مازلت أحمل ذكريات الطفولة التي قضيتها في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ حيث كنا نبدع في ابتكار ألعاب موسمية لا تتطلب الكثير من المال؛ ففي موسم نلعب كرة القدم، وفي آخر نلعب الغميضة، أو نمارس السباحة وصيد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط، وغيرها من الأنشطة.
وكانت لعبتي المفضلة هي صنع الطائرات الورقية في فصل الصيف، إذ كنا نصنعها من البلاستيك أو الورق الذي نجمعُه من مكبّ النفايات، أما الهيكل فكان يُصنع من عيدان الخيزران الجافة التي نربطها أو نلصقها ببعضها باستخدام أسلاك كهربائية أو معدنية مُستعملة.
كانت التكلفة الحقيقية الوحيدة تكمن في الخيط. فإذا لم يحالفنا الحظ في العثور على خيط صيد أو بكرة خيط خياطة في أكوام القمامة، كان علينا شراؤه. لم أكن لأتخيل أبداً أن لعبتي المفضلة والأرخص ثمناً في طفولتي قد تُصنَّف يوماً ما على أنها «نشاط مسلح».
في 23 أغسطس 2026م، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب إسرائيل كاتس أمراً لأطفال غزة بالتوقف عن إطلاق طائراتهم الورقية، وإلا فسيواجهون الموت. إنها ألعاب يصنعها الفتيان والفتيات في شريط ضيق من الأرض لم يتبقَّ فيه سوى القليل جداً مما يمكن القيام به.
يُعد العذاب النفسي الذي يُفرض على هؤلاء الأطفال وجهاً آخر من أوجه الإرهاب الإسرائيلي؛ فقد حثت لجان الأحياء المحلية الأهالي على منع أطفالهم من صنع الطائرات الورقية أو إطلاقها في سماء غزة. وفي هذا السياق، ذكرت إحدى الأمهات أن أطفالها اعتادوا إطلاق الطائرات الورقية كل صيف للترويح عن أنفسهم، لكنها لن تسمح بذلك بعد الآن.
إن فرحة الطفل في غزة تُعد أمراً خطيراً لأنها تصرف الانتباه عن حالة الخضوع؛ فالسعادة العادية - في مكان يُفترض ألا توجد فيه سعادة – تتحول إلى تهديد وجودي لإسرائيل.
إن حالة الذعر المثارة حول الطائرات الورقية ليست الاختلاق الصهيوني الوحيد؛ بل هي أحدث حلقة في سلسلة طويلة من التهديدات المصطنعة التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير في جميع أنحاء العالم. ولننظر في هذا الصدد إلى ما يحدث في الجامعات الأمريكية.
فقد أظهر استطلاع للرأي – شمل قرابة ألف باحث أمريكي متخصص في شؤون الشرق الأوسط وأجراه باحثون من جامعتي ميريلاند وجورج واشنطن- أن الغالبية العظمى من هؤلاء الباحثين يمارسون رقابة ذاتية عند مناقشة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن معظمهم أرجعوا ذلك إلى الخوف.
إنه الخوف من العواقب المهنية، ومن التعرض لـ«الإقصاء» (أو ما يُعرف بـ «ثقافة الإلغاء»)، ومن الوشاية بهم لدى الإدارات الجامعية. ويُعد هذا الوضع نتاجاً لحملة ترهيب منسقة تصوّر انتقاد سياسات حكومة أجنبية على أنه تعصب ضد مجموعة دينية أو عرقية.
وفي عام 2024، وحين احتج الطلاب الأمريكيون على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، لم تكن لدى الجماعات الصهيونية أي رد على الحقائق الماثلة على أرض الواقع؛ فلجأت بدلاً من ذلك إلى أسلوب إثارة الشعور بالذنب والابتزاز. إذ ادعت تلك الجماعات أن الطلاب اليهود يشعرون «بعدم الأمان» داخل حرم جامعاتهم.
لكن لم يتم تحديد مصدر هذا «الخطر» أو طبيعته بدقة؛ فلم يكن الأمر يتعلق بتهديد فعلي، بل بمجرد شعور، أو خوف مبهم يعجز الأطباء عن تشخيصه وتفتقر الأدلة إلى ما يثبت صحته.
إن المشاعر لا تمثل حقائق، وهي – على عكس الحقائق – لا تخضع للمساءلة أو المناقشة والتمحيص؛ ولهذا السبب تحديداً اختارت «رابطة مكافحة التشهير» (ADL) وغيرها هذا الأسلوب؛ فعندما يعجزون عن كسب الجدل بالحجة والمنطق، يتخلون عن الحقائق ويستغلون بدلاً منها تعاطف «هيئة المحلفين».
يروي طلاب جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2024 القصة نفسها. فقبل الساعة الحادية عشرة مساءً بقليل من يوم 30 أبريل، اقتحمت مجموعة صهيونية مؤلفة من مائة رجل ملثم على الأقل مخيمًا سلميًا للتضامن مع غزة في ساحة ديكسون، وأطلقوا أصوات صراخ أطفال عبر مكبرات الصوت، وسلطوا أضواءً وامضة، ورشوا غازًا مهيجًا، وألقوا مفرقعات نارية على خيام النوم.
تنحى حراس الجامعة غير المسلحين جانبًا واختبأوا داخل أحد المباني؛ ووصلت شرطة الحرم الجامعي وغادرت في غضون عشر دقائق؛ بينما استغرقت شرطة لوس أنجلوس ساعتين إضافيتين للوصول، ما سمح للهجوم الصهيوني بالاستمرار حتى بعد الساعة الثالثة صباحًا. نُقل خمسة وعشرون طالبًا إلى المستشفى، لكن لم يُقبض على أي مهاجم. ووصفت معظم وسائل الإعلام الأمريكية الحادث بأنه «اشتباك».
في غضون أسابيع، ادعى «المحترفون في لعب دور الضحية» – الذين حشدوا تلك الحشود الغوغائية- أنهم هم الضحايا؛ إذ وُجِّهت الاتهامات لمخيم الاعتصام – وليس لمن انهالوا على المعتصمين ضرباً بالعصي- بأنه يجعل الطلاب اليهود في حالة من انعدام الأمان.
وهكذا، تحوّل الضحايا الذين تعرضوا للضرب إلى معتدين، بينما كُوفئ المعتدون بفتح تحقيق فيدرالي بشأن معاداة السامية؛ وكما حدث في قضية فلسطين، ألقت وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية باللوم على الضحايا وبرّأت ساحة الغوغاء.
الخوف ليس تشخيصاً، بل هو ذريعة. فالرجل الأبيض العنصري الذي يدعي شعوره بـ«انعدام الأمان» أثناء مشاهدة مسيرات للأمريكيين السود المناهضة للعنصرية لا يُعفى من المسؤولية لمجرد أن خوفه حقيقي؛ فالعنصرية لا تصبح مشروعة لمجرد أن العنصري يختبرها كخوف، بل تظل عنصريةً متسترةً بلغة التظلم والشكوى من الأذى. إن الخوف المنفصل عن الأدلة ليس مؤشراً على وجود خطر، بل هو عرضٌ للجهل.
وبالمثل، فإن للطلاب اليهود في الجامعات الأمريكية المؤيدين للإبادة الجماعية – شأنهم في ذلك شأن من يضمرون الكراهية للرجال – الحق في تبني آرائهم مهما كانت مقيتة؛ فهذا هو جوهر ما تكفله حرية التعبير.
إن الشعور بعدم الارتياح عند توجيه انتقادات لإسرائيل لا يحوّل تلك الانتقادات إلى تهديد، ولا يبرر التذرع بـ «السلامة» كدرعٍ للحيلولة دون خوض النقاش.
وينطبق هذا بصفة خاصة حين يرى طلاب يهود آخرون في هذه الاحتجاجات – لا خطراً يهددهم – بل قضيةً تستحق الدفاع عنها؛ فالكثير منهم لا ينكفئون خوفاً أمام هذه الاحتجاجات، بل هم من يقودونها.
لا يوجد قاسم مشتركا يجمع بين طائرة ورقية تحلق فوق مستوطنة «ناحال عوز» المخصصة لليهود فقط وبين محاضر في جامعة مينيسوتا، سوى أمر واحد: كلاهما أشعر «المحترفين في لعب دور الضحية» بأنهم «غير آمنين».
فالطائرة الورقية تثير رعب حكومة لا تطيق رؤية سكان محاصرين وهم يستمتعون بخمس دقائق من سماء الصيف؛ كما أن فضح الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في الجامعات الأمريكية يثير رعب أولئك الذين يضعون إسرائيل في المقام الأول، سواء كان مصدر هذا التحدي طبيباً، أو أستاذاً جامعياً، أو طالباً يرتدي الكوفية ويتصدى للسرديات الصهيونية الزائفة.
فأيُّ الأمرين هو الصحيح، سواء في غزة أو في الجامعات الأمريكية؟ هل هو لعبٌ بورقة «الضحية» لتبرير الإبادة الجماعية في الخارج والترهيب في الداخل؟ أم هو خوفٌ حقيقي -وغير عقلاني – لدرجة أن طائرة ورقية لطفل في غزة أو عريضة طلابية في أمريكا تُعتبران تهديداً؟
في كلتا الحالتين، لا تحتاج إسرائيل – ولا الأمريكيون الذين يضعون مصالحها فوق كل اعتبار – إلى محامين أو جماعات ضغط أو جنرالات؛ بل يحتاجون إلى أطباء نفسيين.
فمن يعجز عن التمييز بين لعبة وسلاح، أو بين حجة حقوقية وجريمة كراهية، ليس مؤهلاً لفرض الرقابة على حرية التعبير أو تقرير من يُسجن أو يُطرد، سواء من غزة أو من الجامعات الأمريكية.
إن حالة الارتياب التي تصطنعها المؤسسات المحتكرة لصفة «الضحية» هي محض وهم لا حقيقة؛ فهي اعتلال نفسي يستوجب العلاج، لا أن يحظى بإقرار أو شرعنة من الحكومات والجامعات.
ولا ينبغي بأي حال أن يتحول هذا الخوف المصطنع إلى ذريعة لإسكات الأصوات في الداخل أو لتبرير الإبادة الجماعية في فلسطين.
{ كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك