تبدأ هذه المقالة بمجموعةٍ من المقولات والحكم والاقتباسات. يقول شمس الدين التبريزي: إن الجاهل بزمانه جاهل/ لن أمسي حتى أصبح أحسن من أمس/ من بلغ الخمسين من العمر ومازال يرى الأمور كما كان يراها في الثلاثين من عمره، فقد أضاع عشرين سنة من عمره وعمر المجتمع/ من لا ينمو يذبل/ إذا لم تغير أفكارك وتغير أولوياتك وتتخلَّ عن عاداتك القديمة فلن تتطور ولن تتقدم ولن تصل.
من لا يتعلم شيئاً جديداً كل يوم يزداد جهلاً يوماً بعد يوم. قالت العرب: من لا يتقدم يتقادم/ ومن لا يتجدد يتبدد. ان الشجرة التي لا تبدل أوراقها كل موسم لن تنمو أبدا/ لا تخرج من البيت إلا ولديك شيء تقوله أو أمر تفعله.
ان المفاتيح القديمة لن تفتح الأبواب الجديدة لذلك جدد أسلوبك إذا أردت التأثير في العقول الجديدة وجدد مفاتيحك.
يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه عن مهزلة العقل الذي لا يفارق بيته الذي نشأ فيه ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته، ولا يتفاعل مع الآخرين لا تنتظر منه أن يكون محايداً في تفسير الأمور لأن معتقداته تلون تفكيره حتما وتبعده عن البحث الجاد الإنسان لا ينمو عقله إلا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له ومن الظلم أن نطلب من إنسان عاش في مجتمع جاهل أو مع البدائيين أن ينتج لنا فلسفة جديدة أو يخترع علم جديد.
يقول نجيب محفوظ: نحن لا نموت حين تفارقنا الروح فحسب، نموت قبل ذلك، حين تتشابه أيامنا ونتوقف عن التغيير حيث لا شيء يزداد سوى أعمارنا.
أي إنسان يريد أن يغير يجب أن يضع استراتيجية وهدف وخطة عمل/ لا يمكن الوصول إلى الغد وأنت مازلت تفكر بالأمس/ إذا لم تضف شيئا إلى هذا العالم فأنت عبء عليه.
وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي عن وقوف الماء ووقوف الشمس:
«أني رأيت وقوف الماء يفسده
وإنْ سال طاب وإن لم يجر لم يطب
الشمس لو وقفت في السماء دائمة
لملها الناس من عجم ومن عرب».
أما الإمام الغزالي، فربط بين مستقبل الأمة ومواكبة التغيرات، ويقول: مستقبل أي أمة يقوم باستعدادها لمواءمة كل عصرٍ بما يناسبه.
أما جون ديوي المفكر الأمريكي أبو التربية الحديثة، فيقول: إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم مستقبلهم، وقد أبدع الخليل بن أحمد الفراهيدي بحديثه عن المعلم وعدم التنويع وقتل الدوافع حين قال: لو علم المعلم جميع طلابه بنفس الطريقة لأمات قلوبهم.
ويقول أحد الشعراء:
«شباب قنع لا خير فيهم
وبورك بالشباب الطامحين».
أما أبو القاسم الشابي الذي لعن من لا يماشي الزمان وبارك أهل الطموح:
«أبارك في الناس أهل الطموح
ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان
ويقنع بالعيش عيش الحجر».
انطلاقا من كل ذلك نلاحظ ان العالم اليوم يشهد تحولات علمية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، وأصبح ما كان مقبولاً في الماضي لن يكون مقبولاً في المستقبل، وهذا يظهر أهمية الحكمة التي جاء بها شمس الدين التبريزي حين قال يوما: «لا تنَم بنفس العقل الذي استيقظتَ فيه».
وهذه المقالة لا تعني بأي حال من الأحوال رفض الماضي، الذي هو جزء من حياتنا، بل تعني عدم السماح لبعض العادات والتقاليد والأفكار وما تعودنا عليه بأن تحدد أساليب التعامل مع المتغيرات والتحولات، فالعقل المتجدد هو الذي يستفيد من تجارب الماضي وكما قالت العرب: من لا يتجدد يتبدد.
إن العقل المرن المستنير المواكب يعتمد على التعلم المستمر والتطور المستمر، ولا يستطيع الإنسان أن يدخل المستقبل إذا بقي أسيراً لقواعد وعادات لا تناسب العصر، والعقل المستنير هو الذي ينظر إلى الماضي بعيون فاحصة، وهذا يتطلب حكمة وجرأة وشجاعة ومعرفة.
ويجب أن يسأل الطالب نفسه دائماً: ماذا تعلمت اليوم؟ كيف يمكن أن أستفيد مما تعلمته اليوم؟ لماذا لا أجدد نفسي؟ لماذا لا أطور نفسي؟ لماذا يجب أن أبقى متخلفا؟
التعلم المستمر الذي من خلاله يمكن مقاومة الجمود الفكري من خلال القراءة والمشاركة في ندوات ومؤتمرات والاستفادة من الخبرات السابقة والتعاون مع الآخرين ومراجعة التجارب السابقة، لأن الأهم من اكتساب معارف جديدة قدرة الطالب على تحويل المعارف الجديدة إلى فهم وممارسة وإعادة تقييم بعض الأمور.
وهنا أقول: لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم.
مرة أخرى، إن هذه هي دعوة جريئة حكيمة شجاعة وبوصلة جديدة لأنه في عالم سريع التطور نحن بحاجة إلى عقلية مرنة تقوم على التعلم المستمر والتفكير النقدي والانفتاح والاستعداد للقادم من خلال رؤية مستقبلية.
وهنا المفكر الأمريكي نعوم شومسكي يتحدث عن نظام التعليم بقوله: أن نظام التعليم مصمم لإنتاج إنسان مطيع لا إنسان مفكر، وعند سؤالك عن ذلك تصبح أنت المشكلة.
مشكلة الطالب الجامعي في هذا العصر هي التوقف عن التعلم المستمر والتطور والنمو، مع العلم أن المعارف تتجدد والحاجات تتجدد، والمهارات تتجدد، والتخصصات تتجدد، والوظائف تتجدد ومتطلبات المستقبل تتغير.
الشهادة الجامعية لم تعد الضمان الوحيد للطالب بل القدرة على البحث والتكيف مع المتغيرات والتحولات، والشهادة ليست الخاتمة، بل البداية لكل شيء والتغيير لا يبدأ بالشهادة بل يبدأ بطريقة التفكير.
المستقبل لا يُشترى، بل يُبنى حين يستمر الطالب في النمو والتكيف والتأمل والبحث.
المستقبل لن يكون لمن حفظ أكثر ولا لحامل الشهادة بل لمن يواكب ويتعلم باستمرار.
المستقبل يعتمد على ما يملكه الطالب من مهارات وقدرات وتجارب تمكنه من مواكبة العصر.
وأخيراً أقول: نحن التربويين المحاورين نحتاج ان نبذل جهدا كبيرا، لنزرع روح الأخلاق والتعليم والتربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
{ اختصاصي في شؤون التعليم والتعلم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك