لم يول الإعلام – العربي منه على الأقل – اهتماماً كافياً بتقديرنا بقمة دول منظمة شنغهاي التي تحمل اسم المدينة الثانية في الصين بعد العاصمة بكين، التي توازي في مكانتها وأهميتها مدينة نيويورك بالنسبة للولايات المتحدة، رغم أهميتها البالغة، بالنظر لما تمثله الدول المشاركة، في هذه المنظمة، التي تضم عشر دول، إضافة إلى دولتين بصفة مراقب، وأربع أخرى كدول جوار، وبالنظر أيضا للتوقيت الذي انعقدت فيه، وما صدر عنها من بيان ختامي، أكد على تحدي قرارات واشنطن بشأن العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران، وضد كل من يتعاون معها.
وتشمل مجموعة شنغهاي للتعاون إضافة إلى الصين، كلاً من روسيا، الهند، باكستان، وإيران وخمسا من الدول الآسيوية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، وقد حضر اجتماع القمة كل من الرؤساء الصيني تشي جين بينغ، والروسي فلاديمير بوتين، والإيراني مسعود بازشكيان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فبعد أن كانت الصين قد أعلنت قبل انعقاد القمة أنها ستواصل تعاملها التجاري مع إيران وفق القانون الدولي، برز موقف روسيا، بالمشاركة في البيان الختامي، الذي أكد على الحل بالوسائل السلمية بما يعني ضمنا رفض الحرب الأمريكية بشكليها العسكري والاقتصادي.
ذلك أن انتصار أمريكا في هذه الحرب كان سوف يعني تثبيت أركان نظامها العالمي الذي أقامته على أنقاض نظام الحرب الباردة، أما فشلها فيعني فتح الباب واسعا أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب، تسعى له كل من الصين وروسيا، منذ وقت، وبشكل صريح ومعلن.
وإذا كانت القوة العسكرية والاقتصادية للصين وروسيا، تكفي لتقديم قطب عالمي، يتحدى أمريكا، فإن وجود كل من الهند وباكستان وتركيا مع تلك الدول يعني أن منظمة شنغهاي تشكل نصف تعداد العالم بنحو ثلاثة ونصف مليار إنسان، كذلك تشكل قوة اقتصادية هائلة بـ35 تريليون دولار، ولأن دول المنظمة سواء الدول الأعضاء أو دول الجوار، تعني أن الحديث يدور عن دول آسيا الوسطى، أو دول الشرق الأدنى وفي ظهرها الصين والهند، بينما أمامها روسيا، وهي المنطقة المجاورة للشرق الأوسط، الذي تدور فيه الحرب الآن، على الطاقة وعلى أهم ممر تجاري عالمي، لتحديد وجهة النظام العالمي. وحتى من دون بريكس تمثل دول شنغهاي للتعاون ثقلاً مقابل القطب الاقتصادي/العسكري الغربي، ولعل المقارنة بين هذه المجموعة وإن كانت مجموعة تعاون اقتصادي وبين دول الناتو التي اجتمعت في أنقرة مؤخرا، يظهر أن النظام العالمي متعدد الأقطاب قادم فيما النظام العالمي الأمريكي في طريقه إلى التلاشي، فإذا كانت دول شنغهاي تبدو موحدة ومتماسكة، فإن دول الناتو أو شركاء أمريكا العسكريين والاقتصاديين يبدون متفككين ومتخاصمين، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يحضر قمة الناتو إلا من أجل صداقته للرئيس أردوجان، فيما الخلافات تظهر كل يوم بينه وبين شركائه سواء الدول الأوروبية أو كندا أو دول أمريكا الوسطى، خاصة حول التعاون التجاري بسبب ما بات يفرضه من زيادة في التعرفات الجمركية، ومن نوايا السطو على ثرواتهم، سواء في فنزويلا التي قام بالسطو على نفطها أو غرينلاند، أو كندا.
وكان لافتا ان باكستان وتركيا كانتا من بين المشاركين في القمة، وبأعلى تمثيل شخصي للرئيس أردوجان ولرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني يمثلان أهمية خاصة، كونهما قد شكلا تحالفاً عسكرياً مع السعودية مؤخراً، وهما مع السعودية ومصر يمثلون العالم الإسلامي السني، بالطبع مع إندونيسيا أيضاً.
إن توجه الرئيس الصيني بعد القمة مباشرة إلى مصر، يؤكد أن شنغهاي تسعى لإكمال قوس حضورها في الشرق الأوسط ليشمل ضلعاً مهماً وهو مصر، فيما قد تكون السعودية هي المحطة التالية، وللصين مع السعودية حزمة اتفاقيات تجارية مهمة جداً، وهكذا تكون الصين قد بدأت فعلياً التحضير لمرحلة ما بعد الوجود العسكري والاقتصادي الأمريكي في الشرق الأوسط، ليس من خلال أن تحل مكانها عبر قواعد عسكرية أو هيمنة بحرية على الممرات المائية، ولكن من خلال شبكة علاقات تظهر محتوى النظام متعدد الأقطاب دولياً، بتشكل نظام إقليمي متعدد الأقطاب أيضاً، أو متكامل، ليس فقط عبر تعاون الدول، ولكن عبر تكامل الممرات التجارية، البحرية منها والبرية.
فإذا كانت الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط الهادفة إلى تثبيت أركان النظام العالمي الأمريكي، وتدشين النظام الإقليمي الاسرائيلي، قد أظهرت الحاجة الأمريكية للسيطرة على مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ثم دفعت دول الخليج – السعودية والإمارات خاصة – لتفعيل الطرق البديلة عبر نويبع والفجيرة، فإن الصين تؤكد عبر مشروع «الحزام والطريق» البري، الذي يربط قارات آسيا وإفريقيا وصولاً إلى أوروبا، بما يتطلبه من مشاركة ثلاثة أرباع العالم، في مشاريع التجارة العالمية، القائمة على الشراكة في الإنتاج والتسويق، في ظل نظام عالمي جماعي، أكثر عدالة ومساواة من النظام العالمي الأمريكي الحالي.
ويرى البعض ان غضب الرئيس الأمريكي من بيان شنغهاي وما اظهره من التحدي الصيني والروسي، هو الذي دفعه الى التصعيد ضد إيران في الليلة التي تلت إعلان البيان الختامي لقمة شنغهاي وشن الهجوم العسكري رغم أن جميع المراقبين والمحللين والخبراء العسكريين يجمعون على أن الحرب لم تحقق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وأن ضربات عسكرية هنا وهناك، لن تغير من واقع الحال شيئاً، خاصة في ظل تآكل المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الصواريخ والقذائف، حتى إن كان الحديث يدور عن عمليات عسكرية مركزة، تستهدف انهاء ازمة مضيق هرمز.
المهم في الأمر أنه قد اتضح تماماً أن أمريكا وإسرائيل لن تنتصرا في حربهما على دول وشعوب الشرق الأوسط؛ وذلك لأن هذه الحرب تحدد مستقبل العالم، وهي تفصل بين نظامين عالميين، أحدهما آفل والآخر قادم، وطال الوقت أم قصر، فليس أمام أمريكا إلا أن تسقط ما تبقى لديها من اتجاهات «شعبوية» في الحزب الجمهوري، بعد الثورة التي وقعت في الحزب الديمقراطي، بما يؤهل أمريكا لأن تكون أحد أقطاب النظام العالمي متعدد الأقطاب القادم، على قاعدة الشراكة والمساواة والعدالة.
كذلك ليس أمام إسرائيل، إلا أن تطرد اليمين المتطرف من صفوفها، وتسقط نتنياهو وجوقته الفاشية، مرتكبي حرب الإبادة ودعاة التهجير وإسرائيل الكبرى، وقد تكون الانتخابات المقبلة في إسرائيل وأمريكا هي قارب النجاة لهما.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك