العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

صفحات من أوراق جدي القديمة.. بين الحقيقة والكذب

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ذات‭ ‬ليلة‭ ‬جاءني‭ ‬جدي‭ ‬في‭ ‬الحلم‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬قصاصة‭ ‬ورق‭ ‬تشبه‭ ‬تلك‭ ‬القصاصات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬صندوقه‭ ‬الحديدي،‭ ‬مد‭ ‬يده‭ ‬وقدم‭ ‬لي‭ ‬القصاصة‭ ‬فتحتُها‭ ‬وجدت‭ ‬أنه‭ ‬مكتوب‭ ‬فيها‭ (‬حوار‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬الطريق‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكذب‭)‬،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬جدي‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تقرأ‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬وتكتب‭ ‬عنها،‭ ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬‭ ‬ثم‭ ‬ذهب‭ ‬واختفى‭ ‬وظلت‭ ‬القصاصة‭ ‬في‭ ‬يدي‭.‬

عندما‭ ‬استيقظتُ‭ ‬من‭ ‬النوم،‭ ‬ذهبت‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬جدي‭ ‬وأخذت‭ ‬أقلب‭ ‬القصاصات‭ ‬حتى‭ ‬وجدت‭ ‬حكاية‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكذب،‭ ‬في‭ ‬قصاصة‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬القصاصة‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬جدي‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭. ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬جدي‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭:‬

في‭ ‬قديم‭ ‬الزمان،‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬طريق‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬خارطة،‭ ‬كان‭ ‬يلتقي‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬كائنان‭ ‬غريبان‭: ‬الحقيقة،‭ ‬وهي‭ ‬ترتدي‭ ‬ملابس‭ ‬بيضاء‭ ‬بسيطة‭ ‬ليست‭ ‬رثة،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬كثيرًا‭. ‬وأما‭ ‬الكذب،‭ ‬فهو‭ ‬رجل‭ ‬أنيق‭ ‬يرتدي‭ ‬ألف‭ ‬ثوب‭ ‬وثوب،‭ ‬كل‭ ‬ثوب‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬قبله،‭ ‬ووجهه‭ ‬يتغيّر،‭ ‬ليحاول‭ ‬أن‭ ‬يري‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يراه‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬فعلًا‭. ‬وكانا‭ ‬يلتقيان‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬المفترق،‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يمرّون‭ ‬بهما‭ ‬يختارون‭ ‬أحدهما‭ ‬ليمشي‭ ‬معهم‭ ‬بقية‭ ‬الطريق‭.‬

وفي‭ ‬إحدى‭ ‬الليالي،‭ ‬جلس‭ ‬الاثنان‭ ‬على‭ ‬حجرين‭ ‬متقابلين‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المفترق،‭ ‬وبدأ‭ ‬بينهما‭ ‬هذا‭ ‬الحوار؛

الكذب‭: ‬أراك‭ ‬متعبة‭ ‬الليلة‭ ‬أيتها‭ ‬الحقيقة‭.‬

الحقيقة‭: ‬لست‭ ‬متعبة،‭ ‬لكنني‭ ‬حزينة،‭ ‬فقد‭ ‬مررت‭ ‬اليوم‭ ‬بثلاثة‭ ‬أشخاص،‭ ‬فقط‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يمشي‭ ‬معي‭.‬

الكذب‭ (‬يبتسم‭ ‬بثقة‭): ‬وأنا‭ ‬مرّ‭ ‬بي‭ ‬المئات،‭ ‬واخترت‭ ‬لهم‭ ‬جميعًا‭. ‬أتعرفين‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأنني‭ ‬أعطيهم‭ ‬ما‭ ‬يريدون،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭.‬

الحقيقة‭: ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬يريدونه‭ ‬يُغنيهم‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬كائن؟

الكذب‭: ‬في‭ ‬الليل،‭ ‬نعم‭. ‬الحقيقة‭ ‬ثقيلة‭ ‬يا‭ ‬صديقتي،‭ ‬أنتِ‭ ‬تحملين‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬أكتافها‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كما‭ ‬هو‭: ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬ارتكبوها،‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬فقدوه،‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬يخافونه‭. ‬أما‭ ‬أنا،‭ ‬فأخفف‭ ‬عنهم‭ ‬الحمل،‭ ‬وأقول‭ ‬لهم‭: ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بخير‮»‬،‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬لست‭ ‬المخطئ‮»‬،‭ ‬‮«‬الأمر‭ ‬سيُحل‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‮»‬‭.‬

الحقيقة‭: ‬وحينما‭ ‬يستيقظون؟

الكذب‭ (‬يصمت‭ ‬قليلاً،‭ ‬ثم‭ ‬يضحك‭ ‬ضحكة‭ ‬فيها‭ ‬ارتباك‭): ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أُهتم‭ ‬بالصباح‭ ‬أو‭ ‬الفجر،‭ ‬أنا‭ ‬كائن‭ ‬ليلي،‭ ‬كائن‭ ‬اللحظة،‭ ‬الفجر‭ ‬والضياء‭ ‬شأنكِ‭ ‬أنتِ‭.‬

الحقيقة‭: ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يفرّق‭ ‬بيننا‭. ‬أنا‭ ‬أبني‭ ‬بيوتًا‭ ‬من‭ ‬حجر،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بطيئة،‭ ‬وثقيلة،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬لترتفع،‭ ‬لكنها‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬العاصفة‭. ‬وأنت‭ ‬تبني‭ ‬قصورًا‭ ‬من‭ ‬ضباب،‭ ‬تسرّ‭ ‬العين‭ ‬ليلاً،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬ضياء‭ ‬الشمس‭ ‬الأولى‭ ‬تتبخر‭.‬

الكذب‭: ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يريدون‭ ‬الضباب‭ ‬لا‭ ‬الحجر؟

الحقيقة‭: ‬هذا‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يبنوا‭ ‬بالحجر‭ ‬بعد‭ ‬ليعرفوا‭ ‬الفرق‭. ‬جرّب‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬من‭ ‬بنى‭ ‬بيتًا‭ ‬من‭ ‬حجر،‭ ‬هل‭ ‬يريد‭ ‬استبداله‭ ‬بقصر‭ ‬ضباب؟‭ ‬لن‭ ‬يفعل،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬القصر‭ ‬جميلًا‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬وأثناء‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الأسطوري‭ ‬مرّ‭ ‬عابر‭ ‬سبيل،‭ ‬شاب‭ ‬مثقل‭ ‬بهمّ‭ ‬يحمله‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭. ‬توقف‭ ‬عند‭ ‬المفترق،‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬الاثنين،‭ ‬وسأل‭:‬

الشاب‭: ‬من‭ ‬منكما‭ ‬يدلّني‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الراحة‭ ‬والسعادة؟

يتقدّم‭ ‬الكذب‭ ‬بسرعة،‭ ‬بابتسامته‭ ‬المعتادة،‭ ‬وقال‭: ‬أنا،‭ ‬تعال‭ ‬معي،‭ ‬سأريك‭ ‬طريقًا‭ ‬لا‭ ‬تعب‭ ‬فيه،‭ ‬ستنسى‭ ‬همّك‭ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬خطوات‭.‬

لم‭ ‬تتحرك‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬مكانها،‭ ‬ولكنها‭ ‬قالت‭ ‬بصوت‭ ‬هادئ‭ ‬وعميق‭: ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعِدك‭ ‬بطريق‭ ‬بلا‭ ‬تعب‭. ‬لكنني‭ ‬أعِدك‭ ‬بطريق‭ ‬ينتهي‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصل،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يبدو‭ ‬أنك‭ ‬وصلت‭.‬

نظر‭ ‬الشاب‭ ‬إلى‭ ‬الاثنين‭ ‬طويلاً‭. ‬ثم‭ ‬سأل‭ ‬الكذب‭:‬

الشاب‭: ‬وإن‭ ‬مشيت‭ ‬معك،‭ ‬وانتهى‭ ‬الطريق‭ ‬فجأة،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الراحة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬أنشد،‭ ‬فماذا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أفعل؟‭ ‬وأين‭ ‬ستكون‭ ‬أنت؟

لم‭ ‬يجب‭ ‬الكذب‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬أشاح‭ ‬بوجهه‭ ‬قليلاً،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ستكون‭ ‬قد‭ ‬استمتعت‭ ‬بالطريق‭ ‬لوهلة‭.‬

سكت‭ ‬الشاب‭ ‬لوهلة‭ ‬منتظرًا‭ ‬أن‭ ‬تتكلم‭ ‬الحقيقة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬وقفت‭ ‬صامتة،‭ ‬ولكنها‭ ‬ابتسمت‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭ ‬عندما‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬الشاب‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬تام‭ ‬لكي‭ ‬يصغي‭ ‬إليها،‭ ‬فقالت‭:‬

الحقيقة‭: ‬أيها‭ ‬الشاب‭ ‬اسأل‭ ‬نفسك،‭ ‬أي‭ ‬الطريقين‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسلك؟‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يشعرك‭ ‬فيه‭ ‬أنك‭ ‬وصلت‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تصل‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬لشيء،‭ ‬أم‭ ‬طريق‭ ‬الذي‭ ‬تعرف‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصل،‭ ‬وعندما‭ ‬تصل‭ ‬ستعرف‭ ‬أنك‭ ‬وصلت‭ ‬فعلًا؟‭ ‬

ثم‭ ‬سكتت‭ ‬الحقيقة‭ ‬لحظة،‭ ‬وقالت‭: ‬لك‭ ‬حرية‭ ‬الاختيار،‭ ‬زميلي‭ ‬لن‭ ‬تصل‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مكان،‭ ‬وإنما‭ ‬يوهمك‭ ‬أن‭ ‬قد‭ ‬وصلت،‭ ‬وربما‭ ‬يتخلى‭ ‬عنك‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الطريق‭ ‬كعادته،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬الحقيقة‭ ‬فأختلف‭ ‬عنه‭ ‬تمامًا،‭ ‬معي‭ ‬حتمًا‭ ‬ستصل‭ ‬وتسعد‭ ‬وستشعر‭ ‬بالراحة،‭ ‬ولن‭ ‬أتركك‭ ‬أبدًا‭.‬

وقف‭ ‬الشاب،‭ ‬ثم‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يمشي‭ ‬مع‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الطريق‭ ‬سهلاً؛‭ ‬إذ‭ ‬إنهما‭ ‬سارا‭ ‬في‭ ‬العتمة،‭ ‬وواجها‭ ‬فيه‭ ‬مخاوفه‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬لأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تُخفي‭ ‬المنعطفات‭ ‬المؤلمة،‭ ‬بل‭ ‬تسير‭ ‬بك‭ ‬خلالها‭ ‬ببطء‭. ‬لكنه،‭ ‬حين‭ ‬وصل،‭ ‬وصل‭ ‬فعلًا‭. ‬وحين‭ ‬نظر‭ ‬خلفه،‭ ‬رأى‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬بوضوح،‭ ‬ورأى‭ ‬نفسه‭ ‬فيه‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬تمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭.‬

أما‭ ‬الكذب،‭ ‬فبقي‭ ‬عند‭ ‬المفترق،‭ ‬ينتظر‭ ‬عابرًا‭ ‬آخر،‭ ‬يرتدي‭ ‬ثوبًا‭ ‬جديدًا‭ ‬فوق‭ ‬أثوابه‭ ‬القديمة،‭ ‬ويهيّئ‭ ‬ابتسامته‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

تنتهي‭ ‬حكاية‭ ‬جدي‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬الفقرة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الحكاية‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬بعد؛‭ ‬ولكن‭ ‬الأدبيات‭ ‬الفلسفية‭ ‬تقول‭:‬

إن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ركيزة‭ ‬يبنى‭ ‬عليها‭ ‬المعيار‭ ‬العقلاني‭ ‬للأشياء،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بوصلة‭ ‬ترسم‭ ‬حدود‭ ‬كينونة‭ ‬الإنسان‭ ‬وتحدد‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬إن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا‭ ‬ذهنيًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حاجة‭ ‬وجودية‭ ‬ملحّة؛‭ ‬فالإنسان‭ ‬ينقب‭ ‬عنها‭ ‬ليفهم‭ ‬ما‭ ‬حوله،‭ ‬لكنه‭ ‬أثناء‭ ‬رحلة‭ ‬البحث،‭ ‬يصطدم‭ ‬بأبعادها‭ ‬النفسية‭ ‬والفلسفية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬مفهومًا‭ ‬مرّكبًا،‭ ‬سائلًا،‭ ‬وشديد‭ ‬التعقيد‭. ‬فالحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معادلة‭ ‬منطقية‭ ‬أو‭ ‬واقعة‭ ‬مادية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تجربة‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاته‭. ‬هي‭ ‬مساحة‭ ‬التفاعل‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬عقل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬واليقين‭ (‬الفلسفة‭)‬،‭ ‬ونفس‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬المجهول‭ (‬علم‭ ‬النفس‭). ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬شيئًا‭ ‬نصل‭ ‬إليه‭ ‬ونمتلكه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬مراجعة‭ ‬مستمرة‭ ‬ونمط‭ ‬عيش‭ ‬يتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬نفسية‭ ‬وعقلية‭ ‬لمواجهة‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭.‬

ويُظهر‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬والفلسفي‭ ‬الوجودي‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مرعبة؛‭ ‬فهي‭ ‬تضع‭ ‬الإنسان‭ ‬وجهًا‭ ‬لوجه‭ ‬مع‭ ‬حقيقة‭ ‬فنائه،‭ ‬وعزلته‭ ‬الوجودية،‭ ‬وعدمية‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬يمارس‭ ‬الإنسان‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬بعض‭ ‬الفلاسفة‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ (‬سوء‭ ‬النية‭) ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬الإرادي؛‭ ‬فيفضل‭ (‬الوهم‭ ‬المريح‭) ‬على‭ (‬الحقيقة‭ ‬المؤلمة‭).‬

أما‭ ‬الكذب‭ ‬فلا‭ ‬يُعد‭ ‬مجرد‭ ‬انحراف‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬زيف‭ ‬يستوجب‭ ‬الإدانة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ظاهرة‭ ‬معقدة‭ ‬تضرب‭ ‬بجذورها‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الوعي‭ ‬البشري‭. ‬فالكذب،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ادعاء‭ ‬غير‭ ‬صحيح،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬إرادي‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرات‭ ‬عقلية‭ ‬ونفسية‭ ‬رفيعة؛‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬الفرد‭ ‬بإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الواقع‭ ‬وتشييد‭ ‬عالم‭ ‬موازٍ‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬المعطى‭ ‬الحسي‭ ‬والمادي‭. ‬إن‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬الكذب‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬فريد‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬ماهيته‭ ‬وأخلاقياته،‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬الذي‭ ‬يسبر‭ ‬أغواره‭ ‬ويفكك‭ ‬دوافعه‭.‬

إن‭ ‬الكذب‭ ‬مرايا‭ ‬تعكس‭ ‬تعقيد‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬فهو‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬هشاشتنا‭ ‬النفسية‭ ‬وحاجتنا‭ ‬للأمان‭ ‬والقبول،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬عقولنا‭ ‬وقدرتها‭ ‬الفريدة‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬تحريفه‭. ‬الكذب‭ ‬يضعنا‭ ‬باستمرار‭ ‬أمام‭ ‬تساؤل‭ ‬جوهري‭: ‬هل‭ ‬نكذب‭ ‬لنحمي‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬أم‭ ‬نكذب‭ ‬لنحمي‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬ذواتنا؟

ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬يفضل‭ ‬البشر‭ ‬الكذب‭ ‬على‭ ‬الحقيقة؟

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬في‭: ‬إن‭ ‬الرغبة‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الكذب‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬الحقيقة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬ثقيلة‭ ‬ومكلفة،‭ ‬بينما‭ ‬يقدم‭ ‬الكذب‭ ‬حلولاً‭ ‬سريعة‭ ‬ومريحة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬النفسية،‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والوجودية‭.‬

وربما‭ ‬إجابات‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭.‬

 

zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا