قد يبدو تأثرنا بأحداث بعيدة آلاف الأميال وحتى فرعية، غريبًا وحتى لغزًا. هذا المقال يوضح هذا اللغز لكي نراه فعلًا، خاصة أهمية استخدام الأساليب المناسبة للتعامل معه.
والحالة التي أستشهد بها هي الانتخابات الفرعية، سواء كانت انتخابات بلدية أو وطنية جزئية، في نيويورك أو ولاية ميشيجان.
العامل المشترك بين هاتين الحالتين هو مواجهتهما للوبي الصهيوني «أيباك»، الذي قام بصرف ملايين الدولارات لمنع انتخاب مرشحين من أصول إسلامية أو عربية، والإصرار على انتخاب مرشحين موالين صراحة لإسرائيل، واستخدام الأموال الأمريكية لمساندة المشروع الصهيوني المتطرف الذي لا يبغي فقط مواصلة الاحتلال، بل تدعيمه والتوسع فيه على حساب الدول المجاورة، من لبنان وسوريا وحتى مصر وغيرها.
ألا نتذكر تصريح رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو عندما اقترح على السعودية نقل الفلسطينيين إلى أراضيها لإعطاء المساحة اللازمة للمستوطنين؟ بل إنه بالنسبة إلى مصر الوضع حقيقة أخطر، حيث إن الأمر لا يقتصر على النوايا والتصريحات الإسرائيلية، بل هناك خطط لتوطين الفلسطينيين في جزء من سيناء، من هنا هذه الرابطة المباشرة مع هذه الانتخابات الأمريكية الفرعية.
ولنبدأ بانتخاب زهران ممداني عمدة لنيويورك، وممداني وصل إلى أمريكا في سن الطفولة من بلده أوغندا، ولكنه من أصول هندية، كالملايين من الآسيويين الذين تركوا قارتهم المزدحمة إلى فضاء إفريقي قليل السكان. وبالمصادفة سمعت عن زهران الطفل آنذاك من والده، أستاذ علم الاجتماع السياسي المتميز، والذي كان يقوم بالتدريس في جامعة كولومبيا عندما تقابلنا في أحد المؤتمرات الأكاديمية.
بالطبع لم أكن أعرف حينئذ أن هذا الطفل سيكون له هذا المستقبل السياسي المرموق، والذى، رغم حياته وتعليمه الأمريكي، لا ينسى أصوله في العالم الثالث، وبالتالي تقوم أجندته الانتخابية على مساعدة الفقراء في كل مكان، بدءًا من مدينة نيويورك التي يعاني فيها الفقراء فعلًا، ومن هنا كان تركيزه على أهمية إتاحة الموارد اللازمة في مجالي الصحة والتعليم لمحدودي الدخل، كما أنه يود أيضًا أن يحصل هؤلاء على وسائل مواصلات مجانية وإيجارات سكن منخفضة، وأنجز فعلًا تخفيضًا كبيرًا في مراكز رعاية الأطفال، وهي ضرورة مطلوبة لتمكين الفقيرات من النساء العاملات من الذهاب إلى أعمالهن والحصول على الدخل المطلوب.
أعلن ممداني في حملته الانتخابية حوالي 100 تعهد لمساعدة الفقراء، قام بتنفيذ 18% منها، ولم يتم العام الأول من انتخابه. لكنه يحتاج إلى المال لتنفيذ معظم هذه التعهدات، بينما أن ميزانية نيويورك تعاني من العجز، ومن هنا تأتى أهمية المحافظة على هذه الموارد المالية بدلًا من إرسالها للخارج لمساعدة إسرائيل، التي استفادت من حوالي 300 مليار دولار من المساعدات الأمريكية منذ نشأتها في 1948، وحسب الاتفاق المبرم في 2019 ولمدة 10 سنوات، تتلقى إسرائيل 3.8 مليارات دولار سنويًا، أي 38 مليار دولار بنهاية 2028. هذه هي النقطة المشتركة بين ممداني، عمدة نيويورك، والمرشح المحتمل لمجلس الشيوخ عن أحد دوائر ميشيجان، الدكتور عبدالرحمن محمد السيد.
على العكس من ممداني، عبدالرحمن السيد مولود في أمريكا، وبالتالي من حقه أن يستمر ترشيحه حتى منصب الرئيس الأمريكي. هو من أصل مصري، وهو حاليًا طبيب، ولذلك له مصداقية كبيرة عندما يعلن انتقاده لدور النظام الطبي الأمريكي في معالجة الفقراء على أمل أن تكون وسائل المعالجة والشفاء متاحة.
وفي خطاباته المتعددة يركز على النواحي الاجتماعية، مثل التعليم وإصلاح النظام الضريبي حتى يقوم الأغنياء بدفع نصيبهم من الضرائب، وبالتالي مساعدة ولاية ميشيجان وغيرها في الحصول على الموارد المالية المختلفة للقيام بهذه المهام الاجتماعية، كما أن المطلب الآخر هو عدم تبديد هذه الموارد المالية بإرسالها إلى الخارج، وخاصة إسرائيل التي لا تدافع عن حقها في الوجود كما تدعي، ولكن تستمر في احتلال أراضي الآخرين، بل وتمارس التفرقة العنصرية والإبادة الجماعية.
ومن هنا إعلان هذا العداء المستشري بين اللوبي الصهيوني «أيباك» وكل من ممداني والسيد، بل تحاول أيباك نشر الأخبار بأن كلًا من ممداني والسيد ما هما إلا كارهين لليهود وجزءا من التوجهات العالمية ضد السامية. وبما أن بعض اليهود الأمريكيين هم من مؤيدي ممداني والسيد، فقد ركزت أيباك على اتهامهم بالاشتراكية والشيوعية.
وقد أعلن ذلك أخيرًا أيضًا الرئيس ترامب في هجومه على عبدالرحمن السيد، أي أنهم ضد أمريكا، بل خونة. فكما نتذكر، منذ الحرب الباردة كانت الشيوعية وحتى الاشتراكية لهما توجهات عدائية ضد النظام الأمريكي ككل، بل وما هما إلا عقيدة تخريبية يجب حماية أمريكا من وجودهما أصلًا.
وأتذكر قصة أخبرني بها زميل من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، وهو أنه عند إنشاء مركز للبحوث والدراسات في بداية الخمسينيات، كان الاسم المقترح والمنطقي هو مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، وبما أن في اللغة الإنجليزية يقترب الاسم «اجتماعي» أو «social» من لفظ «socialist» أو اشتراكي.
فقد اقترح البعض تجنب لفظ «اجتماعي» هذا أو «social» لتجنب الخلط، وتم تسمية المركز بأنه للعلوم والبحوث السلوكية أو Behavioral . إلى هذا الحد كان يتم دمج أي توجه اجتماعي أو انتقاد الفروق الاجتماعية بأنه جزء لا يتجزأ من الهجوم الشيوعي ضد النظام الرأسمالي الأمريكي الذي يجب حمايته.
وهكذا تقوم أيباك بدفع ملايين الدولارات للعودة إلى الوراء حتى تتمكن من إلصاق تهمة الخيانة وعدم الأمريكية بهؤلاء السياسيين مثل ممداني وعبدالرحمن السيد، بعد أن رأت أن دعوتهما لعدم إرسال أموال دافعي الضرائب لمساعدة إسرائيل العدوانية والتوسعية تلقى رواجًا بين عدد متزايد من الأمريكيين، حتى بين شباب اليهود منهم.
في هذه المعركة التي تخصنا رغم بُعد المسافة، لا يجب أن نترك هؤلاء السياسيين الشباب بمفردهم أمام ضلال اللوبي الصهيوني وأمواله، بل ندعم قضيتهم لأنها قضيتنا؟
{ أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك