العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حروب الآخرين في الشرق الأوسط

بقلم: باسم برهوم

الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬تستقر‭ ‬كل‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬الأخرى‭ ‬تبقى‭ ‬الحروب‭ ‬مشتعلة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬حروبه‭ ‬وحروب‭ ‬الآخرين‭ ‬عليه،‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬ونقرأ‭ ‬لندرك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬موجودة،‭ ‬لأننا‭ ‬نعيشها‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬سكان‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬المعاناة‭ ‬نفسها،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬مناطق‭ ‬منكوبة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬فلسطين،‭ ‬وفي‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬كان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أصابته‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬مقتل‭. ‬

غالبا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬نِعَمُ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬نقمة‭ ‬عليه،‭ ‬الموقع‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬المهم،‭ ‬والذي‭ ‬من‭ ‬النادر‭ ‬أن‭ ‬يشاطره‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بالأهمية،‭ ‬وعندما‭ ‬اكتشفت‭ ‬ثرواته،‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬للتنافس‭ ‬والحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬المصالح،‭ ‬وتحول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬لحروب‭ ‬الآخرين‭ ‬عليه‭.‬

ولكن‭ ‬هل‭ ‬بالإمكان‭ ‬تخيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إسرائيل؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬له‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مبرر،‭ ‬لأن‭ ‬وجودها‭ ‬جلب‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬خلال‭ ‬المئة‭ ‬عام‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وباستثناء‭ ‬حرب‭ ‬السويس‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬طرفا‭ ‬فيها،‭ ‬فهي‭ ‬جاءت‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬مرحلة‭ ‬وبداية‭ ‬أخرى،‭ ‬بأفول‭ ‬الاستعمارين‭ ‬البريطاني‭ ‬والفرنسي،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬فهي‭ ‬عمليا‭ ‬حروب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬حروب‭ ‬أرادتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إسرائيل‭.‬

نكرر‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تخيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إسرائيل؟‭ ‬على‭ ‬الأغلب‭ ‬لكنا‭ ‬نَعِمنا‭ ‬بسنوات‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية،‭ ‬ولكنا‭ ‬حولنا‭ ‬الثروة‭ ‬إلى‭ ‬رفاه‭ ‬بمقادير‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭.‬

لنبدأ‭ ‬بحرب‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬إسرائيل‭ ‬وألغت‭ ‬وجود‭ ‬فلسطين،‭ ‬ثم‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬التوسعية،‭ ‬وحرب‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬وهي‭ ‬الحرب‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بهدف‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للتوسع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ثم‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬عام‭ ‬1982‭ ‬لإخراج‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬منه‭. ‬

قد‭ ‬تبدو‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بها‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬لإسرائيل‭ ‬مصلحة‭ ‬حيوية‭ ‬باندلاعها‭ ‬واستمرارها‭ ‬أطول‭ ‬مدة‭ ‬ممكنة،‭ ‬لكونها‭ ‬تستنزف‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬الخصمين‭ ‬اللدودين‭ ‬لها،‭ ‬أما‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬احتلال‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬للكويت‭ ‬عام‭ ‬1990‭ - ‬1991،‭ ‬فلم‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬خدمة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬كما‭ ‬قدمت‭ ‬تلك‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬هيمنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الحليف‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬والتي‭ ‬توجت‭ ‬باحتلال‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للعراق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬حروب‭ ‬إسرائيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬على‭ ‬لبنان،‭ ‬أمثال‭ ‬‮«‬عناقيد‭ ‬الغضب‮»‬‭ ‬وغيرها،‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فإن‭ ‬التوتر‭ ‬الفلسطيني‭ - ‬الإسرائيلي‭ ‬تواصل‭ ‬بعد‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو،‭ ‬بسبب‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬انتهت‭ ‬بفشل‭ ‬قمة‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬التي‭ ‬عقدت‭ ‬بحضور‭ ‬الجانبين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والإسرائيلي‭ ‬برعاية‭ ‬أمريكية‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬والتي‭ ‬تسبب‭ ‬فشلها‭ ‬باندلاع‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الثانية،‭ ‬وما‭ ‬تخللها‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬احتلال‭ ‬للضفة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬السور‭ ‬الواقي‮»‬‭ ‬بقيادة‭ ‬شارون‭ ‬عام‭ ‬2002‭.‬

أما‭ ‬حروب‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬بـ«الطوفان‮»‬‭ ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة،‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬سيطرة‭ ‬حماس‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬عام‭ ‬2007،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬جرت‭ ‬7‭ ‬حروب‭ ‬إسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭..‬

ومنذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬كانت‭ ‬الحروب‭ ‬مستمرة‭ ‬مع‭ ‬لبنان‭ ‬واليمن‭ ‬وطالت‭ ‬سوريا،‭ ‬والعراق،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة‭. ‬والحرب‭ ‬المشار‭ ‬لها،‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬أمريكية،‭ ‬وهي‭ ‬بالفعل‭ ‬كذلك،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيلية‭ ‬بامتياز،‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬لتلبية‭ ‬مصالح‭ ‬وحاجات‭ ‬إسرائيل‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭.‬

ومع‭ ‬حديثنا‭ ‬عما‭ ‬أحدثه‭ ‬وجود‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬وحروب،‭ ‬فإن‭ ‬أطرافا‭ ‬إقليمية‭ ‬عديدة‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭- ‬الإسرائيلي،‭ ‬والعربي‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للتمدد‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬إيران‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ما‭ ‬عمق‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬وأطلق‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الحروب‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬الجانبية،‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬اللبنانية‭ ‬التي‭ ‬انفجرت‭ ‬عام‭ ‬1975،‭ ‬وتداعيات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬وتحول‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬عدة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬فاشلة،‭ ‬فإنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بإسرائيل‭.‬

الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬بوابة‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬الشرق،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬هكذا‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬فلم‭ ‬يسعف‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬منح‭ ‬العالم‭ ‬الديانات‭ ‬السماوية‭ ‬الثلاث،‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬والإسلام،‭ ‬فهذه‭ ‬الأديان‭ ‬حوَّلها‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬إضافية‭ ‬للصراع‭ ‬والحروب‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أديان‭ ‬محبة‭ ‬وتسامح‭.‬

عندما‭ ‬حُوِّلت‭ ‬الأساطير‭ ‬والأديان‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬لتغذية‭ ‬الصراعات‭ ‬خدمة‭ ‬لمصالح‭ ‬الأطراف‭ ‬المهيمنة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمن‭. ‬وعندما‭ ‬حُوِّلت‭ ‬نِعَم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬نقمة‭ ‬دائمة،‭ ‬فالسؤال‭ ‬الأهم‭ ‬اليوم‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحوِّل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬تلاقي‭ ‬الحضارات‭ ‬وليس‭ ‬ساحة‭ ‬لصدامها؟‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانية‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقيق؟‭ ‬سؤال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬أوسع‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا