مع قيام جامعة الدول العربية عام 1945، أصبح للعالم العربي إطار مؤسّساتي رسمي يمكن للحكومات العربية أن تتفاعل من خلاله بوصفها مجموعةً إقليمية. لم يكن عدد الدول العربية المستقلّة نسبياً يزيد على سبع دول؛ مصر والسعودية وسورية والعراق ولبنان وإمارة شرق الأردن واليمن، وأصبحت هي الدول المؤسِّسة لهذا النظام الإقليمي. أمّا بقية الأقطار العربية فكانت لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي المباشر، وتسعى إلى التخلّص منه عبر حركات تحرّر وطني تمتّعت بقدر كبير من الحيوية، وكانت على استعداد لتقديم كلّ ما يلزم من التضحيات للحصول على الاستقلال.
كان طبيعياً، في سياق كهذا، أن تتصدّر قضايا التحرّر الوطني جدول أعمال النظام العربي الرسمي في مستهلّ نشأته، وأن تحتلّ القضية الفلسطينية موقع الصدارة، ليس باعتبارها قضية تحرّر وطني لشعب شقيق يكافح من أجل الحصول على استقلاله فحسب، ولكن أيضاً لأنّ الدول العربية، شعوباً وحكومات، كانت قد بدأت تدرك أنّ المشروع الصهيوني يشكّل خطراً جسيماً عليها جميعاً، ما يفسّر المكانة التي حظيت بها هذه القضية في المشاورات التمهيدية، ثمّ في ميثاق الجامعة، كما يفسّر الإجماع العربي على خوض الحرب عقب إعلان ديفيد جوريون من جانب واحد قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948.
حين انتهت الحرب بهزيمة للدول العربية وبنكبة كُبرى للشعب الفلسطيني، استقرّ في وعي الجيوش العربية التي شاركت في هذه الحرب أنّ السبب الرئيس في كلّ ما جرى يعود إلى فساد بعض الأنظمة وتواطؤ الاستعمار، وبالتالي، فلن يكون بمقدور النظام العربي الرسمي أداء وظائفه الأساسية في الدفاع عن المصالح العربية إلّا بالتخلّص من هذه الأنظمة واستبدالها بأخرى تعبّر عن الإرادة الحرّة للشعوب العربية، ما يفسّر اضطلاعها بدور رئيس في موجة التغيير التي اجتاحت العالم العربي طوال خمسينيّات القرن الماضي، ووصلت إلى ذروتها بقيام ثورة 23 يوليو (1952) المصرية التي فجّرتها حركة الضبّاط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر. ولأنّ مصر كانت الدولة العربية الأكثر ثقلاً وتأثيراً في ذلك الوقت، فقد أصبحت مؤهّلةً طبيعياً لقيادة النظام العربي، خصوصاً بعد أن توافرت له زعامة كاريزمية بحجم عبد الناصر.
أحدثت الحقبة الناصرية (1954 - 1970) تحوّلات هائلة في المنطقة، بإنجازاتها وإخفاقاتها في الوقت نفسه. ففيما يتعلّق بالإنجازات، يُحسب لها: إنهاء الاحتلال البريطاني لمصر، والإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبناء السدّ العالي وإدخال الصناعات الثقيلة، وإنهاء احتكار السلاح الغربي، والمشاركة في تأسيس وقيادة حركة دول عدم الانحياز، ودعم حركات التحرّر الوطني في المنطقة والعالم، والوحدة المصرية السورية. والأهم من ذلك كلّه تعميق فكرة الارتباط العضوي بين مصر والعالم العربي في الوجدان الشعبي.
أمّا الإخفاقات، فتتمحور حول مسألة واحدة، عدم «إقامة حياة ديمقراطية سليمة». ويعود هذا الإخفاق إلى غلبة الحسّ الأمني، والاعتماد على أهل الثقة بدلاً من أهل الخبرة، لذا؛ يمكن القول إنّ النظام السياسي لثورة يوليو هزم مشروعها الوطني والقومي.
يلفت النظر هنا أمران على جانب كبير من الأهمّية: سرعة انهيار المشروع الوطني والقومي لثورة يوليو عقب رحيل عبد الناصر، من ناحية، وصمود نظامها السياسي، كما يلفت النظر، في الوقت نفسه، أنّ الإخفاق في إقامة حياة ديمقراطية سليمة لم يقتصر على مصر، وإنّما شمل العالم العربي كلّه الذي عجز عن إفراز نموذج ديمقراطي ناجح. ما يفسّر عجز النظام العربي الرسمي عن إنتاج قيادة قادرة على ملء الفراغ الذي تركه رحيل عبد الناصر.
ليس من الإنصاف تحميل السادات وحده مسؤولية الانهيار الذي شهده النظام العربي في مرحلة ما بعد حرب 1973، إذ كان بالإمكان ملء الفراغ الذي تركته مصر الساداتية لو توافرت لدى بقيّة الدول العربية رغبة حقيقية في مواجهة الخطر الصهيوني المشترك، غير أنّ الرئيس العراقي صدّام حسين، المرشَّح الرئيس لقيادة النظام العربي في تلك المرحلة، ارتكب خطيئتَيْن أسهمتا في الإجهاز على ما تبقّى من مناعة لدى هذا النظام. الأولى: شنّه الحرب على إيران، خوفاً من تصدير الثورة الإيرانية. والثانية: غزوه الكويت، في خطوة تسبّبت، ضمن أضرار أخرى كثيرة، في تغلغل النفوذ الأمريكي في المنطقة، وفتح الطريق في مرحلة تالية أمام الكيان الصهيوني للتوحش في المنطقة، وارتكاب ليس فقط أبشع الجرائم في حقّ الشعب الفلسطيني فحسب، وإنّما لمحاولة إقامة «إسرائيل الكُبرى» في الوقت نفسه بقوّة السلاح.
لم يشهد النظام الرسمي العربي على امتداد تاريخه (ثلاثة أرباع القرن) حالةً من التشرذم والضياع تشبه التي هو عليها الآن. فخلال السنوات الثلاث المنصرمة، وصل التوحّش الإسرائيلي إلى حدّ الإقدام على تدمير قطاع غزّة وقتل وجرح ما يزيد على 250 ألف شخص، أي ما يقرب من 10% من إجمالي سكّان القطاع، ومازال يصرّ على التهجير القسري لما تبقّى منهم، لإخلاء القطاع من سكّانه تمهيداً لإعادة احتلاله واستيطانه. ثمّ استدار نحو الضفّة الغربية، وراح يتوسّع بجنون في مصادرة الأراضي ومطاردة السكّان وهدم المباني لإجبار سكّان الضفّة أيضاً على الرحيل، تمهيداً للإعلان رسمياً عن ضمّها، ثمّ راح يتوسّع في لبنان، إذ وصلت قواته إلى شمال نهر الليطاني، وفي سورية التي دمّر الاحتلال أسلحة جيشها بالكامل عقب سقوط بشّار الأسد، ثمّ راح يتوسّع ويحتلّ ويسيطر على مساحات جديدة من الأراضي السورية وصلت، في بعض التقديرات، إلى نحو ألف كيلومتر مربّع.
ذلك كلّه والنظام العربي الرسمي يبدو غير قادر حتّى على الضغط من أجل توصيل ما يكفي من المساعدات الإنسانية لشعب غزّة المنكوب، أو لإجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار في مختلف الجبهات.
لا تتوقّف مظاهر انهيار النظام الرسمي العربي على عجز الأخير عن لجم التوحّش الإسرائيلي، فالواقع أنّ هذا النظام أصبح مخترقاً حتّى النخاع، فقد انفتحت ثغرات كثيرة سمحت لكلّ من إيران وتركيا بالتغلغل في أحشاء بعض المجتمعات العربية، وبتوسيع نفوذهما في المنطقة. فلإيران حضور قوي في العراق، عبر عديد من المليشيات المسلّحة، وفي لبنان عبر حزب الله، وفي اليمن عبر جماعة الحوثي، وفي فلسطين عبر الدعم المالي والعسكري الذي تقدّمه لفصائل المقاومة المسلّحة، خصوصاً حركتَي حماس والجهاد الإسلامي.
أمّا تركيا فقد تمكّنت من نشر قواعد عسكرية في بعض الدول العربية، وأصبحت تتمتّع بنفوذ سياسي كبير في المنطقة، كما أصبح لها، في الوقت نفسه حضور متزايد في مياه البحر الأبيض المتوسّط والبحر الأحمر.
إن كل هذه التطورات تستدعي إعادة البناء على أسس جديدة للنظام الإقليمي العربي غير تلك التي قامت عليها جامعة الدول العربية، وتلك هي المهمّة التي يتعيّن على الأمين العام الجديد للجامعة نبيل فهمي أن يتبنّاها، ويدعو مراكز البحوث والدراسات العربية إلى التفكير والبحث عن البدائل المتاحة أو الممكنة.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك