ذات ليلة جاءني جدي في الحلم وهو يحمل قصاصة ورق تشبه تلك القصاصات الموجودة في صندوقه الحديدي، مد يده وقدم لي القصاصة فتحتُها وجدت أنه مكتوب فيها (حوار عند مفترق الطريق بين الحقيقة والكذب)، فقال لي جدي: لماذا لم تقرأ هذه الورقة وتكتب عنها، إنها حكاية كل يوم. ثم ذهب واختفى وظلت القصاصة في يدي.
عندما استيقظتُ من النوم، ذهبت مباشرة إلى صندوق جدي وأخذت أقلب القصاصات حتى وجدت حكاية الحقيقة والكذب، في قصاصة تشبه إلى حد كبير القصاصة التي وضعها جدي بين يديّ. وجدت أن جدي كتب فيها هذه الحكاية:
في قديم الزمان، على مفترق طريق لا يظهر على أي خارطة، كان يلتقي كل ليلة كائنان غريبان: الحقيقة، وهي ترتدي ملابس بيضاء بسيطة ليست رثة، ولكنها لا تلفت الانتباه كثيرًا. وأما الكذب، فهو رجل أنيق يرتدي ألف ثوب وثوب، كل ثوب أجمل من الذي قبله، ووجهه يتغيّر، ليحاول أن يري كل إنسان ما يريد أن يراه لا ما هو موجود فعلًا. وكانا يلتقيان كل ليلة عند هذا المفترق، لأن الناس الذين يمرّون بهما يختارون أحدهما ليمشي معهم بقية الطريق.
وفي إحدى الليالي، جلس الاثنان على حجرين متقابلين في نفس المفترق، وبدأ بينهما هذا الحوار؛
الكذب: أراك متعبة الليلة أيتها الحقيقة.
الحقيقة: لست متعبة، لكنني حزينة، فقد مررت اليوم بثلاثة أشخاص، فقط شخص واحد اختار أن يمشي معي.
الكذب (يبتسم بثقة): وأنا مرّ بي المئات، واخترت لهم جميعًا. أتعرفين لماذا؟ لأنني أعطيهم ما يريدون، لا ما هو كائن.
الحقيقة: وهل ما يريدونه يُغنيهم عمّا هو كائن؟
الكذب: في الليل، نعم. الحقيقة ثقيلة يا صديقتي، أنتِ تحملين الناس على أكتافها كل شيء كما هو: الأخطاء التي ارتكبوها، الحب الذي فقدوه، المرض الذي يخافونه. أما أنا، فأخفف عنهم الحمل، وأقول لهم: «كل شيء بخير»، «أنت لست المخطئ»، «الأمر سيُحل من تلقاء نفسه».
الحقيقة: وحينما يستيقظون؟
الكذب (يصمت قليلاً، ثم يضحك ضحكة فيها ارتباك): أنا لا أُهتم بالصباح أو الفجر، أنا كائن ليلي، كائن اللحظة، الفجر والضياء شأنكِ أنتِ.
الحقيقة: هذا بالضبط ما يفرّق بيننا. أنا أبني بيوتًا من حجر، وإن كانت بطيئة، وثقيلة، وتحتاج إلى سنوات لترتفع، لكنها تصمد أمام العاصفة. وأنت تبني قصورًا من ضباب، تسرّ العين ليلاً، لكن مع ضياء الشمس الأولى تتبخر.
الكذب: وإن كان الناس يريدون الضباب لا الحجر؟
الحقيقة: هذا لأنهم لم يبنوا بالحجر بعد ليعرفوا الفرق. جرّب أن تسأل من بنى بيتًا من حجر، هل يريد استبداله بقصر ضباب؟ لن يفعل، مهما كان القصر جميلًا.
في تلك اللحظة وأثناء هذا الحوار الأسطوري مرّ عابر سبيل، شاب مثقل بهمّ يحمله منذ أشهر. توقف عند المفترق، نظر إلى الاثنين، وسأل:
الشاب: من منكما يدلّني على الطريق إلى الراحة والسعادة؟
يتقدّم الكذب بسرعة، بابتسامته المعتادة، وقال: أنا، تعال معي، سأريك طريقًا لا تعب فيه، ستنسى همّك بعد بضع خطوات.
لم تتحرك الحقيقة من مكانها، ولكنها قالت بصوت هادئ وعميق: أنا لا أعِدك بطريق بلا تعب. لكنني أعِدك بطريق ينتهي فعلًا إلى حيث تريد أن تصل، لا إلى حيث يبدو أنك وصلت.
نظر الشاب إلى الاثنين طويلاً. ثم سأل الكذب:
الشاب: وإن مشيت معك، وانتهى الطريق فجأة، ووجدت نفسي ما زلت بعيدًا عن الراحة الحقيقية التي أنشد، فماذا يمكنني أن أفعل؟ وأين ستكون أنت؟
لم يجب الكذب مباشرة، وإنما أشاح بوجهه قليلاً، ثم قال: على الأقل ستكون قد استمتعت بالطريق لوهلة.
سكت الشاب لوهلة منتظرًا أن تتكلم الحقيقة، إلا أنها وقفت صامتة، ولكنها ابتسمت بعد لحظات عندما شعرت أن الشاب على استعداد تام لكي يصغي إليها، فقالت:
الحقيقة: أيها الشاب اسأل نفسك، أي الطريقين تريد أن تسلك؟ الطريق الذي يشعرك فيه أنك وصلت على الرغم من أنك لن تصل من خلاله لشيء، أم طريق الذي تعرف فيه إلى أين تريد أن تصل، وعندما تصل ستعرف أنك وصلت فعلًا؟
ثم سكتت الحقيقة لحظة، وقالت: لك حرية الاختيار، زميلي لن تصل معه إلى مكان، وإنما يوهمك أن قد وصلت، وربما يتخلى عنك في وسط الطريق كعادته، أما أنا الحقيقة فأختلف عنه تمامًا، معي حتمًا ستصل وتسعد وستشعر بالراحة، ولن أتركك أبدًا.
وقف الشاب، ثم اختار أن يمشي مع الحقيقة، ولم يكن الطريق سهلاً؛ إذ إنهما سارا في العتمة، وواجها فيه مخاوفه واحدة تلو الأخرى، لأن الحقيقة لا تُخفي المنعطفات المؤلمة، بل تسير بك خلالها ببطء. لكنه، حين وصل، وصل فعلًا. وحين نظر خلفه، رأى الطريق الذي سلكه بوضوح، ورأى نفسه فيه كما هو، لا كما تمنى أن يكون.
أما الكذب، فبقي عند المفترق، ينتظر عابرًا آخر، يرتدي ثوبًا جديدًا فوق أثوابه القديمة، ويهيّئ ابتسامته من جديد.
تنتهي حكاية جدي عند هذه الفقرة، وإن كانت الحكاية لم تنته بعد؛ ولكن الأدبيات الفلسفية تقول:
إن الحقيقة ليست مجرد ركيزة يبنى عليها المعيار العقلاني للأشياء، بل هي بوصلة ترسم حدود كينونة الإنسان وتحدد موقعه في هذا العالم. إن البحث عن الحقيقة ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو حاجة وجودية ملحّة؛ فالإنسان ينقب عنها ليفهم ما حوله، لكنه أثناء رحلة البحث، يصطدم بأبعادها النفسية والفلسفية التي تجعل من الحقيقة مفهومًا مرّكبًا، سائلًا، وشديد التعقيد. فالحقيقة ليست مجرد معادلة منطقية أو واقعة مادية، بل هي تجربة يعيشها الإنسان بكل تناقضاته. هي مساحة التفاعل الدائم بين عقل يبحث عن النظام واليقين (الفلسفة)، ونفس تتأرجح بين الرغبة في المعرفة والخوف من المجهول (علم النفس). وفي نهاية المطاف، قد لا تكون الحقيقة شيئًا نصل إليه ونمتلكه، بل هي عملية مراجعة مستمرة ونمط عيش يتطلب شجاعة نفسية وعقلية لمواجهة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
ويُظهر التحليل النفسي والفلسفي الوجودي أن الحقيقة المطلقة قد تكون مرعبة؛ فهي تضع الإنسان وجهًا لوجه مع حقيقة فنائه، وعزلته الوجودية، وعدمية بعض جوانب الحياة. من هنا، يمارس الإنسان ما أسماه بعض الفلاسفة نوعًا من (سوء النية) أو التغاضي الإرادي؛ فيفضل (الوهم المريح) على (الحقيقة المؤلمة).
أما الكذب فلا يُعد مجرد انحراف أخلاقي أو زيف يستوجب الإدانة، بل هو ظاهرة معقدة تضرب بجذورها عميقًا في بنية الوعي البشري. فالكذب، في جوهره، ليس مجرد ادعاء غير صحيح، بل هو فعل إرادي يتطلب قدرات عقلية ونفسية رفيعة؛ حيث يقوم الفرد بإعادة صياغة الواقع وتشييد عالم موازٍ يختلف عن المعطى الحسي والمادي. إن التأمل في الكذب يكشف عن تداخل فريد بين الفلسفة التي تبحث في ماهيته وأخلاقياته، وعلم النفس الذي يسبر أغواره ويفكك دوافعه.
إن الكذب مرايا تعكس تعقيد الطبيعة البشرية، فهو يعبّر عن هشاشتنا النفسية وحاجتنا للأمان والقبول، وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على حرية عقولنا وقدرتها الفريدة على صياغة الواقع أو تحريفه. الكذب يضعنا باستمرار أمام تساؤل جوهري: هل نكذب لنحمي أنفسنا من العالم، أم نكذب لنحمي أنفسنا من ذواتنا؟
ويمكننا أن نسأل في ختام هذا المقال، هذا السؤال: لماذا يفضل البشر الكذب على الحقيقة؟
يمكن أن تكون الإجابة في: إن الرغبة البشرية في اختيار الكذب بدلاً من الحقيقة تكمن في كون الحقيقة غالبًا ما تكون ثقيلة ومكلفة، بينما يقدم الكذب حلولاً سريعة ومريحة على المستويات النفسية، الاجتماعية، والوجودية.
وربما إجابات أخرى، لا نعرف.
zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك