إن بناء الجاهزية المهنية مسار لا يقل أهمية عن المسار الأكاديمي، فبعد أن يحصل الطالب على شهادته الجامعية، يحتفل بتخرجه، ثم يبدأ البحث عن الوظيفة التي انتظرها سنوات. وهنا قد يأتي السؤال: «خريج جامعي، ويحمل شهادة ومعدلًا جيدًا... لماذا لم يجد وظيفة إلى الآن»؟.
السؤال مشروع، لكن هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: إلى جانب الشهادة الجامعية، ماذا يحمل الخريج إلى سوق العمل من مهارات وقدرة على التطبيق؟
فالشهادة الجامعية إنجاز مهم، والمعرفة التخصصية تمثل أساسًا لعديد من المهن. لكن الانتقال إلى سوق العمل يحتاج أيضًا إلى القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى مهارات وتطبيق وقيمة يستطيع الخريج تقديمها لصاحب العمل.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تكاملًا: شهادة تثبت ما درسته، ومهارات وخبرات تطبيقية تثبت ما تستطيع أن تقدمه في واقع العمل.
قبل عقود، حين كان عدد الحاصلين على التعليم الجامعي أقل بكثير، كان المؤهل الجامعي في حد ذاته يمنح صاحبه قدرًا أكبر من التميز في سوق العمل.
أما اليوم، ومع اتساع فرص التعليم الجامعي وتزايد أعداد الخريجين، يدخل سوق العمل أعداد كبيرة من الشباب يحمل كثير منهم مؤهلات وتخصصات متشابهة، فتتغير معها طبيعة المنافسة على الفرص. فعندما يتقدم عشرات الخريجين إلى الوظيفة نفسها، ويحمل معظمهم المؤهل المطلوب، فما الميزة التنافسية لخريج دون آخر؟
هنا تتسع المعادلة لتشمل ما أضافه الخريج إلى مؤهله خلال سنوات الدراسة: المهارات التي أتقنها، والخبرات التي خاضها، وقدرته على تطبيق ما تعلمه، والأدلة التي يستطيع تقديمها على ذلك. فصاحب العمل لديه عمل يحتاج إلى إنجازه، أو حاجة يريد تلبيتها، أو مشكلة يتوقع من هذا الدور أن يسهم في التعامل معها. وكلما استطاع الخريج أن يظهر قدرته على تطبيق معرفته والتعامل مع مواقف واحتياجات حقيقية، أصبحت لديه ميزة تنافسية أوضح.
لنفترض أن طالبين تخرجا في تخصص التسويق. كلاهما درس مبادئ التسويق وسلوك المستهلك والاستراتيجية، لكن أحدهما بحث عن فرصة خلال سنوات الجامعة وتمكن من العمل مع مشروع كان يحقق تفاعلًا جيدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما ظل عدد طلبات الشراء منخفضًا.
استخدم الطالب بيانات Instagram Insights وبيانات الزيارات والطلبات من المتجر الإلكتروني، ولاحظ أن بعض المحتوى يحقق وصولًا وتفاعلًا جيدًا، لكن نسبة محدودة من المتابعين تنتقل إلى صفحة المنتج. وبناءً على ذلك، شارك في تحسين الرسائل التسويقية وطريقة عرض المنتج والدعوة إلى الشراء، ثم تابع المؤشرات ولاحظ تحسنًا في انتقال العملاء من التفاعل إلى زيارة المنتجات والاستفسار عنها وطلبها.
هذه التجربة تمنحه أكثر من سطر يضيفه إلى سيرته الذاتية. فعندما يجلس أمام صاحب العمل، لديه موقف حقيقي يستطيع أن يشرح من خلاله المشكلة التي واجهها، ودوره فيها، وكيف استخدم معرفته وأدواته في تحليلها، وما الإجراءات التي شارك في تنفيذها، وما النتيجة التي تحققت.
وهنا يرى صاحب العمل ما لا يظهر في اسم التخصص أو المعدل وحدهما دليلًا على قدرة الخريج على تحويل ما تعلمه إلى تطبيق، والتعامل مع مشكلة حقيقية، والمساهمة في الوصول إلى نتيجة.
الفكرة ليست أن يتحول الطالب إلى موظف قبل أن يتخرج، وإنما أن تتاح له خلال سنوات الجامعة فرص لتحويل المعرفة إلى ممارسة، والمهارة إلى تجربة، والتجربة إلى دليل على قدرته.
فمتى يبدأ بناء الجاهزية المهنية؟ إن الجاهزية المهنية، مثلها مثل البناء الأكاديمي، تحتاج إلى وقت وتراكم؛ ولذلك يبدأ الاعتناء بها من سنوات الدراسة الأولى، وليس في الفصل الجامعي الأخير.
يمكن للطالب أن يستكشف الأدوار المرتبطة بتخصصه ويفهم متطلباتها، وأن يجمع إعلانات فعلية لأدوار تثير اهتمامه ويقارن بينها: ما المهارات التي تتكرر؟ ما الأدوات والتقنيات المطلوبة؟ ما الخبرات التي تبحث عنها المؤسسات؟ وكيف تختلف متطلبات الدور نفسه من قطاع إلى آخر؟
كذلك يمكنه التحدث مع أشخاص يعملون في تلك المجالات، والاستفادة من التدريب العملي والمشروعات الجامعية والعمل التطوعي والأنشطة المهنية، ليس باعتبارها إضافات إلى السيرة الذاتية فقط، بل مساحات لاختبار الخيارات وبناء المهارات وإثباتها.
وكلما بدأ ذلك مبكرًا، امتلك الطالب عنصرًا بالغ الأهمية: الوقت؛ ليكتشف فجواته ويعمل عليها، ويجرب، ويتحقق من خياراته، ويبني ما يحتاجه قبل التخرج.
وهنا نقول إن الجامعة شريك في بناء الجاهزية، فكما يسير الطالب في مسار أكاديمي واضح منذ دخوله الجامعة حتى التخرج، يمكن أن يصاحبه مسار متدرج للجاهزية المهنية يبدأ بالاستكشاف والتعرف إلى عالم العمل، ثم التجربة والتطبيق وبناء المهارات والخبرات، وصولًا إلى الاستعداد للانتقال إلى السوق.
وهنايمكن لممارسات الكوتشنج والإرشاد المهني أن تسهم في هذا المسار، من خلال مساعدة الطالب على استكشاف اتجاهاته المهنية، وفهم الخيارات ومتطلباتها، ومراجعة تجاربه وما تكشفه له، وتحديد ما يحتاج إلى تطويره قبل التخرج. وقد يسأل الخريج: «إذا لم أحصل بعد على فرصة عمل، فمن أين أكتسب الخبرة؟»
الخبرة لا تبدأ دائمًا من أول وظيفة. فالمشروعات الجامعية، والتدريب العملي، والعمل التطوعي، والمبادرات والمشروعات الشخصية يمكن أن تمنح الطالب فرصًا حقيقية للتطبيق وحل المشكلات وبناء أدلة على قدراته قبل التخرج. فالطالب يحتاج إلى الشهادة والمهارة معًا؛ الشهادة تمنحه الأساس العلمي والتخصصي، والتجربة التطبيقية تساعده على تحويل ما تعلمه إلى قدرة وقيمة يستطيع إثباتها وتقديمها في سوق العمل.
وعند التخرج، يصبح السؤال أكبر من الحصول على الشهادة: «كيف يستطيع هذا الخريج أن يحوّل ما تعلمه إلى قيمة يقدمها في سوق العمل؟» ثم تأتي محطة أخرى في الرحلة... البحث عن العمل والجاهزية للوصول إلى الفرصة المناسبة.
{ مستشارة موارد بشرية وتطوير مهني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك