العدد : ١٧٧٠١ - الأربعاء ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠١ - الأربعاء ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القضية الفلسطينية والاستفادة من التجارب النضالية العالمية

بقلم: د. جاسم بونوفل

الأربعاء ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬نكبة‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬الكيان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عن‭ ‬قضم‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتوسيع‭ ‬عدوانه،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬صمت‭ ‬دولي‭ ‬مطبق‭ ‬وعجز‭ ‬رسمي‭ ‬عربي‭ ‬عن‭ ‬المواجهة؛‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬وحيدين‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬المواجهة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مراجعة‭ ‬مسار‭ ‬الصراع‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬تجنب‭ ‬البكائيات‭ ‬التاريخية،‭ ‬والالتفات‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬معضلات‭ ‬بنيوية‭ ‬ذاتية‭ ‬وخارجية،‭ ‬تفسر‭ ‬لماذا‭ ‬تفوق‭ ‬الاحتلال‭ ‬عسكرياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬بينما‭ ‬تعثر‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬نيل‭ ‬حقوقهم‭.‬

أولى‭ ‬هذه‭ ‬المعضلات‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬جمود‭ ‬النخبة‭ ‬القيادية‭ ‬الفلسطينية؛‭ ‬فبينما‭ ‬أنتج‭ ‬النظام‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عبر‭ ‬تداوله‭ ‬السياسي‭ ‬عشرات‭ ‬الوجوه‭ ‬والمدارس‭      ‬–من‭ ‬بن‭ ‬جوريون‭ ‬وجولدا‭ ‬مائير‭ ‬إلى‭ ‬رابين‭ ‬وبيجين‭ ‬ونتنياهو–‭ ‬تتنوع‭ ‬أساليبهم‭ ‬وتتحد‭ ‬غاياتهم،‭ ‬ظلت‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬محصورة‭ ‬تاريخياً‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬وجوه‭ ‬رئيسية‭ (‬الشقيري،‭ ‬وعرفات،‭ ‬وعباس‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬أنتج‭ ‬ركوداً‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬والأدوات‭. ‬وتتلاقى‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬القيادية‭ ‬مع‭ ‬عجز‭ ‬إعلامي‭ ‬فلسطيني‭ ‬وعربي‭ ‬ممتد،‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬مخاطبة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬اختراق‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬الكبرى‭ ‬لتحجيم‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭. ‬هذا‭ ‬الاخفاق‭ ‬الخارجي‭ ‬انعكس‭ ‬داخلياً،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬انقسام‭ ‬سياسي‭ ‬وجغرافي‭ ‬حاد،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬لتدخلات‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬والقرار‭ ‬الفردي‭.‬

إن‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الثلاثية‭ ‬–‭ ‬بنية‭ ‬التوجهات‭ ‬السياسية،‭ ‬والخطاب‭ ‬الخارجي،‭ ‬والانقسام‭ ‬الداخلي‭ ‬–‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬الإجباري‭ ‬لفهم‭ ‬كيف‭ ‬كسب‭ ‬الاحتلال‭ ‬معركة‭ ‬الرواية‭ ‬حتى‭ ‬وقعت‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬ولماذا‭ ‬بقيت‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بلا‭ ‬ظهير‭ ‬استراتيجي‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذين‭ ‬السؤالين‭ ‬سنتناول‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬زاويتين‭:‬

أولها‭: ‬مأسسة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وشخصنة‭ ‬القيادة‭.. ‬معضلة‭ ‬التداول‭ ‬والجمود‭: ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الصادمة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬رغم‭ ‬بنيته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الهجينة‭ ‬والقائمة‭ ‬على‭ ‬شتات‭ ‬من‭ ‬المهاجرين،‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬‮«‬مؤسساتي‮»‬‭ ‬شديد‭ ‬الفعّالية‭. ‬لقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬عبر‭ ‬عقود،‭ ‬إقصاء‭ ‬وجوه‭ ‬واستدعاء‭ ‬أخرى‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تهتز‭ ‬عقيدته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الثابتة‭. ‬من‭ ‬ديفيد‭ ‬بن‭ ‬جوريون‭ ‬وجولدا‭ ‬مائير،‭ ‬مروراً‭ ‬بـ‭ ‬إسحاق‭ ‬رابين‭ ‬ومناحيم‭ ‬بيجين،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬تبدلت‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬بين‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار‭ ‬وأقصى‭ ‬اليمين،‭ ‬وتنوعت‭ ‬التكتيكات‭ ‬بين‭ ‬‮«‬حمائم‮»‬‭ ‬و«صقور‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬الغاية‭ ‬النهائية‭ ‬ظلت‭ ‬واحدة‭ ‬ومقدسة‭: ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وقضم‭ ‬الأرض‭ ‬وتصفية‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬عانت‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬شخصنة‭ ‬السلطة‮»‬‭ ‬وغياب‭ ‬التداول‭ ‬الحقيقي‭. ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬اختزلت‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المنظمة‭ ‬تاريخياً‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬وجوه‭ ‬رئيسية‭: ‬أحمد‭ ‬الشقيري،‭ ‬ثم‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬امتداداً‭ ‬لنفس‭ ‬مدرسة‭ ‬القيادة‭ ‬الفردية‭. ‬هذا‭ ‬الجمود‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬غياب‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬غياباً‭ ‬لتجديد‭ ‬الفكر‭ ‬والأدوات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬تحولت‭ ‬مؤسسات‭ ‬الثورة‭ ‬والدولة‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬هياكل‭ ‬بيروقراطية‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬‮«‬الزعيم‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬أفقد‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬والمواكبة،‭ ‬وجعل‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬رهيناً‭ ‬لرؤية‭ ‬الفرد‭ ‬لا‭ ‬المؤسسة‭.‬

ثانيهما‭: ‬صدمة‭ ‬الرواية‭.. ‬كيف‭ ‬يربحون‭ ‬الغرب‭ ‬ونخسر‭ ‬الرأي‭ ‬العام؟

المعركة‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬عسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬معركة‭ ‬‮«‬رواية‮»‬‭ ‬هناك‭ ‬إخفاق‭ ‬مُركب‭ ‬للإعلام‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ومن‭ ‬خلفه‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي؛‭ ‬إذ‭ ‬عجزت‭ ‬الماكينة‭ ‬الإعلامية‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭ ‬عن‭ ‬اختراق‭ ‬وعي‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الغربي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬الكبرى‭ ‬لحثها‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭.‬

لقد‭ ‬وقع‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬‮«‬مخاطبة‭ ‬الذات‮»‬،‭ ‬متبنياً‭ ‬خطاباً‭ ‬عاطفياً‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬البكائيات‭ ‬والشعارات‭ ‬الحماسية‭ ‬الداخلية،‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬لبراجماتية‭ ‬العقل‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تحركه‭ ‬العواطف‭ ‬بل‭ ‬المصالح‭ ‬والمفاهيم‭ ‬القانونية‭ ‬والحقوقية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬نجحت‭ ‬البروباجندا‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬رواية‭ ‬مزيفة،‭ ‬تصور‭ ‬إسرائيل‭ ‬كـ«واحة‭ ‬للديمقراطية‭ ‬والحداثة‮»‬‭ ‬محاصرة‭ ‬بمحيط‭ ‬من‭ ‬الأعداء‭. ‬

هذا‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬عدالة‭ ‬القضية‭ ‬بلغة‭ ‬يفهمها‭ ‬الغرب،‭ ‬حرم‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬ظهير‭ ‬دولي‭ ‬وشعبي‭ ‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬محاصرة‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي،‭ ‬وتدفيع‭ ‬الاحتلال‭ ‬ثمن‭ ‬جرائمه‭ ‬سياسياً‭ ‬واقتصادياً‭.‬

وثالثهما‭: ‬الانقسام‭ ‬الداخلي‭.. ‬عَرَضّ‭ ‬لمشكلة‭ ‬‮«‬آلية‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‮»‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الراهن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬أمام‭ ‬شرخ‭ ‬الانقسام‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وهو‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬أكل‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬وأضعف‭ ‬الموقف‭ ‬التفاوضي‭ ‬والمقاوم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام،‭ ‬في‭ ‬حقيقته،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صراع‭ ‬فصائلي‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬سلطوية‭ ‬ضيقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عَرَضّ‭ ‬لمشكلة‭ ‬أعمق‭ ‬يتعلق‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬آلية‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‮»‬‭ ‬نفسها‭.‬

لقد‭ ‬أديرت‭ ‬الحالة‭ ‬السياسية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بمنطق‭ ‬الإقصاء،‭ ‬وغياب‭ ‬الشراكة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحقيقية‭. ‬عندما‭ ‬التقت‭ ‬رغبة‭ ‬التفرد‭ ‬بالسلطة‭ ‬مع‭ ‬عجز‭ ‬الفصائل‭ ‬عن‭ ‬التوافق‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والمقاومة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬الحتمية‭ ‬هي‭ ‬التشظي‭. ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬مجلس‭ ‬وطني‭ ‬جامع،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬حقيقية‭ ‬تحتكم‭ ‬للشعب،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إدارة‭ ‬التباينات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬بين‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬التسوية‮»‬‭ ‬و«نهج‭ ‬المقاومة‮»‬،‭ ‬لتُحول‭ ‬الخلاف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المشروط‭ ‬صحياً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حركة‭ ‬تحرر،‭ ‬إلى‭ ‬انقسام‭ ‬جغرافي‭ ‬وسياسي‭ ‬قاتل‭ ‬استغله‭ ‬الاحتلال‭ ‬لترسيخ‭ ‬فصل‭ ‬الضفة‭ ‬عن‭ ‬غزة‭ ‬وتعميق‭ ‬الاستيطان‭.‬

السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يسلكه‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التيه؟‭ ‬قبل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬التجارب‭ ‬النضالية‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬الصريحة‭ ‬والمرة،‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قدراً‭ ‬محتوماً،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬نتاجاً‭ ‬لتنظيم‭ ‬داخلي‭ ‬واستغلال‭ ‬ذكي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وتوظيف‭ ‬متفوق‭ ‬الإعلام،‭ ‬إن‭ ‬استرداد‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬انتظار‭ ‬معجزة‭ ‬دولية‭ ‬أو‭ ‬صحوة‭ ‬ضمير‭ ‬عالمي،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬حتماً‭ ‬من‭ ‬ترتيب‭ ‬البيت‭ ‬الداخلي‭. ‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬عدالة‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬كافية‭ ‬للانتصار‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقترن‭ ‬بإدارة‭ ‬ذكية؛‭ ‬وهنا‭ ‬تحديداً،‭ ‬تبرز‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لقراءة‭ ‬تجارب‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬العالمية‭ ‬الناجحة‭ ‬حيث‭ ‬تقدم‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬دروساً‭ ‬بليغة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭. ‬ففي‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ (‬الأبارتايد‭) ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬نجح‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الأفريقي‭ ‬بزعامة‭ ‬نيلسون‭ ‬مانديلا‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وبناء‭ ‬خطاب‭ ‬قانوني‭ ‬وإنساني‭ ‬عالمي‭ ‬عزل‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭ ‬دولياً،‭ ‬وفرض‭ ‬عليه‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة‭.‬

وبالمثل‭ ‬نجحت‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية‭ ‬ضد‭ ‬الاستيطان‭ ‬الفرنسي،‭ ‬لأنها‭ ‬استطاعت‭ ‬صهر‭ ‬كافة‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬‮«‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‮»‬،‭ ‬وتدويل‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬وحتى‭ ‬الثورة‭ ‬الفيتنامية،‭ ‬استطاعت‭ ‬دحر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬حرب‭ ‬العصابات،‭ ‬بل‭ ‬بفضل‭ ‬اختراق‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬داخل‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها،‭ ‬وتحريك‭ ‬الشارع‭ ‬ضد‭ ‬حكومته‭.‬

هذه‭ ‬النماذج‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬يتطلب‭ ‬دوماً‭ ‬قيادة‭ ‬مرنة،‭ ‬وتداولاً‭ ‬للأدوار،‭ ‬وخطاباً‭ ‬خارجياً‭ ‬يخاطب‭ ‬مصالح‭ ‬وعقول‭ ‬القوى‭ ‬المؤثرة‭.‬

إن‭ ‬المخرج‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التيه‭ ‬السياسي‭ ‬يتطلب‭ ‬ثورة‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬العمل؛‭ ‬تبدأ‭ ‬بضخ‭ ‬دماء‭ ‬جديدة‭ ‬وشابة‭ ‬في‭ ‬عصب‭ ‬القيادة‭ ‬عبر‭ ‬تداول‭ ‬ديمقراطي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وصياغة‭ ‬خطاب‭ ‬إعلامي‭ ‬عصري‭ ‬يخاطب‭ ‬الغرب‭ ‬بلغة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والإنساني،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬بناء‭ ‬عقيدة‭ ‬سياسية‭ ‬موحدة‭ ‬تنهي‭ ‬الانقسام‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬لا‭ ‬الإقصاء‭. ‬بدون‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭ ‬الذاتية‭ ‬الشجاعة،‭ ‬سيبقى‭ ‬الاحتلال‭ ‬يتمدد‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ويبقى‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬يمتلكون‭ ‬أعدل‭ ‬قضية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭.. ‬ولكن‭ ‬بأدوات‭ ‬هي‭ ‬الأضعف‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا