باريس مدينة أعود إليها كلما استطعت، أقف أمام لوحاتها مأخوذة بإبداع رسّاميها، وأتأمل تماثيلها التي يعجز الوصف عن استيعاب جمالها. في آخر زيارة لي عدنا ذات ليلة من مطعم بعيد عن وسط المدينة، وكان سائق الأوبر تونسياً خفيف الظل، حدّثنا عن نفسه طول الطريق، ثم عرض علينا طريقاً أقصر يمرّ ببوليفار لا شابيل شمال باريس، حيث يمضي خط المترو معلّقاً فوق الشارع، وقال إن تحته مقراً للمهاجرين. وافقنا فوراً، وطلبتُ أنا أن أراهم.
اقتربت السيارة من الشارع فبدت مجموعات من الناس يجلسون في حلقات على الأرض، أغراضهم مكدّسة حولهم، وخيام متهالكة تمتد على طول الرصيف تحت الجسر. مرّت السيارة ببطء فرأيت أرجلاً نائمة تخرج من فتحات الخيام إلى الرصيف، وملابس مهترئة على أجساد بعضهم، وأثر اتساخ تراكم من أيام طويلة. المسافة بيننا وبين شقق الباريسيين المضاءة دقائق معدودة، ومع ذلك تغيّر الشارع كلّه كأن حدوداً غير مرئية رُسمت عند أول خيمة. شعرتُ بخوف مفاجئ، ورغبة ملحّة في الخروج من المنطقة بأسرع ما يمكن.
سألتُ نفسي بعد ذلك بأيام لماذا سبق الخوفُ التعاطفَ. لم يكن فيهم ما يُخيف، لا أذى ولا تهديد، صمتٌ وأغطية مصفوفة كأن الشارع صار بيتهم الوحيد. رفع أحدهم رأسه نحو السيارة فأدرتُ وجهي قبل أن تلتقي عيوننا، وشددتُ حقيبتي إلى صدري من دون أن أقصد. لم أفهم يومها ممّن كنتُ أحمي نفسي. وبقي معي طوال الطريق: ماذا لو كنتُ أنا من ينام في تلك الخيمة.
وأين حقوق الإنسان في هذا المكان تحديداً؟ مدينة تحمل اسم الحرية والمساواة، وأمامي إنسان بلا سقف يحميه من البرد. والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سبقتني إلى هذا الحكم، ففي 2 يوليو 2020 أدانت فرنسا في قضية «ن. هـ. وآخرون» لصالح ثلاثة من خمسة طالبي لجوء، تأخّر تسجيل طلباتهم أكثر من تسعين يوماً فحُرموا الإعانة وناموا في الشارع شهوراً، وقضت بأن ذلك معاملة مهينة تخالف المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية، وألزمتها بتعويضهم. ويُحسب لفرنسا أنها تقبل أن تُحاكَم على تقصيرها، وقليل من الدول يقبل أن يقف هذا الموقف. صدر الحكم قبل ستّ سنوات، والخيام مازالت تحت الجسر.
فرنسا عندها نظام لجوء يسجّل الاسم ويسلّم صاحبه ورقة. وهو يمنع صاحب الورقة من العمل ستة أشهر كاملة، ولا ينال بعدها حقّ العمل بل حقّ أن يطلبه. ويصرف له في تلك الشهور ستة يوروات وثمانين سنتاً في اليوم يأكل بها ويتنقّل، فإن لم تجد له الدولة سريراً زادته سبعة، فبلغ أربعة عشر يورو، قرابة ستة دنانير.
هذه السبعة هي ما تُقدّره الدولة ثمناً للسقف الذي عجزت عن توفيره. ستة أشهر رقمٌ في ملفّ، وشتاءٌ كامل على رصيف. فمن وجد سريراً نجا من الشهور الستة، ومن لم يجد نامها في العراء والورقة نفسها في جيبه.
والباب الآخر يُغلق قبل أن يصل صاحبه إلى باريس. فالقاعدة الأوروبية تجعل أول بلد سجّل بصمة القادم مسؤولاً عن فحص طلبه، ورجلٌ وضع أصابعه على جهاز في ميناء إيطالي وهو منهك من البحر، وقّع من دون أن يدري على مكان نومه فيما بعد. وحين استُبدلت قاعدة دبلن في يونيو الماضي بلائحة أوروبية جديدة بقي المبدأ على حاله، وامتدّت مدّة مسؤولية بلد الدخول من اثني عشر شهراً إلى عشرين. باريس تحيله إلى إيطاليا، وإيطاليا لا تردّ، ويبقى هو في المنتصف، وفي المنتصف لا سقف.
باريس في أذهان كثيرين مدينة الأناقة وبرج إيفل، صورة رسمتها آلاف الأفلام والصور السياحية حتى صارت أقرب إلى حلم يزوره كل من يحب السفر. وتلك الصورة صادقة، فباريس فعلاً بهذا الجمال. غير أن على بعد دقائق من المناطق التي تُصوَّر فيها تلك اللقطات يمتد شارع لا يظهر في أي منها، والمدينة تختار أي وجه تُري العالم منه.
كان السائق نفسه غريباً عن بلده، جاء إلى باريس يبحث عن عمل يعيش منه، كما فعل كثيرون قبله وبعده. لكن غربته كانت تحمل سقفاً ودخلاً، وغربة من رأيتهم في ذلك الشارع بلا شيء من هذا كله. لو تغيّر ظرف واحد في حياته، عمل فاته أو أوراق رُفضت، لصار اسمه اليوم بين تلك الخيام، ولحمل غيره ذلك المقود. الخط الذي يفصل بين من يملك سقفاً ومن يفتقده خط رفيع يتحرك مع كل ظرف خارج عن الإرادة.
قيل لي إن أغلب من في ذلك الشارع فرّوا من السودان وإريتريا، ومعهم أفغان جاؤوا من أبعد من ذلك. والطريق إليها واحد تقريباً، صحراء تُقطع إلى ساحل شمالي، ثم قارب إلى الضفة الأخرى، ومن نجا منه أكمل بقية المسافة داخل أوروبا. وفي السودان وحده تقول المفوضية السامية للاجئين إن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 اقتلعت قرابة ثلاثة عشر مليون إنسان من بيوتهم، بعضهم نزح داخل حدود بلده، وبعضهم عبر الحدود بما استطاع أن يهرب به. هؤلاء جاؤوا لأن البقاء في بلادهم صار مستحيلاً، ومن وصل منهم إلى ذلك الرصيف قطع كل هذا ليصل إلى خيمة.
لا أعرف ماذا حدث لهؤلاء الناس بعد أن غادرت السيارة ذلك الشارع، ولا أظن أنني سأعرف يوماً. عادت السيارة إلى شوارع باريس المعتادة، وعاد الحديث العابر مع السائق، وكأن شيئاً لم يحدث. أنا التي طلبتُ أن أرى، وأنا التي تمنّت بعد دقيقتين أن تمضي السيارة بأسرع ما يمكن. بقيت صورة الأرجل الممتدة خارج الخيام معي أياماً، وبقي معها أنني نظرتُ إليها من خلف زجاج مغلق.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك