يشهد المجتمع البحريني في الآونة الأخيرة تحولاً بنيوياً وعميقاً في نمطه المعيشي والثقافي، طال المفهوم التقليدي للمسكن، فبعد عقود طويلة شكلت فيها الأسرة المركبة عماد المجتمع، حيث كان البيت الواحد يضم الأجداد والآباء والأبناء تحت سقف واحد، تبدلت هذه الصورة بشكل متسارع، ولم يعد للأسرة الممتدة وجود إلا في حالات نادرة جداً.
هذا التغير لم يأتِ من فراغ، بل جاء مدفوعاً برغبة الأجيال الحديثة من الأبناء في الاستقلالية التامة وتفضيل الخصوصية في مسكن منفصل لبناء أسرهم الصغيرة، ومع تسارع وتيرة الحياة المعاصرة أصبح الانتقال إلى مسكن مستقل هو الخيار الأول والبديهي للشباب المقبلين على الزواج، ما أدى تدريجياً إلى إخلاء بيوت العائلة الكبيرة من حيويتها المعهودة.
ومع مرور السنين وكبر سن رب الأسرة، وخروج جميع الأبناء إلى مساكنهم المستقلة، يجد الوالدان (كبار السن) أنفسهم في مواجهة واقع جديد؛ إذ يصبحون وحيدين في مسكن شاسع المساحة تحيط بهم جدران صامتة تلفها الوحدة، هذا المسكن الكبير الذي كان يوماً يضج بالحياة يتحول فجأة إلى عش فارغ وعبء حقيقي سواء من حيث الجهد البدني المطلوب لإدارته وصيانته أو الكلفة المالية الباهظة لترميم وتشغيل مرافقه، والأكثر من ذلك الوحشة التي تتركها الغرف الفارغة والمغلقة من دون استخدام.
ونتيجة لذلك ربما سنرى تحولاً جوهرياً في نمط السكن، وربما سيظهر مفهوم الشقة الذكية كخيار استراتيجي مستقبلي للأسرة البحرينية، حيث ان هذه المعطيات ربما ستدفع قطاعاً واسعاً من كبار السن والعوائل البحرينية نحو خيار استراتيجي وعملي جديد كبيع بيت العائلة الكبير والاكتفاء بشراء شقة صغيرة في منطقة حيوية وذات اطلالة تعزز الجانب النفسي وتلبي احتياجات الوالدين في هذه المرحلة العمرية المتقدمة.
ويتجه التفضيل هنا نحو الشقق الحديثة ذات الوفرة في الخدمات كالحراسة والصيانة والمصاعد والبيئة المحفزة أو الاطلالة السياحية والقريبة من المرافق الحيوية كالمساجد والمستشفيات والمجمعات التجارية لضمان سهولة الحركة والأمان.
إن تسييل قيمة البيت الكبير لا يوفر فقط مسكناً مريحاً وملائماً للمرحلة العمرية، بل يمنح الوالدين أيضاً وفرة مالية تضمن لهم العيش بطمأنينة ومرونة مالية في سنوات تقاعدهم، كما يمنحهم قدرة على مساعدة أبنائهم في تحقيق احلامهم باستقلالية سكن مناسب.
هذا التحول السلوكي لن يتوقف عند حدود العلاقات الاجتماعية، بل سيكون أحد أبرز الموجهات لرسم خارطة التنمية العقارية في مملكة البحرين خلال السنوات القادمة، وسيتعين على المطورين العقاريين وشركات الإسكان إعادة النظر في تصاميمهم ومشاريعهم، لتقديم منتجات سكنية عمودية ذكية أو مساكن حديثة بأحجام مصغرة تلائم احتياجات فئة المتقاعدين وكبار السن، وتوفر لهم بيئات مجتمعية آمنة وحيوية تقلل من شعورهم بالعزلة، وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية التي يعيد فيها المجتمع تعريف مفهوم بيت العمر ليصبح أكثر ملاءمة لواقع العصر ومتغيراته الاجتماعية.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك