العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

سياسات الغرب مشكلةٌ للعالم كله!

بقلم: د. رضوان السيد

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

متى‭ ‬تبدأ‭ ‬التساؤلات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالذهنيات‭ ‬والأفكار؟‭ ‬قبل‭ ‬متغيرات‭ ‬الواقع‭ ‬أم‭ ‬بعدها‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تقترن؟‭ ‬إذا‭ ‬التفتنا‭ ‬لتطبيق‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حالات‭ ‬غربية‭ ‬بالذات‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المفكر‭ ‬شبنجلر‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬انهيار‭ ‬الغرب‮»‬‭ ‬عام‭ (‬1913‭) ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عمل‭ ‬عليه‭ ‬سنوات‭ ‬عدة،‭ ‬أنكره‭ ‬عليه‭ ‬زملاؤه‭ ‬ملاحظين‭ ‬السلام‭ ‬الطويل‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬أوروبا‭ ‬والتقدم‭ ‬بعد‭ ‬حروب‭ ‬توحيد‭ ‬ألمانيا،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬المخاوف‭ ‬والتوجسات‭ ‬الشبنجلرية‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬حضاري‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬تحققت‭ ‬بنشوب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬

‭ ‬والحالة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ثورات‭ ‬طلاب‭ ‬أوروبا‭ ‬وفي‭ ‬الطليعة‭ ‬شباب‭ ‬الجامعات‭ ‬الألمانية‭ ‬والفرنسية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1968‭. ‬كانت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬أزهى‭ ‬فتراتها‭ ‬وبخاصةٍ‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬لكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يَحُلْ‭ ‬دون‭ ‬استشعار‭ ‬الشباب‭ ‬المتمركسين‭ ‬بالقلق‭ ‬وعدم‭ ‬التوازن‭. ‬ومضت‭ ‬الموجة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الساخطة‭ ‬باتجاه‭ ‬جامعات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬مشكلات‭ ‬حقيقية‭ ‬ظاهرة‭ ‬للعيان؛‭ ‬تطبيق‭ ‬قوانين‭ ‬المساواة‭ ‬المدنية‭ ‬بعد‭ ‬ثوران‭ ‬السود،‭ ‬والحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الشرسة‭ ‬على‭ ‬فيتنام‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬سيطرة‭ ‬شيوعيي‭ ‬الشمال‭ ‬على‭ ‬سايجون‭.‬

إنّ‭ ‬ما‭ ‬أُريد‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬عن‭ ‬التشاؤم‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي،‭ ‬هو‭ ‬بشأن‭ ‬الانحطاط‭ ‬وليس‭ ‬بشأن‭ ‬الانهيار،‭ ‬وهو‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الآسيويين‭ ‬والأفارقة،‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الثائرين‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬الأساتذة‭ ‬بالجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬ومن‭ ‬أصول‭ ‬هندية‭ ‬ومن‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬والعرب،‭ ‬ويُعتبرون‭ ‬من‭ ‬الناجحين‭ ‬في‭ ‬جنة‭ ‬الغرب‭ ‬التي‭ ‬يتمردون‭ ‬عليها‭!.‬

‭ ‬وبالطبع،‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يخطر‭ ‬بالبال‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ (‬1977‭) ‬الذي‭ ‬نعى‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التخصص‭ ‬دوغمائياته‭ ‬وانحيازاته‭ ‬ودأبه‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬صورةٍ‭ ‬مزيفةٍ‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬والعرب،‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬الغرب‭ ‬ومسبقاته‭ ‬الكولونيالية‭. ‬

حصل‭ ‬كتاب‭ ‬سعيد‭ ‬على‭ ‬ترحيبٍ‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬سائر‭ ‬الجهات‭ ‬ومن‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وأوروبا‭. ‬وجاءت‭ ‬التوجهات‭ ‬النقدية‭ ‬من‭ ‬جهتين؛‭ ‬جهة‭ ‬أنصار‭ ‬الاستشراق‭ ‬مثل‭ ‬برنارد‭ ‬لويس،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬التخصصات‭ ‬الأخرى‭ ‬مثل‭ ‬الفلسفة‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭. ‬

برنارد‭ ‬لويس‭ ‬أنكر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المستشرقون‭ ‬في‭ ‬معظمهم‭ ‬متعصبين‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬والإسلام،‭ ‬وذكر‭ ‬كم‭ ‬نشروا‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬والبحوث‭ ‬وطوّروا‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬الفهم‭. ‬أما‭ ‬أهل‭ ‬الاتجاه‭ ‬الآخر،‭ ‬فقالوا‭ ‬إن‭ ‬الاستشراق‭ ‬اهتمام‭ ‬فرعي‭ ‬وهامشي‭ ‬وليس‭ ‬أصلاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الغربية‭. ‬ولم‭ ‬يأبه‭ ‬سعيد‭ ‬بحملة‭ ‬برنارد‭ ‬لويس؛‭ ‬لكنه‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الحملة‭ ‬الثانية‭ ‬سارع‭ ‬لنشر‭ ‬كتابه‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬الثقافة‭ ‬والإمبريالية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذات‭ ‬صبغةٍ‭ ‬استعمارية‭ ‬بشكلٍ‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭.‬

أما‭ ‬النقد‭ ‬الجذري‭ ‬الآخر‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬والذي‭ ‬صار‭ ‬سائداً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فقد‭ ‬قاده‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬المعروف‭ ‬طلال‭ ‬أسد‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬حرّره‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬مواجهات‭ ‬كولونيالية‮»‬‭. ‬سعيد‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬المستشرقين‭ ‬خانوا‭ ‬تقاليد‭ ‬وقيم‭ ‬التنوير،‭ ‬ولو‭ ‬ظلّوا‭ ‬أُمناءَ‭ ‬لها‭ ‬لما‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬دوغمائيات‭ ‬صناعة‭ ‬الصُوَر‭ ‬الزائفة‭ ‬لخدمة‭ ‬الاستعمار‭! ‬

أما‭ ‬الأنثروبولوجيون‭ ‬والمؤرخون‭ ‬الذين‭ ‬تابعوا‭ ‬الحملة‭ ‬الجذرية‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬السبعينيات‭ ‬وأواخر‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مثل‭ ‬غوها‭ ‬وسبيفاك‭ ‬وطلال‭ ‬أسد،‭ ‬فقد‭ ‬اعتبروا‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬التنوير‭ ‬وقيمه‭ ‬وفلسفاته‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬التفكر‭ ‬الغربي،‭ ‬لكن‭ ‬ظلت‭ ‬ممارساتها‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الاستعمار‭ ‬وما‭ ‬بعده‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فقد‭ ‬صارت‭ ‬نفاقاً‭ ‬وخراباً‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬عندما‭ ‬انتهى‭ ‬التكاذب‭. ‬وهذا‭ ‬منطق‭ ‬التيار‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬والسياسي‭ ‬المعروف‭ ‬بتيار‭ ‬التابع‭ ‬Subaltern‭: ‬فهل‭ ‬يستطيع‭ ‬التابع‭ ‬أن‭ ‬يتكلم؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا؛‭ ‬لأنّ‭ ‬اللغة‭ ‬المسماة‭ ‬‮«‬علمية‮»‬‭ ‬هي‭ ‬لغةٌ‭ ‬مسيطرٌ‭ ‬فيها‭ ‬وعليها‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬المصطلحات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬المفردات‭ ‬أيضاً‭.‬

‭ ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عالم‭ ‬‮«‬الاستعارة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اهتمّ‭ ‬به‭ ‬الأُدباء‭ ‬والمفكرون‭ ‬الفرنسيون‭ ‬والأمريكيون‭ ‬والذي‭ ‬يريد‭ ‬السيطرة‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬المتخيَّل‭ ‬بالمعنى‭ ‬الأرسطي،‭ ‬والتأويلات‭ ‬اللسانية‭ ‬الحديثة‭. ‬

وعندما‭ ‬يحمل‭ ‬هؤلاء‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬المتخيل‭ ‬الغربي‭ ‬فهُم‭ ‬يقصدون‭ ‬ليس‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتاريخ‭ ‬مثلاً،‭ ‬بل‭ ‬ويقصدون‭ ‬أيضاً‭ ‬الفن‭ ‬الروائي‭ ‬والرسم‭ ‬وسائر‭ ‬الفنون‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬واستعبادات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كما‭ ‬يسمونها‭!‬

هل‭ ‬هي‭ ‬تيارات‭ ‬فكرية‭ ‬خاب‭ ‬أملها‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬كما‭ ‬خيب‭ ‬الغرب‭ ‬آمال‭ ‬وتوقعات‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬الغربيين،‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬رؤاها‭ ‬السلبية‭ ‬تتأثر‭ ‬بالأحداث؟‭ ‬تيار‭ ‬التابع‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬رؤية‭ ‬وفلسفة‭ ‬مهجوسة‭ ‬باستمرار‭ ‬الاستعمار‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬العلوم‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬غزة‭ ‬الأخيرة‭ ‬انحاز‭ ‬عشرات‭ ‬منهم‭ ‬عرباً‭ ‬وغير‭ ‬عرب‭ ‬لفلسطين‭.‬

إنما‭ ‬المشكلة‭ ‬أننا‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬نحمل‭ ‬على‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بمصطلحات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬والإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬مختلفين‭ ‬مع‭ ‬مفكري‭ ‬تيار‭ ‬التابع‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يقبلون‭ ‬هذه‭ ‬الإنشائيات‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬اخترعها‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬يقول‭ ‬بها،‭ ‬وإلاّ‭ ‬لما‭ ‬حصلت‭ ‬المذبحة‭!‬

 

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬من‭ ‬لبنان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا