القوانين تُصاغ عادة بعد أن يستقر الواقع على شكل واضح يمكن وصفه وضبطه بدقة، فالمشرّع يحتاج أولاً أن يرى الظاهرة بكامل ملامحها، ثم يخضعها لنقاش ومداولة وصياغة متأنية قبل أن يخرج النص إلى الناس. هذا الزمن الذي يفصل بين ظهور المشكلة وصدور القانون كان مقبولاً في عصور سابقة، حين كان التغيير يسير بخطى هادئة تمنح المشرّع فرصة كافية للحاق به. أما اليوم فالمشهد مختلف تماماً، فكل جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي يحمل قدرات لم تكن متاحة في الجيل السابق، ويفرض بذلك أسئلة قانونية لم يسبق أن واجهها المشرّع بهذا الشكل.
من بين هذه التساؤلات الجديدة، من يتحمل المسؤولية عندما يتخذ نظام ذكاء اصطناعي قراراً يؤثر في حياة إنسان، كتوصية طبية أو تقييم وظيفي أو حتى رأي قانوني مساعد، دون أن يكون من السهل تحديد المسؤول عن النتيجة بين من طوّر النظام ومن شغّله ومن استخدمه. هذا الإشكال بدأ يفرض نفسه على كل مجتمع يتعامل مع هذه التقنية بجدية. وهذه التساؤلات لا تقف عند حدود القرارات الآلية، فهي تمتد أيضاً إلى حقوق الملكية الفكرية والهوية الرقمية للإنسان نفسه.
أحب الاستماع إلى أغانٍ يمزج فيها الذكاء الاصطناعي بين صوت مطرب راحل وأداء مطربة معاصرة، في تجربة فنية جميلة ونادرة. وهذه التجربة نفسها تطرح إشكالية قانونية جوهرية، لمن يعود صوت الفنان بعد أن يعاد إنتاجه بتقنية بلا إذنه.
خاضت المطربة الأمريكية ميرفي كامبل هذا الواقع بنفسها، فهي تعزف الفولك التراثي في كارولاينا الشمالية، ونشرت أداءها على يوتيوب سنوات. في يناير 2026 اكتشفت أن جهة مجهولة درّبت نظام ذكاء اصطناعي على هذه الفيديوهات، وأنتجت به أغاني مقلّدة بصوت يشبه صوتها، نشرتها على منصتها في سبوتيفاي دون علمها.
والمفارقة الأقسى أن الجهة الموزّعة لهذه النسخ المزيفة رفعت بعدها مطالبات حقوق نشر ضد فيديوهاتها الأصلية، فوجدت نفسها تحاول إثبات أنها المالكة الحقيقية لصوتها أمام نظام آلي لا يملك معياراً واضحاً للتمييز بينها وبين من قلّدها.
هذه القصة تختصر جوهر المشكلة، تقنية تسبق كل تشريع بأشواط، وفنان يقف وحده في مواجهتها. حتى الولايات المتحدة، بمنظومتها القانونية المتقدمة، تعتمد على تشريع محلي محدود يُعرف بقانون إلفيس، وقّعته ولاية تينيسي عام 2024 لحماية صوت الفنان من الاستنساخ، دون وجود إطار اتحادي موحد يشمل كل الولايات. وفي موازاة ذلك رفعت شركات التسجيل العالمية الكبرى دعاوى ضد شركتي ذكاء اصطناعي بتهمة استخدام أغانٍ محمية لتدريب أنظمتها، مؤشر إضافي على أن التقنية تسبق القانون حتى في أكثر الأسواق تطوراً.
يتردد مؤخراً أن مملكتنا بصدد إعداد مشروع قانون متكامل للذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه القوانين القائمة، من حماية البيانات إلى جرائم تقنية المعلومات، محل نقاش حول مدى كفايتها لتغطية هذه الفجوة أو حاجتها إلى تأطير جديد كلياً. وهذا ما تؤكده أيضاً تصريحات نيابية حديثة، تشير إلى أن التشريعات القائمة تعالج جرائم إلكترونية معروفة كالتشهير وانتحال الشخصية، لكنها تحتاج إطاراً أكثر تحديداً كلما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق.
وتوجد لدينا جهة مختصة بصياغة القوانين ومراجعتها، تعمل غالباً بناءً على ما يُحال إليها من مجلسي النواب والشورى. هذا النمط من العمل يعالج الثغرة بعد أن تتضح ملامحها وتستقطب اهتماماً كافياً ليُرفع بشأنها اقتراحا، وهو أسلوب منطقي حين تكون القضية واضحة وتؤثر في شريحة واسعة يسهل رصدها.
أما الثغرات الصغيرة والمتفرقة، تلك التي لا تصنع عنواناً في نشرة أخبار ولا تستدعي جلسة عاجلة، فتبقى بلا من يرصدها حتى تتراكم أضرارها على أفراد قلائل لا صوت جماعياً لهم، ومن هنا تبرز فكرة تستحق النظر، فريق صغير يتابع ما يظهر في الميدان من استخدامات جديدة للتقنية، ويحوّل ما يجده إلى تقرير دوري يُرفع للجهات المختصة قبل أن تتحول هذه الزوايا الدقيقة إلى قضايا يصعب تفاديها.
البحرين من الدول التي راكمت تجربة مبكرة وناجحة في التحول الرقمي، من الخدمات الحكومية الإلكترونية إلى أدوات التعليم الذكية في المدارس. وهذا التقدم بطبيعته يفتح مساحة جديدة أمام كل قطاع، متابعة مستمرة لدقة هذه الأدوات في كل مرة تُصدر قراراً أو تقييماً يؤثر في مستقبل شخص واحد بعينه. وتصلح لهذه المتابعة آلية صغيرة تعمل بانتظام إلى جانب الجهود القائمة، خطوة تكمل مسيرة رقمية متقدمة أصلاً لا تبدأ من الصفر.
القانون في جوهره أداة تحمي الإنسان قبل أن يقع الضرر عليه، طالباً كان في مدرسته، أو موظفاً أمام تقييم آلي لعمله، أو مريضاً يثق بتوصية طبية لا يعرف مصدرها، أو حتى إنساناً يواجه صورة أو صوتاً مزيفاً بتقنية التزييف العميق يحمل اسمه دون علمه. وكلما بادرت الأنظمة إلى استشراف هذه الفجوات الصغيرة قبل أن تكبر، اقتربت من جوهر القانون الحقيقي، وقايةً تسبق الحدث، لا معالجة تلحق به.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك