منذ نكبة عام 1948، لم يتوقف الكيان الإسرائيلي عن قضم الأرض الفلسطينية وتوسيع عدوانه، مستفيداً من صمت دولي مطبق وعجز رسمي عربي عن المواجهة؛ إلى أن أصبح الفلسطينيون وحيدين في ميدان المواجهة.
ومع ذلك، فإن مراجعة مسار الصراع تفرض علينا تجنب البكائيات التاريخية، والالتفات إلى ثلاث معضلات بنيوية ذاتية وخارجية، تفسر لماذا تفوق الاحتلال عسكرياً وسياسياً، بينما تعثر الفلسطينيون في نيل حقوقهم.
أولى هذه المعضلات تكمن في جمود النخبة القيادية الفلسطينية؛ فبينما أنتج النظام الإسرائيلي عبر تداوله السياسي عشرات الوجوه والمدارس –من بن جوريون وجولدا مائير إلى رابين وبيجين ونتنياهو– تتنوع أساليبهم وتتحد غاياتهم، ظلت القيادة الفلسطينية محصورة تاريخياً في ثلاث وجوه رئيسية (الشقيري، وعرفات، وعباس)، ما أنتج ركوداً في الرؤية والأدوات. وتتلاقى هذه الأزمة القيادية مع عجز إعلامي فلسطيني وعربي ممتد، فشل في مخاطبة الرأي العام الغربي أو اختراق دوائر صنع السياسة في العواصم الكبرى لتحجيم دعم إسرائيل. هذا الاخفاق الخارجي انعكس داخلياً، في صورة انقسام سياسي وجغرافي حاد، لا يعود فقط لتدخلات الأطراف الإقليمية، بل إلى ضعف آليات إدارة الصراع والقرار الفردي.
إن تفكيك هذه الثلاثية – بنية التوجهات السياسية، والخطاب الخارجي، والانقسام الداخلي – هو المدخل الإجباري لفهم كيف كسب الاحتلال معركة الرواية حتى وقعت حرب الإبادة في غزة، ولماذا بقيت الحقوق الفلسطينية بلا ظهير استراتيجي للإجابة عن هذين السؤالين سنتناول المسألة من زاويتين:
أولها: مأسسة الاحتلال وشخصنة القيادة.. معضلة التداول والجمود: تكمن المفارقة الصادمة في قدرة الكيان الصهيوني، رغم بنيته الاجتماعية الهجينة والقائمة على شتات من المهاجرين، على بناء نظام سياسي «مؤسساتي» شديد الفعّالية. لقد استطاع هذا النظام، عبر عقود، إقصاء وجوه واستدعاء أخرى عبر صناديق الاقتراع، دون أن تهتز عقيدته الاستراتيجية الثابتة. من ديفيد بن جوريون وجولدا مائير، مروراً بـ إسحاق رابين ومناحيم بيجين، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو، تبدلت المدارس الفكرية بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، وتنوعت التكتيكات بين «حمائم» و«صقور»، لكن الغاية النهائية ظلت واحدة ومقدسة: الحفاظ على الوجود الإسرائيلي، وقضم الأرض وتصفية الحق الفلسطيني.
في المقابل، عانت الحركة الوطنية الفلسطينية من أزمة «شخصنة السلطة» وغياب التداول الحقيقي. على مدار أكثر من سبعة عقود، اختزلت القيادة الفلسطينية المنظمة تاريخياً في ثلاثة وجوه رئيسية: أحمد الشقيري، ثم ياسر عرفات، وصولاً إلى محمود عباس الذي يمثل امتداداً لنفس مدرسة القيادة الفردية. هذا الجمود البنيوي في هرم السلطة لم يكن مجرد غياب الأشخاص، بل كان غياباً لتجديد الفكر والأدوات الاستراتيجية. تحولت مؤسسات الثورة والدولة لاحقاً إلى هياكل بيروقراطية تدور في فلك «الزعيم»، مما أفقد الحالة الفلسطينية القدرة على المناورة والمواكبة، وجعل القرار الوطني رهيناً لرؤية الفرد لا المؤسسة.
ثانيهما: صدمة الرواية.. كيف يربحون الغرب ونخسر الرأي العام؟
المعركة مع الاحتلال لم تكن يوماً عسكرية فحسب، بل هي في جوهرها معركة «رواية» هناك إخفاق مُركب للإعلام الفلسطيني، ومن خلفه الإعلام العربي؛ إذ عجزت الماكينة الإعلامية طوال عقود عن اختراق وعي صانع القرار الغربي، أو حتى بناء جسور حقيقية مع الرأي العام في العواصم الكبرى لحثها على تقليص دعم إسرائيل.
لقد وقع الإعلام العربي في فخ «مخاطبة الذات»، متبنياً خطاباً عاطفياً يعتمد على البكائيات والشعارات الحماسية الداخلية، دون إدراك لبراجماتية العقل الغربي الذي لا تحركه العواطف بل المصالح والمفاهيم القانونية والحقوقية. في المقابل، نجحت البروباجندا الصهيونية في تسويق رواية مزيفة، تصور إسرائيل كـ«واحة للديمقراطية والحداثة» محاصرة بمحيط من الأعداء.
هذا الفشل في تسويق عدالة القضية بلغة يفهمها الغرب، حرم الفلسطينيين من ظهير دولي وشعبي كان يمكنه محاصرة الموقف الأمريكي والأوروبي، وتدفيع الاحتلال ثمن جرائمه سياسياً واقتصادياً.
وثالثهما: الانقسام الداخلي.. عَرَضّ لمشكلة «آلية إدارة الصراع»
لا يمكن قراءة المشهد الفلسطيني الراهن من دون التوقف أمام شرخ الانقسام العميق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو الانقسام الذي أكل الأخضر واليابس وأضعف الموقف التفاوضي والمقاوم على حد سواء. لكن هذا الانقسام، في حقيقته، ليس مجرد صراع فصائلي على مكاسب سلطوية ضيقة، بل هو عَرَضّ لمشكلة أعمق يتعلق بـ «آلية إدارة الصراع» نفسها.
لقد أديرت الحالة السياسية الفلسطينية بمنطق الإقصاء، وغياب الشراكة الوطنية الحقيقية. عندما التقت رغبة التفرد بالسلطة مع عجز الفصائل عن التوافق على استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين العمل الدبلوماسي والمقاومة على الأرض، كانت النتيجة الحتمية هي التشظي. إن غياب مجلس وطني جامع، ومؤسسات ديمقراطية حقيقية تحتكم للشعب، جعل من الصعب إدارة التباينات الفكرية والسياسية بين نهج «التسوية» و«نهج المقاومة»، لتُحول الخلاف الاستراتيجي المشروط صحياً في أي حركة تحرر، إلى انقسام جغرافي وسياسي قاتل استغله الاحتلال لترسيخ فصل الضفة عن غزة وتعميق الاستيطان.
السؤال الجوهري الذي يطرح في هذا السياق هو: ما الطريق الذي يسلكه الفلسطينيون للخروج من هذا التيه؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال نتوقف عند التجارب النضالية العالمية التي يمكن للفلسطينيين الاستفادة منها.
وفي النهاية، تكشف لنا هذه المقارنة الصريحة والمرة، أن التفوق الإسرائيلي لم يكن قدراً محتوماً، بقدر ما كان نتاجاً لتنظيم داخلي واستغلال ذكي للعلاقات الدولية وتوظيف متفوق الإعلام، إن استرداد الحقوق الفلسطينية لا يمر عبر انتظار معجزة دولية أو صحوة ضمير عالمي، بل يبدأ حتماً من ترتيب البيت الداخلي.
إن التاريخ يثبت أن عدالة القضية ليست كافية للانتصار ما لم تقترن بإدارة ذكية؛ وهنا تحديداً، تبرز القيمة الحقيقية لقراءة تجارب حركات التحرر العالمية الناجحة حيث تقدم للفلسطينيين دروساً بليغة في هذا الصدد. ففي جنوب أفريقيا، لم يسقط نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) إلا عندما نجح المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا في توحيد الجبهة الداخلية، وبناء خطاب قانوني وإنساني عالمي عزل النظام الحاكم دولياً، وفرض عليه عقوبات اقتصادية خانقة.
وبالمثل نجحت الثورة الجزائرية ضد الاستيطان الفرنسي، لأنها استطاعت صهر كافة التيارات السياسية في «جبهة التحرير الوطني»، وتدويل القضية في الأمم المتحدة بالتوازي مع العمل على الأرض. وحتى الثورة الفيتنامية، استطاعت دحر القوة العسكرية الأمريكية ليس فقط عبر حرب العصابات، بل بفضل اختراق الرأي العام داخل أمريكا نفسها، وتحريك الشارع ضد حكومته.
هذه النماذج تؤكد أن النجاح يتطلب دوماً قيادة مرنة، وتداولاً للأدوار، وخطاباً خارجياً يخاطب مصالح وعقول القوى المؤثرة.
إن المخرج الوحيد من هذا التيه السياسي يتطلب ثورة شاملة في آليات العمل؛ تبدأ بضخ دماء جديدة وشابة في عصب القيادة عبر تداول ديمقراطي حقيقي، وصياغة خطاب إعلامي عصري يخاطب الغرب بلغة القانون الدولي والإنساني، والأهم من ذلك، بناء عقيدة سياسية موحدة تنهي الانقسام وتقوم على الشراكة لا الإقصاء. بدون هذه المراجعة الذاتية الشجاعة، سيبقى الاحتلال يتمدد على الأرض ويبقى الفلسطينيون يمتلكون أعدل قضية على وجه الأرض.. ولكن بأدوات هي الأضعف.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك