العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحولات السكن في المجتمع البحريني

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

يشهد‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬وعميقاً‭ ‬في‭ ‬نمطه‭ ‬المعيشي‭ ‬والثقافي،‭ ‬طال‭ ‬المفهوم‭ ‬التقليدي‭ ‬للمسكن،‭ ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬شكلت‭ ‬فيها‭ ‬الأسرة‭ ‬المركبة‭ ‬عماد‭ ‬المجتمع،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬البيت‭ ‬الواحد‭ ‬يضم‭ ‬الأجداد‭ ‬والآباء‭ ‬والأبناء‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬تبدلت‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬بشكل‭ ‬متسارع،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬للأسرة‭ ‬الممتدة‭ ‬وجود‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬نادرة‭ ‬جداً‭. ‬

هذا‭ ‬التغير‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬مدفوعاً‭ ‬برغبة‭ ‬الأجيال‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬الاستقلالية‭ ‬التامة‭ ‬وتفضيل‭ ‬الخصوصية‭ ‬في‭ ‬مسكن‭ ‬منفصل‭ ‬لبناء‭ ‬أسرهم‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬أصبح‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مسكن‭ ‬مستقل‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الأول‭ ‬والبديهي‭ ‬للشباب‭ ‬المقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬إخلاء‭ ‬بيوت‭ ‬العائلة‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬حيويتها‭ ‬المعهودة‭. ‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭ ‬وكبر‭ ‬سن‭ ‬رب‭ ‬الأسرة،‭ ‬وخروج‭ ‬جميع‭ ‬الأبناء‭ ‬إلى‭ ‬مساكنهم‭ ‬المستقلة،‭ ‬يجد‭ ‬الوالدان‭ (‬كبار‭ ‬السن‭) ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬جديد؛‭ ‬إذ‭ ‬يصبحون‭ ‬وحيدين‭ ‬في‭ ‬مسكن‭ ‬شاسع‭ ‬المساحة‭ ‬تحيط‭ ‬بهم‭ ‬جدران‭ ‬صامتة‭ ‬تلفها‭ ‬الوحدة،‭ ‬هذا‭ ‬المسكن‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوماً‭ ‬يضج‭ ‬بالحياة‭ ‬يتحول‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬عش‭ ‬فارغ‭ ‬وعبء‭ ‬حقيقي‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجهد‭ ‬البدني‭ ‬المطلوب‭ ‬لإدارته‭ ‬وصيانته‭ ‬أو‭ ‬الكلفة‭ ‬المالية‭ ‬الباهظة‭ ‬لترميم‭ ‬وتشغيل‭ ‬مرافقه،‭ ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الوحشة‭ ‬التي‭ ‬تتركها‭ ‬الغرف‭ ‬الفارغة‭ ‬والمغلقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭. ‬

ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬ربما‭ ‬سنرى‭ ‬تحولاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬السكن،‭ ‬وربما‭ ‬سيظهر‭ ‬مفهوم‭ ‬الشقة‭ ‬الذكية‭ ‬كخيار‭ ‬استراتيجي‭ ‬مستقبلي‭ ‬للأسرة‭ ‬البحرينية،‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬ربما‭ ‬ستدفع‭ ‬قطاعاً‭ ‬واسعاً‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬والعوائل‭ ‬البحرينية‭ ‬نحو‭ ‬خيار‭ ‬استراتيجي‭ ‬وعملي‭ ‬جديد‭ ‬كبيع‭ ‬بيت‭ ‬العائلة‭ ‬الكبير‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بشراء‭ ‬شقة‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬حيوية‭ ‬وذات‭ ‬اطلالة‭ ‬تعزز‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬وتلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬الوالدين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬العمرية‭ ‬المتقدمة‭. ‬

ويتجه‭ ‬التفضيل‭ ‬هنا‭ ‬نحو‭ ‬الشقق‭ ‬الحديثة‭ ‬ذات‭ ‬الوفرة‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬كالحراسة‭ ‬والصيانة‭ ‬والمصاعد‭ ‬والبيئة‭ ‬المحفزة‭ ‬أو‭ ‬الاطلالة‭ ‬السياحية‭ ‬والقريبة‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬الحيوية‭ ‬كالمساجد‭ ‬والمستشفيات‭ ‬والمجمعات‭ ‬التجارية‭ ‬لضمان‭ ‬سهولة‭ ‬الحركة‭ ‬والأمان‭.  ‬

إن‭ ‬تسييل‭ ‬قيمة‭ ‬البيت‭ ‬الكبير‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬فقط‭ ‬مسكناً‭ ‬مريحاً‭ ‬وملائماً‭ ‬للمرحلة‭ ‬العمرية،‭ ‬بل‭ ‬يمنح‭ ‬الوالدين‭ ‬أيضاً‭ ‬وفرة‭ ‬مالية‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬العيش‭ ‬بطمأنينة‭ ‬ومرونة‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬تقاعدهم،‭ ‬كما‭ ‬يمنحهم‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مساعدة‭ ‬أبنائهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬احلامهم‭ ‬باستقلالية‭ ‬سكن‭ ‬مناسب‭. ‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬السلوكي‭ ‬لن‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬سيكون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الموجهات‭ ‬لرسم‭ ‬خارطة‭ ‬التنمية‭ ‬العقارية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة،‭ ‬وسيتعين‭ ‬على‭ ‬المطورين‭ ‬العقاريين‭ ‬وشركات‭ ‬الإسكان‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تصاميمهم‭ ‬ومشاريعهم،‭ ‬لتقديم‭ ‬منتجات‭ ‬سكنية‭ ‬عمودية‭ ‬ذكية‭ ‬أو‭ ‬مساكن‭ ‬حديثة‭ ‬بأحجام‭ ‬مصغرة‭ ‬تلائم‭ ‬احتياجات‭ ‬فئة‭ ‬المتقاعدين‭ ‬وكبار‭ ‬السن،‭ ‬وتوفر‭ ‬لهم‭ ‬بيئات‭ ‬مجتمعية‭ ‬آمنة‭ ‬وحيوية‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬شعورهم‭ ‬بالعزلة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬يعيد‭ ‬فيها‭ ‬المجتمع‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬بيت‭ ‬العمر‭ ‬ليصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لواقع‭ ‬العصر‭ ‬ومتغيراته‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا