أثارت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» - التي وقعتها كل من المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا في 7 أغسطس 2026 - مقارنات سريعة وأطلق عليها مسمى «حلف ناتو إسلامي».
ورغم أن هذا التشبيه بدا سابقاً لأوانه في البداية، فإن التصريحات اللاحقة الصادرة عن مسؤولين باكستانيين وأتراك بارزين جعلت من الصعب استبعاد هذا الطرح تماماً.
فقد دعا وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، إلى إقامة ترتيب للدفاع الجماعي بين الدول الإسلامية على غرار حلف الناتو، فيما ذهب وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى أبعد من ذلك، واصفاً اتفاق مكة بأنه يماثل -من الناحية الفنية- المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، ومناقشاً خططاً لإنشاء آلية وزارية وأمانة عامة دائمة في المملكة العربية السعودية.
اتسم موقف الرياض بمزيد من الحذر، إذ تجنبت وصف الاتفاقية رسمياً بأنها تمثل «حلف ناتو» آخر. ولهذا الاختلاف أهمية؛ ففي حين تتفق الحكومات الثلاث عموماً على تعزيز الردع الجماعي، إلا أنها قد لا تضفي - حتى الآن - الدلالة السياسية أو المؤسسية ذاتها على هذا الترتيب.
وعليه، فإن القياس على حلف الناتو يُعدّ مثيرا للاهتمام ولكنه سابق لأوانه؛ إذ لا تستند مصداقية الناتو فحسب إلى بند الدفاع الجماعي، بل إلى عقود من التخطيط العسكري المتكامل، وهياكل القيادة، وقابلية التشغيل البيني، والتنسيق الاستخباراتي، والتشاور السياسي، ولم يُظهر «ميثاق مكة» بعدُ وجود أي شيء يضاهي ذلك.
تكمن أهمية هذا الاتفاق في جانب آخر؛ إذ يبدأ في الربط بين أمن منطقة الخليج وأمن جنوب آسيا ضمن إطار مشترك، في وقت تسعى فيه القوى الإقليمية إلى إيجاد آليات إضافية للتعامل مع حالة عدم اليقين، دون التخلي عن شراكاتها الخارجية القائمة.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يعكس الاتفاق إعادة تقييم للملف الأمني في منطقة تتزايد فيها الاضطرابات وحالة عدم الاستقرار. ولطالما اعتمدت الرياض بشكل كبير على الولايات المتحدة الأمريكية في مجالي الردع والقدرات العسكرية المتقدمة؛ غير أن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية الخليجية، والتهديدات التي طالت مسارات الطاقة، والأزمات الإقليمية المتلاحقة، قد كشفت عن المخاطر الكامنة في الاعتماد المفرط على طرف خارجي واحد لتوفير الأمن.
لا يعني هذا بالمرة أن واشنطن قد فقدت أهميتها؛ إذ تظل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة مرتبطتين ارتباطا وثيقا عبر علاقات دفاعية واقتصادية واستراتيجية. وبدلاً من ذلك، تبدو الرياض عازمة على تعزيز تلك العلاقة بشراكات إضافية.
ومن خلال ضم تركيا وباكستان إلى إطار للدفاع الجماعي، توسّع المملكة العربية السعودية دائرة الأطراف التي يتعين على المعتدي المحتمل أخذها في الحسبان.
ورغم أن الاتفاق لا يحدد علناً رداً عسكرياً مسبقاً، فإن حالة عدم اليقين هذه قد تسهم بحد ذاتها في تعزيز الردع؛ إذ قد يؤدي أي عدوان إلى عواقب سياسية أو لوجستية أو عسكرية أوسع نطاقاً.
أما تركيا فهي توسع بهذه الخطوة نطاق التعاون ليشمل ما هو أبعد من العلاقة الدفاعية السعودية الباكستانية العريقة. تجمع أنقرة بين خبرة عسكرية تقليدية واسعة وخبرة في حلف الناتو، إلى جانب صناعة دفاعية سريعة النمو، وهي تتكامل مع الجهود والقدرات السعودية الرامية إلى تعزيز الإنتاج الدفاعي المحلي وتنويع مصادر التوريد.
وقد يُثبت الإنتاج المشترك والشراكات التقنية والتدريبات وتعزيز قابلية التشغيل البيني في نهاية المطاف أهميةً أكبر من بند الدفاع الجماعي الرئيسي في الاتفاقية.
وبالنسبة إلى أنقرة، توفر الاتفاقية أيضاً مدى استراتيجياً أوسع؛ فتركيا لا تستبدل حلف الناتو بتكتل إقليمي، بل تضيف شراكة أخرى إلى سياسة خارجية تتسم بشكل متزايد بتداخل العلاقات.
تتمتع باكستان بمقومات متنوعة؛ إذ تجعلها عقود من التعاون العسكري مع المملكة العربية السعودية، وما تمتلكه من قوة بشرية كبيرة وخبرة عملياتية، شريكاً أمنياً طبيعياً.
كما يعزز وضع باكستان كدولة نووية من ثقلها الاستراتيجي العام، إذ لا تقل أهميةً عن ذلك مكانة باكستان الدبلوماسية؛ فقد سعت إسلام آباد إلى إقامة علاقات عملية مع أطراف إقليمية متنافسة، وعززت موقعها كوسيط محتمل خلال فترات التوتر.
ومن ثم، فإن مشاركة باكستان تعقّد محاولات تصوير الاتفاق على أنه تحالف معادٍ لإيران بشكل صريح؛ إذ تتشارك إسلام آباد الحدود مع إيران، ولديها دوافع استراتيجية قوية للحفاظ على علاقات مستقرة مع طهران.
تتكامل مصالح الأعضاء الثلاثة من دون أن تكون متطابقة؛ وقد يثبت ذلك أنه يمثل في آنٍ واحدٍ مصدر قوة الاتفاق وتحديه الرئيسي.
تظل إيران متغيراً استراتيجياً مهماً، رغم عدم ذكرها صراحةً في الاتفاقية. فقد أصبحت القدرات الصاروخية الإيرانية وقدرات الطائرات المسيرة، والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، عواملَ رئيسيةً في تصورات التهديد لدى دول الخليج؛ ومن ثم، فإن سعي المملكة العربية السعودية لتعزيز قدرات الردع في ظل هذه المخاطر يُعد أمراً مهما ومفهوماً.
ومع ذلك، لا مصلحة لأي من الأطراف الثلاثة الموقعة في إضفاء طابع مؤسسي على المواجهة الدائمة مع طهران؛ فتركيا تجمع بين المنافسة الاستراتيجية والانخراط الاقتصادي والدبلوماسي، ولدى باكستان دوافع قوية للحفاظ على الاستقرار على طول حدودها مع إيران، كما أن لدى المملكة العربية السعودية أسباباً تحتم عليها الحيلولة دون أن يؤدي عدم الاستقرار الإقليمي إلى تقويض تحولها الاقتصادي.
لذا، يسعى الاتفاق إلى تحقيق هدفٍ أكثر دقةً من مجرد تشكيل تحالفٍ مناهضٍ لإيران. فهو يهدف إلى رفع مستوى التكاليف المحتملة للعدوان من دون تحديد مصدره بشكلٍ رسمي.
يُحافظ هذا الاتفاق على الحيز الدبلوماسي، ويتيح معالجة نطاقٍ أوسع من التهديدات، لكن الغموض الاستراتيجي لا يُجدي نفعًا إلا إذا اعتقد الخصوم المحتملون أن التزام الدفاع الجماعي ينطوي على عواقب. يزداد الأمر تعقيداً عندما لا يأتي العدوان بشكل مباشر من دولة أخرى.
تتشكل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بفعل الطائرات المسيرة والصواريخ والمليشيات وشبكات الوكلاء، تماماً كما تتشكل بفعل الحروب التقليدية.
هل ستستجيب كل من تركيا وباكستان عسكرياً في حال وجود تهديد أمني، أم أنهما ستقدمان المساعدة في مجالي الاستخبارات والدفاع الجوي، أم أنهما ستكتفيان بتقديم الدعم الدبلوماسي؟
تُطرح تساؤلات مماثلة خارج منطقة الخليج؛ ففي حال تصاعدت مواجهة أخرى بين الهند وباكستان، كيف ستُقيّم كل من الرياض وأنقرة نطاق التزاماتهما تجاه إسلام آباد؟ وتُضيف عضوية تركيا في حلف الناتو بُعداً آخر من التعقيد إلى هذا المشهد.
وتلامس هذه الأسئلة جوهر مفهوم الردع؛ إذ تكتسب تدابير الدفاع الجماعي مصداقيتها حين يدرك الخصوم أن أي هجوم سيترتب عليه تكاليف باهظة، غير أن الدول الأعضاء تحتاج أيضاً إلى قدر كافٍ من المرونة للحيلولة دون تحوّل المواجهة المحلية إلى تصعيد خارج عن السيطرة.
ومن ثم، ستعتمد مصداقية الاتفاقية على بناء المؤسسات؛ إذ يمكن لأمانة عامة دائمة وآلية وزارية توفير التنسيق السياسي، غير أن المصداقية العسكرية تتطلب تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء مناورات مشتركة، ووضع خطط للطوارئ، وترتيبات لوجستية، وإرساء إجراءات متفق عليها للتشاور.
وفي غياب مثل هذه الآليات، ستظل الاتفاقية مجرد إشارة سياسية في المقام الأول؛ أما بوجودها، فقد تتطور لتصبح مؤسسة أمنية فاعلة، من دون أن تتحول إلى تحالف على غرار حلف الناتو.
لعل أبرز سمات هذه الاتفاقية وأكثرها أهمية أنها تشرع في إرساء دعائم جسر استراتيجي يربط بين مسرحين أمنيين كان يُنظر إليهما تقليدياً على أنهما منفصلان؛ إذ تعني مشاركة باكستان أن إطار الدفاع الجماعي -الذي يتمحور جزئياً حول أمن الخليج- بات يمتد الآن ليشمل بيئةً تتشكل ملامحها بفعل التنافس بين الهند وباكستان، والدور الإقليمي للصين، ومبدأ الردع النووي.
تسير العلاقة في الاتجاه المعاكس؛ إذ ينطوي عدم الاستقرار في منطقة الخليج على تداعيات مباشرة على باكستان، وذلك عبر قضايا أمن الطاقة، والاستثمار، والتعاون العسكري، والعلاقات مع إيران.
ولا يعني هذا أن المملكة العربية السعودية أو تركيا ستصبحان تلقائياً طرفين في صراعات جنوب آسيا، أو أن باكستان ستشارك في كل مواجهة خليجية؛ بل إن غياب هذه الآلية التلقائية قد يكون هو بالضبط ما يتيح لهذا الترتيب أن يعمل بفعالية.
ومن ثم، لا تكمن أهمية الاتفاقية ببساطة في انضمام باكستان إلى ترتيب دفاعي آخر؛ إذ إنها قد تُغيّر الجغرافيا التي يُفهم من خلالها الأمن الإقليمي، مما يضع قدرات الردع الخليجية والمنافسة الاستراتيجية في جنوب آسيا في حالة من التفاعل الوثيق.
على مدى عقود، تمحور جانب كبير من الهيكل الأمني في الشرق الأوسط حول ضمانات خارجية، ولا سيما تلك التي توفرها الولايات المتحدة. غير أن «اتفاق مكة» يشير إلى تزايد رغبة دول المنطقة في إرساء ترتيبات يمكنها صياغتها بنفسها، وذلك إلى جانب شراكاتها القائمة.
ولا يُعد هذا بالضرورة تراجعاً أمريكياً أو رفضاً لواشنطن؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية وشبكات استخباراتية ونطاقاً لوجستياً كبيراً.
ما يتغير هو طابع «الحصرية»؛ إذ يمكن للمملكة العربية السعودية الحفاظ على علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة مع تعميق التعاون الدفاعي في الوقت ذاته مع كل من تركيا وباكستان.
وبوسع تركيا البقاء في حلف الناتو مع تطوير أطر إقليمية إضافية، كما يمكن لباكستان الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الصين مع الإبقاء على علاقاتها مع واشنطن والرياض وأنقرة وطهران.
وبالنسبة إلى واشنطن، قد تسهم زيادة القدرات الإقليمية في تقاسم الأعباء، إلا أن تزايد المسؤوليات سيؤدي أيضاً إلى مزيد من الاستقلالية، بما في ذلك ظهور مبادرات لا تتولى الولايات المتحدة تصميمها أو السيطرة عليها بشكل حصري.
تتمثل المسألة الجوهرية في مدى قدرة كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان على تحويل الالتزام السياسي بالدفاع الجماعي إلى تعاون أمني ملموس وموثوق.
تتمتع الدول الثلاث بمزايا نوعية؛ فالسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً، وتتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعية دفاعية، بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية ونفوذاً دبلوماسياً، غير أن إعلان الالتزام بالدفاع الجماعي أسهل بكثير من وضعه موضع التنفيذ.
يتعين على الاتفاقية تحديد آليات التشاور بين الدول الأعضاء أثناء الأزمات، والتمييز بين عدوان الدول وهجمات الجهات الفاعلة من غير الدول، فضلاً عن تحديد طبيعة المساعدة التي تستعد كل دولة لتقديمها. كما ستعتمد ديمومة هذا الاتفاق على قدرة الحكومات المعنية على إدارة علاقاتها خارج إطار الاتفاقية، ولا سيما علاقاتها مع إيران.
في حال تطورت آليات فعالة للتشاور والتنسيق العسكري وإدارة الأزمات، فقد تصبح «مكة» تجسيداً مؤسسياً مبكراً لنظام أمني إقليمي أكثر تنوعاً. ويُعد الاستخدام المتزايد لمصطلحات حلف الناتو من قِبَل المسؤولين الباكستانيين والأتراك مؤشراً على طموح سياسي؛ أما تحوّل هذا الخطاب إلى واقع عملي ملموس، فيعتمد على طبيعة المؤسسات التي ستُبنى فعليا حوله.
وتكمن الأهمية الكبرى لهذا الاتفاق في تعزيز التفاعل بين أمن منطقة الخليج وأمن جنوب آسيا، بالتزامن مع انعكاسه لتحول أوسع نحو تعزيز الدور الإقليمي الفاعل والشراكات المتداخلة.
وسيتمثل الاختبار الحقيقي للاتفاق ليس في مقارنة قادته له بحلف الناتو، بل في قدرته على جعل كلفة العدوان باهظة من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى زيادة احتمالات التصعيد.
{ أكاديمية وباحثة بجامعة جوستيس ليبيغ بألمانيا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك