون‭ ‬طالبًا‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يُقبض‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬مهاجم‭. ‬ووصفت‭ ‬معظم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحادث‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬اشتباك‮»‬‭.‬

في‭ ‬غضون‭ ‬أسابيع،‭ ‬ادعى‭ ‬‮«‬المحترفون‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الضحية‮»‬‭ ‬–‭ ‬الذين‭   ‬حشدوا‭ ‬تلك‭ ‬الحشود‭ ‬الغوغائية‭- ‬أنهم‭ ‬هم‭ ‬الضحايا؛‭ ‬إذ‭ ‬وُجِّهت‭ ‬الاتهامات‭ ‬لمخيم‭ ‬الاعتصام‭ ‬–‭ ‬وليس‭ ‬لمن‭ ‬انهالوا‭ ‬على‭ ‬المعتصمين‭ ‬ضرباً‭ ‬بالعصي‭- ‬بأنه‭ ‬يجعل‭ ‬الطلاب‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الأمان‭.‬

وهكذا،‭ ‬تحوّل‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬تعرضوا‭ ‬للضرب‭ ‬إلى‭ ‬معتدين،‭ ‬بينما‭ ‬كُوفئ‭ ‬المعتدون‭ ‬بفتح‭ ‬تحقيق‭ ‬فيدرالي‭ ‬بشأن‭ ‬معاداة‭ ‬السامية؛‭ ‬وكما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين،‭ ‬ألقت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬باللوم‭ ‬على‭ ‬الضحايا‭ ‬وبرّأت‭ ‬ساحة‭ ‬الغوغاء‭.‬

الخوف‭ ‬ليس‭ ‬تشخيصاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ذريعة‭. ‬فالرجل‭ ‬الأبيض‭ ‬العنصري‭ ‬الذي‭ ‬يدعي‭ ‬شعوره‭ ‬بـ«انعدام‭ ‬الأمان‮»‬‭ ‬أثناء‭ ‬مشاهدة‭ ‬مسيرات‭ ‬للأمريكيين‭ ‬السود‭ ‬المناهضة‭ ‬للعنصرية‭ ‬لا‭ ‬يُعفى‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬خوفه‭ ‬حقيقي؛‭ ‬فالعنصرية‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬مشروعة‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬العنصري‭ ‬يختبرها‭ ‬كخوف،‭ ‬بل‭ ‬تظل‭ ‬عنصريةً‭ ‬متسترةً‭ ‬بلغة‭ ‬التظلم‭ ‬والشكوى‭ ‬من‭ ‬الأذى‭. ‬إن‭ ‬الخوف‭ ‬المنفصل‭ ‬عن‭ ‬الأدلة‭ ‬ليس‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬خطر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عرضٌ‭ ‬للجهل‭.‬

وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬للطلاب‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المؤيدين‭ ‬للإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬–‭ ‬شأنهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬يضمرون‭ ‬الكراهية‭ ‬للرجال‭ ‬–‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬آرائهم‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مقيتة؛‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬ما‭ ‬تكفله‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭. ‬

إن‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الارتياح‭ ‬عند‭ ‬توجيه‭ ‬انتقادات‭ ‬لإسرائيل‭ ‬لا‭ ‬يحوّل‭ ‬تلك‭ ‬الانتقادات‭ ‬إلى‭ ‬تهديد،‭ ‬ولا‭ ‬يبرر‭ ‬التذرع‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬السلامة‮»‬‭ ‬كدرعٍ‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬خوض‭ ‬النقاش‭.‬

وينطبق‭ ‬هذا‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬طلاب‭ ‬يهود‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬خطراً‭ ‬يهددهم‭ ‬–‭ ‬بل‭ ‬قضيةً‭ ‬تستحق‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها؛‭ ‬فالكثير‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬ينكفئون‭ ‬خوفاً‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يقودونها‭.‬

لا‭ ‬يوجد‭ ‬قاسم‭ ‬مشتركا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬طائرة‭ ‬ورقية‭ ‬تحلق‭ ‬فوق‭ ‬مستوطنة‭ ‬‮«‬ناحال‭ ‬عوز‮»‬‭ ‬المخصصة‭ ‬لليهود‭ ‬فقط‭ ‬وبين‭ ‬محاضر‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬مينيسوتا،‭ ‬سوى‭ ‬أمر‭ ‬واحد‭: ‬كلاهما‭ ‬أشعر‭ ‬‮«‬المحترفين‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الضحية‮»‬‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬غير‭ ‬آمنين‮»‬‭.‬

فالطائرة‭ ‬الورقية‭ ‬تثير‭ ‬رعب‭ ‬حكومة‭ ‬لا‭ ‬تطيق‭ ‬رؤية‭ ‬سكان‭ ‬محاصرين‭ ‬وهم‭ ‬يستمتعون‭ ‬بخمس‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬الصيف؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فضح‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬يثير‭ ‬رعب‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يضعون‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬مصدر‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬طبيباً،‭ ‬أو‭ ‬أستاذاً‭ ‬جامعياً،‭ ‬أو‭ ‬طالباً‭ ‬يرتدي‭ ‬الكوفية‭ ‬ويتصدى‭ ‬للسرديات‭ ‬الصهيونية‭ ‬الزائفة‭.‬

فأيُّ‭ ‬الأمرين‭ ‬هو‭ ‬الصحيح،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬لعبٌ‭ ‬بورقة‭ ‬‮«‬الضحية‮»‬‭ ‬لتبرير‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬والترهيب‭ ‬في‭ ‬الداخل؟‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬خوفٌ‭ ‬حقيقي‭ -‬وغير‭ ‬عقلاني‭ ‬–‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬طائرة‭ ‬ورقية‭ ‬لطفل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬عريضة‭ ‬طلابية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬تُعتبران‭ ‬تهديداً؟

في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إسرائيل‭ ‬–‭ ‬ولا‭ ‬الأمريكيون‭ ‬الذين‭ ‬يضعون‭ ‬مصالحها‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬محامين‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬ضغط‭ ‬أو‭ ‬جنرالات؛‭ ‬بل‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬أطباء‭ ‬نفسيين‭.‬

فمن‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬لعبة‭ ‬وسلاح،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬حجة‭ ‬حقوقية‭ ‬وجريمة‭ ‬كراهية،‭ ‬ليس‭ ‬مؤهلاً‭ ‬لفرض‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬أو‭ ‬تقرير‭ ‬من‭ ‬يُسجن‭ ‬أو‭ ‬يُطرد،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭.‬

إن‭ ‬حالة‭ ‬الارتياب‭ ‬التي‭ ‬تصطنعها‭ ‬المؤسسات‭ ‬المحتكرة‭ ‬لصفة‭ ‬‮«‬الضحية‮»‬‭ ‬هي‭ ‬محض‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬حقيقة؛‭ ‬فهي‭ ‬اعتلال‭ ‬نفسي‭ ‬يستوجب‭ ‬العلاج،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بإقرار‭ ‬أو‭ ‬شرعنة‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬والجامعات‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬المصطنع‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لإسكات‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬لتبرير‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬فلسطيني‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا