العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٢ - الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نحو مشروع لإصلاح النظام العربي الإقليمي

بقلم: د. حسن نافعة {

الخميس ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬قيام‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬أصبح‭ ‬للعالم‭ ‬العربي‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّساتي‭ ‬رسمي‭ ‬يمكن‭ ‬للحكومات‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تتفاعل‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬بوصفها‭ ‬مجموعةً‭ ‬إقليمية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عدد‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المستقلّة‭ ‬نسبياً‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬سبع‭ ‬دول؛‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬وسورية‭ ‬والعراق‭ ‬ولبنان‭ ‬وإمارة‭ ‬شرق‭ ‬الأردن‭ ‬واليمن،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هي‭ ‬الدول‭ ‬المؤسِّسة‭ ‬لهذا‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭. ‬أمّا‭ ‬بقية‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬فكانت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬نير‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي‭ ‬المباشر،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬التخلّص‭ ‬منه‭ ‬عبر‭ ‬حركات‭ ‬تحرّر‭ ‬وطني‭ ‬تمتّعت‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الحيوية،‭ ‬وكانت‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لتقديم‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬التضحيات‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭.‬

كان‭ ‬طبيعياً،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬تتصدّر‭ ‬قضايا‭ ‬التحرّر‭ ‬الوطني‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬مستهلّ‭ ‬نشأته،‭ ‬وأن‭ ‬تحتلّ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬قضية‭ ‬تحرّر‭ ‬وطني‭ ‬لشعب‭ ‬شقيق‭ ‬يكافح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬استقلاله‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬لأنّ‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬شعوباً‭ ‬وحكومات،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تدرك‭ ‬أنّ‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬يشكّل‭ ‬خطراً‭ ‬جسيماً‭ ‬عليها‭ ‬جميعاً،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬المشاورات‭ ‬التمهيدية،‭ ‬ثمّ‭ ‬في‭ ‬ميثاق‭ ‬الجامعة،‭ ‬كما‭ ‬يفسّر‭ ‬الإجماع‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الحرب‭ ‬عقب‭ ‬إعلان‭ ‬ديفيد‭ ‬جوريون‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬مايو‭ ‬1948‭.‬

حين‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬بهزيمة‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬وبنكبة‭ ‬كُبرى‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬استقرّ‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أنّ‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬فساد‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة‭ ‬وتواطؤ‭ ‬الاستعمار،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬أداء‭ ‬وظائفه‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬إلّا‭ ‬بالتخلّص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬واستبدالها‭ ‬بأخرى‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الحرّة‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬اضطلاعها‭ ‬بدور‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬طوال‭ ‬خمسينيّات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها‭ ‬بقيام‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ (‬1952‭) ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬فجّرتها‭ ‬حركة‭ ‬الضبّاط‭ ‬الأحرار‭ ‬بقيادة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭. ‬ولأنّ‭ ‬مصر‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الأكثر‭ ‬ثقلاً‭ ‬وتأثيراً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤهّلةً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لقيادة‭ ‬النظام‭ ‬العربي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬توافرت‭ ‬له‭ ‬زعامة‭ ‬كاريزمية‭ ‬بحجم‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭.‬

أحدثت‭ ‬الحقبة‭ ‬الناصرية‭ (‬1954‭ - ‬1970‭) ‬تحوّلات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بإنجازاتها‭ ‬وإخفاقاتها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬ففيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالإنجازات،‭ ‬يُحسب‭ ‬لها‭: ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬لمصر،‭ ‬والإصلاح‭ ‬الزراعي،‭ ‬وتأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬وبناء‭ ‬السدّ‭ ‬العالي‭ ‬وإدخال‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وإنهاء‭ ‬احتكار‭ ‬السلاح‭ ‬الغربي،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬وقيادة‭ ‬حركة‭ ‬دول‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز،‭ ‬ودعم‭ ‬حركات‭ ‬التحرّر‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬والوحدة‭ ‬المصرية‭ ‬السورية‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬تعميق‭ ‬فكرة‭ ‬الارتباط‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي‭.‬

أمّا‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬فتتمحور‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬واحدة،‭ ‬عدم‭ ‬‮«‬إقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬سليمة‮»‬‭. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬الإخفاق‭ ‬إلى‭ ‬غلبة‭ ‬الحسّ‭ ‬الأمني،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬الثقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الخبرة،‭ ‬لذا؛‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬لثورة‭ ‬يوليو‭ ‬هزم‭ ‬مشروعها‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭.‬

يلفت‭ ‬النظر‭ ‬هنا‭ ‬أمران‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأهمّية‭: ‬سرعة‭ ‬انهيار‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭ ‬لثورة‭ ‬يوليو‭ ‬عقب‭ ‬رحيل‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وصمود‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي،‭ ‬كما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أنّ‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬سليمة‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مصر،‭ ‬وإنّما‭ ‬شمل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كلّه‭ ‬الذي‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬إفراز‭ ‬نموذج‭ ‬ديمقراطي‭ ‬ناجح‭. ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬عجز‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬قيادة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬رحيل‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬الإنصاف‭ ‬تحميل‭ ‬السادات‭ ‬وحده‭ ‬مسؤولية‭ ‬الانهيار‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬1973،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تركته‭ ‬مصر‭ ‬الساداتية‭ ‬لو‭ ‬توافرت‭ ‬لدى‭ ‬بقيّة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬رغبة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الخطر‭ ‬الصهيوني‭ ‬المشترك،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬صدّام‭ ‬حسين،‭ ‬المرشَّح‭ ‬الرئيس‭ ‬لقيادة‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬ارتكب‭ ‬خطيئتَيْن‭ ‬أسهمتا‭ ‬في‭ ‬الإجهاز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬مناعة‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭. ‬الأولى‭: ‬شنّه‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭. ‬والثانية‭: ‬غزوه‭ ‬الكويت،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تسبّبت،‭ ‬ضمن‭ ‬أضرار‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة،‭ ‬في‭ ‬تغلغل‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفتح‭ ‬الطريق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تالية‭ ‬أمام‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬للتوحش‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وارتكاب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أبشع‭ ‬الجرائم‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنّما‭ ‬لمحاولة‭ ‬إقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكُبرى‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بقوّة‭ ‬السلاح‭.‬

لم‭ ‬يشهد‭ ‬النظام‭ ‬الرسمي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخه‭ (‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬القرن‭) ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬التشرذم‭ ‬والضياع‭ ‬تشبه‭ ‬التي‭ ‬هو‭ ‬عليها‭ ‬الآن‭. ‬فخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬المنصرمة،‭ ‬وصل‭ ‬التوحّش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬وقتل‭ ‬وجرح‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬250‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬سكّان‭ ‬القطاع،‭ ‬ومازال‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬لما‭ ‬تبقّى‭ ‬منهم،‭ ‬لإخلاء‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬سكّانه‭ ‬تمهيداً‭ ‬لإعادة‭ ‬احتلاله‭ ‬واستيطانه‭. ‬ثمّ‭ ‬استدار‭ ‬نحو‭ ‬الضفّة‭ ‬الغربية،‭ ‬وراح‭ ‬يتوسّع‭ ‬بجنون‭ ‬في‭ ‬مصادرة‭ ‬الأراضي‭ ‬ومطاردة‭ ‬السكّان‭ ‬وهدم‭ ‬المباني‭ ‬لإجبار‭ ‬سكّان‭ ‬الضفّة‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الرحيل،‭ ‬تمهيداً‭ ‬للإعلان‭ ‬رسمياً‭ ‬عن‭ ‬ضمّها،‭ ‬ثمّ‭ ‬راح‭ ‬يتوسّع‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬إذ‭ ‬وصلت‭ ‬قواته‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬نهر‭ ‬الليطاني،‭ ‬وفي‭ ‬سورية‭ ‬التي‭ ‬دمّر‭ ‬الاحتلال‭ ‬أسلحة‭ ‬جيشها‭ ‬بالكامل‭ ‬عقب‭ ‬سقوط‭ ‬بشّار‭ ‬الأسد،‭ ‬ثمّ‭ ‬راح‭ ‬يتوسّع‭ ‬ويحتلّ‭ ‬ويسيطر‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬وصلت،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات،‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬ألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربّع‭.‬

ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬والنظام‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬حتّى‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توصيل‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬لشعب‭ ‬غزّة‭ ‬المنكوب،‭ ‬أو‭ ‬لإجبار‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجبهات‭.‬

لا‭ ‬تتوقّف‭ ‬مظاهر‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬الرسمي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬عجز‭ ‬الأخير‭ ‬عن‭ ‬لجم‭ ‬التوحّش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فالواقع‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬أصبح‭ ‬مخترقاً‭ ‬حتّى‭ ‬النخاع،‭ ‬فقد‭ ‬انفتحت‭ ‬ثغرات‭ ‬كثيرة‭ ‬سمحت‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬بالتغلغل‭ ‬في‭ ‬أحشاء‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وبتوسيع‭ ‬نفوذهما‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فلإيران‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬عبر‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلّحة،‭ ‬وفي‭ ‬لبنان‭ ‬عبر‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬وفي‭ ‬اليمن‭ ‬عبر‭ ‬جماعة‭ ‬الحوثي،‭ ‬وفي‭ ‬فلسطين‭ ‬عبر‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والعسكري‭ ‬الذي‭ ‬تقدّمه‭ ‬لفصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬المسلّحة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حركتَي‭ ‬حماس‭ ‬والجهاد‭ ‬الإسلامي‭. ‬

أمّا‭ ‬تركيا‭ ‬فقد‭ ‬تمكّنت‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تتمتّع‭ ‬بنفوذ‭ ‬سياسي‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬لها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬حضور‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسّط‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭.‬

إن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تستدعي‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬جديدة‭ ‬للنظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬المهمّة‭ ‬التي‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬للجامعة‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬أن‭ ‬يتبنّاها،‭ ‬ويدعو‭ ‬مراكز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬البدائل‭ ‬المتاحة‭ ‬أو‭ ‬الممكنة‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا