العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

قبل حدوث السيناريو الأسوأ في الضفة الغربية

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

التساؤل‭ ‬والقلق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفا‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬تحذير‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التحذيرات‭ ‬التي‭ ‬اعتاد‭ ‬العالم‭ ‬سماعها‭ ‬ثم‭ ‬تجاوزها‭. ‬فالضفة‭ ‬الغربية‭ ‬تعيش‭ ‬اليوم‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬متصاعد،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الحملات‭ ‬السياسية‭ ‬والتحريضية‭ ‬مع‭ ‬التغول‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والأمني،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬احتمالات‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬خطوات‭ ‬دراماتيكية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

هناك‭ ‬حملات‭ ‬تحريض‭ ‬واسعة‭ ‬ضد‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭. ‬مرة‭ ‬يقال‭ ‬إنها‭ ‬تعج‭ ‬بأوكار‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ومرة‭ ‬إنها‭ ‬تعاني‭ ‬فوضى‭ ‬السلاح،‭ ‬ومرة‭ ‬يجري‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬انخراط‭ ‬الشرطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬إرهابية،‭ ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬يصبح‭ ‬البناء‭ ‬الفلسطيني‭ ‬‮«‬غير‭ ‬المسيطر‭ ‬عليه‮»‬‭ ‬و‮«‬غير‭ ‬القانوني‮»‬‭ ‬عنواناً‭ ‬للحملة،‭ ‬ثم‭ ‬تُتهم‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بتمويل‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتحريض‭.‬

هذه‭ ‬الروايات‭ ‬المتعددة‭ ‬الوجوه‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬الضفة‭ ‬هجمة‭ ‬استيطانية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬أكلت‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس،‭ ‬وضيقت‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬أراضيهم،‭ ‬وهجرت‭ ‬تجمعات،‭ ‬وسيطرت‭ ‬على‭ ‬المراعي‭ ‬والينابيع‭ ‬والأودية‭ ‬ومساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬مشروع‭ ‬استعماري‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بينما‭ ‬ينشغل‭ ‬العالم‭ ‬بتفسير‭ ‬خطاباته‭ ‬وتبريراته‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬يبقى‭: ‬ماذا‭ ‬تريد‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية؟

ولماذا‭ ‬تريد‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬جبهة‭ ‬تبحث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬‮«‬نصر‭ ‬بارد‮»‬‭ ‬وغنيمة‭ ‬سائغة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬التغول‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والأمني‭ ‬والسياسي؟

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬والحسابات‭ ‬الحزبية‭ ‬الداخلية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬المشهد،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لتفسير‭ ‬ما‭ ‬يجري‭. ‬فالمسألة،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭. ‬إنها‭ ‬تعكس‭ ‬عقلية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬قديمة‭ ‬ـ‭ ‬جديدة،‭ ‬وإجماعاً‭ ‬تبلور‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لن‭ ‬تقوم‭ ‬بين‭ ‬النهر‭ ‬والبحر،‭ ‬وأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬الكامل‭ ‬بحقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ليس‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬التصور‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للمستقبل‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الشهرين‭ ‬المقبلين‭ ‬قد‭ ‬يكونان‭ ‬شديدي‭ ‬الخطورة‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬الضفة‭ ‬ومستقبلها‭. ‬فالتحريض‭ ‬الواسع،‭ ‬والاستفزاز‭ ‬المستمر،‭ ‬وعمليات‭ ‬التضييق‭ ‬القاتلة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬والأرض‭ ‬والتمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬قد‭ ‬تمهد‭ ‬لإجراءات‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

ولنا‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬معهد‭ ‬قلنديا‭ ‬مثال‭ ‬حي‭. ‬فقد‭ ‬استولت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬مؤسسة‭ ‬دولية‭ ‬بصورة‭ ‬استعراضية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتولد‭ ‬موقف‭ ‬إقليمي‭ ‬أو‭ ‬دولي‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬خطورة‭ ‬الخطوة‭. ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬لا‭ ‬يردع،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يُفهم‭ ‬باعتباره‭ ‬ضوءاً‭ ‬أخضر‭ ‬لاختبار‭ ‬الخطوة‭ ‬التالية‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬E1‭ ‬كان‭ ‬مقدمة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭. ‬فبناء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬وحدة‭ ‬سكنية‭ ‬بين‭ ‬مستوطنة‭ ‬معاليه‭ ‬أدوميم‭ ‬والقدس‭ ‬الشرقية‭ ‬المحتلة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬توسع‭ ‬عمراني؛‭ ‬إنه‭ ‬خطوة‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تقطيع‭ ‬أوصال‭ ‬الضفة،‭ ‬وتقويض‭ ‬إمكانية‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬قابلة‭ ‬للحياة،‭ ‬وتفكيك‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭ ‬لتصفية‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو؟‭ ‬والأخطر‭: ‬أليست‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬التمهيد‭ ‬لحل‭ ‬نهائي‭ ‬تريده‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفق‭ ‬شروطها؟

قد‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬خطوات‭ ‬أخرى،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬جذرية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬عليها‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬قبل‭ ‬مغادرتها‭. ‬وهذا‭ ‬تحديداً‭ ‬ما‭ ‬يدق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬أمام‭ ‬القيادة‭ ‬والجمهور‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬كما‭ ‬أمام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليم‭ ‬والقوى‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تؤمن‭ ‬بإمكانية‭ ‬التسوية‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬الأسوأ‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬بالانتخابات‭ ‬وحدها،‭ ‬أو‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬بدائل‭ ‬هناك‮»‬‭. ‬فالمشكلة‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬كهذه،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬منشغلة‭ ‬أصلاً‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬البدائل،‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬سيحدث‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬أو‭ ‬الثالث‭.‬

إذا‭ ‬وصلت‭ ‬حالة‭ ‬العمى‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ضم‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الضفة،‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬أوضاع‭ ‬أمنية‭ ‬وسياسية‭ ‬جديدة‭ ‬تلائم‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحدها،‭ ‬فمن‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬منع‭ ‬ذلك؟

لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬انتظار‭ ‬الكارثة‭ ‬ثم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تفسير‭ ‬لها‭. ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬توضع‭ ‬هذه‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الآن،‭ ‬وبصراحة،‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬البحث‭ ‬وصنع‭ ‬القرار،‭ ‬وأن‭ ‬يجري‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطراً‭ ‬وشيكاً،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬سيناريو‭ ‬بعيد‭. ‬فالسياسة‭ ‬الحكيمة‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬أسوأ‭ ‬الاحتمالات‭ ‬كي‭ ‬تثبت‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬التحذير‭ ‬منها‭.‬

 

{ مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا