أطلقت إدارة ترامب في الرابع والعشرين من الشهر الجاري عملية أطلقت عليها «المنبوذ الاقتصادي» (Economic Outcast)، ووصفتها بأنها أكبر هجوم اقتصادي يستهدف الروابط المالية لإيران حول العالم، وقطع كل مصدر محتمل للإيرادات التي تموّل البلاد، وهي الأشد قوة مقارنة بتلك التي شنتها ضد أي من خصومها. وتهدد هذه التدابير أي طرف يتعامل مع النظام الإيراني بالمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.
وتعود واشنطن لاستخدام الحصار الاقتصادي على إيران، بعد أن عدم تحقيق اهداف الحرب التي شنتها عليها. وجرى اختبار تلك الأداة في حقبة الرئيس دونالد ترامب الأولى، ورغم أنها أضرت بإيران إلا أنها لم تنجح في تحقق النتائج المرجوة منها.
هل تستطيع الولايات المتحدة، اليوم، حسم نتائج الحرب عبر حصار إيران اقتصادياً، في ظل بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً من تلك التي سادت خلال ولايته الأولى؟
رغم تفعيل وقف إطلاق النار أكثر من مرة بوساطة باكستانية، وآخرها جاء في مذكرة تفاهم أُبرمت في يونيو الماضي، إلا أن ذلك لم ينهِ التوتر والمواجهة بين الطرفين في هذه الحرب التي شنّتها واشنطن وإسرائيل على إيران. بعد مرور ستة أشهر على الحرب، وتصريح ترامب في بداية الحرب بأنها لن تستغرق أكثر من أربعة أو خمسة أسابيع، والتفوق العسكري للولايات المتحدة لم تحسم الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وتطوير منظومة الصواريخ البالستية، وأذرع إيران الإقليمية، وأضيف ملف مضيق هرمز كنتيجة جديدة إلى الملفات السابقة.
تلجأ الولايات المتحدة، مؤخراً، إلى الحصار الاقتصادي على إيران، وكانت قد لجأت لذلك الخيار من قبل بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في العام 2018. ورغم أن العقوبات الأميركية، خصوصاً التي جاءت في إطار حملة الضغط الأقصى، قد ألحقت أضرارا بإيران، لكنها لم تنجح في تدمير الاقتصاد الإيراني أو تصفير صادرات النفط، كما لم تنجح في تحقيق الأهداف السياسية التي وُضعت من أجلها تلك الحملة من قبل الولايات المتحدة. ساعدت البيئة الدولية والإقليمية في ذلك الوقت ترامب على تفعيل تلك الحملة من العقوبات، إلا أن تلك البيئة تغيرت، اليوم. كما ساعدت تلك العقوبات إيران بمرور الوقت على تطوير منظومة واسعة للالتفاف عليها، تقوم على مساعدة الوسطاء في عدد من الدول، وشبكات مالية وتجارية ونفطية متشابكة ومعقدة، فإيران بات لديها أساليب في الالتفاف على العقوبات. كما مثلت الصين عاملاً أساسياً في تحييد فعالية نظام عقوبات على إيران، فهي تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
جاءت الحرب الحالية في بيئة إقليمية مختلفة جذرياً. شهدت المنطقة خفضا لحالة الاستقطاب بين السعودية وإيران منذ العام 2021 وبناء ساحات أوسع من التفاهم الإقليمي. وجاء الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025 ليعزز لدى دول المنطقة المخاوف من اتساع نطاق التهديدات الإسرائيلية وعدم اقتصارها على ساحات الصراع التقليدية.
وتعززت تلك المخاوف بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. في الوقت نفسه، حافظت السعودية على رفضها الصريح للتطبيع مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية. دخلت المنطقة حرب 2026 أكثر تقارباً بين أقطابها، وأقل استعداداً للانخراط في استراتيجية واشنطن وإسرائيل ضد إيران، وأكثر ميلاً لحماية استقلال قرارها الإقليمي وتنويع علاقاتها الدولية. وهي تحولات تقلل من قدرة واشنطن على إعادة إنتاج البيئة الإقليمية التي صاحبت الضغط الأقصى في ولايتها الأولى.
مقارنة بحقبتي ترامب الأولى والثانية، لم تكن البيئة الإقليمية وحدها من العوامل التي ترجح صعوبة تنفيذ حملة ترامب الحالية لحصار إيران، فالتحولات في مواقف الصين وروسيا تجاه إيران والولايات المتحدة قد تعد أيضاً من بين العوامل المؤثرة في تحديد مدى نجاح ذلك الحصار.
في ولاية ترامب الأولى، وبعد تنفيذه لحملة «الضغط الأقصى»، عارضت الصين تلك الحملة، واعتبرت أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق السبب الحقيقي للتوتر. ورغم ذلك خفضت الشركات الصينية الحكومية الكبرى تعاملاتها مع إيران، وانسحبت شركة النفط الوطنية الصينية من مشروع ضخم لتطوير الغاز الإيراني، يعرف بمشروع حقل بارس الجنوبي (South Pars)، وتراجعت واردات الصين الرسمية من النفط الإيراني، وقيدت بعض المعاملات البنكية من قبل الصين، وانتقلت نسبة كبيرة من مشتريات النفط وتكراره إلى مصافي وشركات صغيرة ومستقلة وغير رسمية.
أي أن الصين في ذلك الوقت قامت بموازنة دقيقة، فقد عارضت سياسة ترامب للضغط الأقصى ضد إيران، وحافظت على علاقتها معها، لكنها لم تدخل في مواجهة اقتصادية مع واشنطن. تأتي حملة ترامب العقابية الحالية ضد إيران في ظل تبدلات لحقت في العلاقة الصينية مع إيران من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى. أنتجت سياسة ترامب التصعيدية في حقبته الأولى تجاه الصين، والتي امتدت في عهد جو بايدن، ووصولها للذروة خلال الحقبة الحالية لترامب موقفا صينيا أكثر صرامة وصلابة تجاه واشنطن.
في ظل ذلك، تطورت العلاقات الصينية الإيرانية في عام 2021 حيث وقعت الصين مع إيران خطة تعاون شاملة مدة 25 عاما، وتوسعت مشتريات الصين من النفط الإيراني، لدرجة باتت معه الصين، اليوم، المشتري الأساسي له، وبات مصدرا مهما للتكنولوجيا والشبكات الاقتصادية التي تخفف أثر العقوبات الغربية عليها دون استحياء. كما يمتلك البلدان الخبرة في التعامل غير الرسمي، عبر المصافي الصينية الصغيرة وشبكات نقل غير رسمية ومتشعبة عبر وسطاء تجاريين وقنوات مالية تعمل خارج النظام المصرفي والمالي الغربي. عندما اندلعت حرب 2026، لم تكتفِ الصين بانتقاد الحرب بل دعت لتولي دول الشرق الأوسط مصيرها بأيديها تحت إطار إقليمي سياسي وأمني مشترك ولاستقلال استراتيجي حقيقي لدول المنطقة.
تأتي عقوبات الولايات المتحدة، اليوم، ضد إيران في ظل شبكات تجارية واقتصادية ومالية أعمق وأكثر تعقيدا، وعلاقات صينية أمريكية أكثر مواجهة وتصادماً، لذلك يعتبر عدد من الخبراء الأمريكيين أن نجاح حملة ترامب العقابية الاقتصادية الحالية ضد إيران يتوقف على مدى تعاون الصين.
رغم أن العلاقات الروسية الإيرانية التعاونية ممتدة، فقد انتقدت روسيا أيضاً، تماما كالصين، انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران العام 2018، وكانت طرفاً في المفاوضات النووية، لكنها لم تحبط العقوبات الغربية الموجهة من مجلس الأمن ضدها قبل الحرب الروسية الأوكرانية. وتعد هذه الحرب نقطة التحول الحقيقية في العلاقة بين البلدين وانتقالها إلى مستوى تحالف إستراتيجي. منذ أغسطس 2022، بدأت إيران، بتزويد روسيا بطائرات مسيّرة مسلحة، مقابل دعم عسكري وتقني قدمته روسيا لإيران. في ظل تعاون لمواجهة عداء الولايات المتحدة والعزلة الغربية للبلدين، توسع التعاون إلى الإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة، والتكنولوجيا العسكرية، وربط شبكات اقتصادية ومالية تساعد البلدين على تحمل العقوبات، وتتوّج ذلك في العام 2025 بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. جاءت حرب العام 2026، لتعكس موقفا روسيا حاسما من الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي ضد إيران، وترجم بمواقف سياسية ودبلوماسية واضحة في أروقة الأمم المتحدة.
يصعب تفسير استخدام الولايات المتحدة للعقوبات الاقتصادية، اليوم، إلا في إطار محاولات الالتفاف الوضع العسكري في المنطقة، ولكن هل لا تزال الولايات المتحدة تمتلك القدرة الدولية التي كانت تملكها سابقاً لتحويل عقوباتها على إيران إلى عزلة دولية فعلية؟؟ وهل التطورات العالمية الراهنة من إرهاصات النظام الدولي الجديد بعيداً عن القطبية الأحادية؟
{ أكاديمية فلسطينية مختصة
في العلاقات الدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك