العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل تكون الانتخابات فرصة لتغيير الواقع الفلسطيني؟

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحديات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تواجهه،‭ ‬والحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬كفاحية‭ ‬جديدة‭ ‬وشاملة،‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬انتخاب‭ ‬قيادة‭ ‬وطنية‭ ‬جديدة‭ ‬فاعلة‭ ‬لقيادة‭ ‬نضاله‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬متلاطم‭ ‬من‭ ‬المؤامرات‭ ‬على‭ ‬حقوقه،‭ ‬أبرزها‭ ‬محاولات‭ ‬تنفيذ‭ ‬نكبة‭ ‬جديدة‭ ‬وتطهير‭ ‬عرقي‭ ‬ضدّه،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬انتخاب‭ ‬مؤسّسات‭ ‬سلطة‭ ‬مسلوبة‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬وواقعة،‭ ‬مثل‭ ‬شعبها،‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭.‬

ولذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬انتخابات‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي،‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لمنظّمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دوره‭ ‬التشريعي،‭ ‬عن‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬لبقية‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬وهي‭ ‬انتخابات‭ ‬يطالب‭ ‬بها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬عاماً،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يُستبدل‭ ‬بها‭ ‬التعيين‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلّا‭ ‬إلى‭ ‬المراوحة‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬التحدّيات‭.‬

يمكن‭ ‬للانتخابات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬إن‭ ‬جرت‭ ‬بشكل‭ ‬نزيه‭ ‬وديمقراطي،‭ ‬أن‭ ‬تحقّق‭ ‬ثلاثة‭ ‬أهداف‭: ‬أوّلها‭ ‬استعادة‭ ‬البنيان‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الذي‭ ‬تهشّم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬بأن‭ ‬يستبدل‭ ‬بحالة‭ ‬التفرّد‭ ‬والحكم‭ ‬بالمراسيم‭ ‬الفصل‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬التشريعية‭ ‬والقضائية‭ ‬والتنفيذية،‭ ‬لفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تعدّدية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬البنيان‭ ‬الفلسطيني‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابّة،‭ ‬وتجدّد‭ ‬الدماء‭ ‬وتفعّل‭ ‬الطاقات،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشراك‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أينما‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ممثّليهم‭ ‬وقياداتهم‭ ‬ورؤيتهم‭ ‬السياسية‭ ‬بالانتخاب‭ ‬الحرّ،‭ ‬وليس‭ ‬بالتعيين‭ ‬ونظام‭ ‬‮«‬الكوتا‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬عفا‭ ‬عليه‭ ‬الزمن‭.‬

ثاني‭ ‬الأهداف،‭ ‬إنهاء‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭ ‬الداخلي،‭ ‬وتوحيد‭ ‬البنيان‭ ‬الوطني‭ ‬عبر‭ ‬هيئات‭ ‬منتخبة‭ ‬ديمقراطياً،‭ ‬تضمّ‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭ ‬أو‭ ‬تمييز،‭ ‬وتعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬والقوّة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتسقط‭ ‬مؤامرة‭ ‬فصل‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬عن‭ ‬الضفّة‭ ‬الغربية‭ ‬ومؤامرة‭ ‬فرض‭ ‬السيادة‭ ‬الخارجية‭ ‬والأجنبية‭ ‬على‭ ‬القطاع‭.‬

وثالث‭ ‬الأهداف،‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬شمولها‭ ‬الضفّة‭ ‬الغربية‭ ‬والقدس‭ ‬وقطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬المقاومة‭ ‬المدنية‭ ‬لإجراءات‭ ‬الاستيطان‭ ‬والضمّ‭ ‬والإرهاب‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وأداةً‭ ‬تؤكّد‭ ‬حقّ‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬ووسيلةً‭ ‬لبناء‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلّة‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭ ‬الاحتلال‭ ‬والمقاومة‭ ‬للإملاءات‭ ‬والتدخّلات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬تفكيك‭ ‬مقوّمات‭ ‬النضال‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬أو‭ ‬إخراج‭ ‬قوى‭ ‬وطنية‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬البنيان‭ ‬السياسي‭ ‬الفلسطيني‭.‬

ربّما‭ ‬ظنّت‭ ‬بعض‭ ‬أطراف‭ ‬خارجية‭ ‬أنّ‭ ‬فرض‭ ‬شروط‭ ‬سياسية‭ ‬على‭ ‬الترشّح‭ ‬والمرشَّحين‭ ‬سيؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬إخراج‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬من‭ ‬الساحة،‭ ‬وهندسة‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬قبل‭ ‬إجرائها،‭ ‬ولكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬الظنّ‭ ‬فشل‭ ‬وخاب‭ ‬بسبب‭ ‬إصرار‭ ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬وظهور‭ ‬مبادرات‭ ‬عديدة‭ ‬لتشكيل‭ ‬قوائم‭ ‬يجمعها‭ ‬هدف‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬واستعادة‭ ‬الحقّ‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬الانتخاب‭ ‬واختيار‭ ‬القيادات،‭ ‬وهو‭ ‬حقّ‭ ‬حُرم‭ ‬منه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬عاماً‭.‬

ويمكن‭ ‬للانتخابات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬إن‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬والقبول‭ ‬بالتعدّدية‭ ‬وحقّ‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬حرّية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير،‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬أداةً‭ ‬تنهي‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭. ‬ولتحقيق‭ ‬هذا،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬تجنّب‭ ‬استقطاب‭ ‬حادّ‭ ‬جديد‭ ‬يعمّق‭ ‬الانقسام‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يزيله‭. ‬ويرتبط‭ ‬هذا‭ ‬بأن‭ ‬تُبنى‭ ‬التحالفات‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬مبدئية‭ ‬وسياسية‭ ‬واضحة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الفئوية‭ ‬والفصائلية‭ ‬فقط‭.‬

هناك‭ ‬مخاطر‭ ‬عديدة‭ ‬تهدّد‭ ‬الانتخابات،‭ ‬أولها‭ ‬أنّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأهمّ‭ ‬حلفائها‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬إجراءها،‭ ‬ويسعون‭ ‬إلى‭ ‬عرقلتها‭ ‬لأنّها‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬مخطّطاتهم‭ ‬لتصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ولفصل‭ ‬غزّة‭ ‬عن‭ ‬الضفّة‭ ‬الغربية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬نكبة‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭. ‬وقد‭ ‬تعرقل‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الانتخابات‭ ‬بتعطيل‭ ‬القدرات‭ ‬اللوجستية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتنفيذها،‭ ‬أو‭ ‬بتفجير‭ ‬الأوضاع‭ ‬الأمنية‭ ‬لمنع‭ ‬حدوثها،‭ ‬وذلك‭ ‬يتطلّب‭ ‬من‭ ‬لجنة‭ ‬الانتخابات‭ ‬المركزية‭ ‬استباق‭ ‬المخاطر‭ ‬ببدائل‭ ‬فعّالة‭ ‬لا‭ ‬تعيق‭ ‬سلامة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬ونزاهتها،‭ ‬كما‭ ‬يتطلّب‭ ‬تعاونَ‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تذليل‭ ‬العقبات‭ ‬المُصطنَعة‭. ‬

وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬وأيّاً‭ ‬كانت‭ ‬الصعوبات،‭ ‬يجب‭ ‬التمسّك‭ ‬بمبادئ‭ ‬لا‭ ‬نحيد‭ ‬عنها،‭ ‬هي‭: ‬أولاً،‭ ‬رفض‭ ‬استبدال‭ ‬الانتخابات،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬بالتعيين‭. ‬وثانياً،‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المصاعب‭ ‬بوصفها‭ ‬حافزاً‭ ‬للإصرار‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬تأجّلت‭ ‬مدّةً‭ ‬محدودةً‭ ‬جدّاً‭ ‬لأسباب‭ ‬قاهرة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬إلغائها‭ ‬بأيّ‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭. ‬وثالثاً،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬الانتخابات‭ ‬المجلسَيْن،‭ ‬التشريعي‭ ‬والوطني،‭ ‬وكذلك‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مبرّر‭ ‬لتأخيرها‭ ‬أو‭ ‬تأجيلها‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عبرة‭ ‬يجب‭ ‬الأخذ‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الماضي،‭ ‬فهي‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسّسات‭ ‬الوطنية‭ ‬تفقد‭ ‬طاقاتها‭ ‬وقدراتها،‭ ‬وتتعرّض‭ ‬للجمود‭ ‬والترهّل‭ ‬والتآكل،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تُجدَّد‭ ‬دماؤها‭ ‬دورياً‭ ‬بانتخاباتٍ‭ ‬تتكرّر‭ ‬في‭ ‬موعدها‭. ‬

لسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬خارجية‭ ‬أو‭ ‬منّة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬لإجراء‭ ‬الانتخابات،‭ ‬فهي‭ ‬حقّ‭ ‬طبيعي‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬يدين‭ ‬له‭ ‬القادة‭ ‬والفصائل‭ ‬والسياسيون‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬لديهم‭. ‬فلولا‭ ‬نضاله‭ ‬وعطاؤه‭ ‬وتضحياته،‭ ‬لاندثرت‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬واختفت‭ ‬المقدّرات‭ ‬التي‭ ‬يُتنازَع‭ ‬عليها،‭ ‬للأسف‭. ‬وقد‭ ‬آن‭ ‬أوان‭ ‬ترسيخ‭ ‬القناعة‭ ‬بأنّ‭ ‬المناصب‭ ‬والمراكز‭ ‬القيادية‭ ‬وظيفتها‭ ‬خدمة‭ ‬الشعب،‭ ‬وليست‭ ‬التسيّد‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬مقدّراته‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة

‭ ‬المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا