العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إسرائيل وسيناريو انهيار النظام العنصري في جنوب إفريقيا

بقلم: د. باسم الزبيدي

الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

أعلنت‭ ‬12‭ ‬دولة‭ ‬غربية،‭ ‬بينها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وكندا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬أخيراً،‭ ‬عزمها‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬تجارية‭ ‬على‭ ‬منتجات‭ ‬المستوطنات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬تصاعد‭ ‬اعتداءات‭ ‬المستوطنين‭ ‬على‭ ‬القرى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬لندن‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بإعلان‭ ‬حظر‭ ‬تجاري،‭ ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬تطهير‭ ‬عرقي‮»‬‭ ‬بالحرف،‭ ‬وهو‭ ‬توصيف‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬استخدمته‭ ‬حكومة‭ ‬بريطانية‭ ‬رسمياً‭ ‬بشأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬ظلت‭ ‬عقوداً‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬إغضاب‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬التفاؤل،‭ ‬وترديداً‭ ‬متزايداً‭ ‬لعبارة‭ ‬باتت‭ ‬شبه‭ ‬جاهزة‭: ‬إن‭ ‬فلسطين‭ ‬ستصبح‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬التالية،‭ ‬وإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تسير‭ ‬نحو‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬هناك‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬لهذا‭ ‬التفاؤل‭ ‬ما‭ ‬يبرّره‭ ‬فعلاً؟‭ ‬وهل‭ ‬تكفي‭ ‬حزمة‭ ‬عقوبات‭ ‬تجارية‭ ‬محدودة،‭ ‬تطاول‭ ‬المستوطنات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمسّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها،‭ ‬لإحداث‭ ‬التحوّل‭ ‬الذي‭ ‬احتاجت‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬الشاملة‭ ‬كي‭ ‬تبلغه؟

الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تستدعي‭ ‬التوقف‭ ‬أولاً‭ ‬عند‭ ‬مغالطة‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬التالية‮»‬‭ ‬نفسها،‭ ‬وكأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يكرّر‭ ‬نفسه‭ ‬تلقائياً‭ ‬إن‭ ‬انتظرنا‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭. ‬الحقيقة‭ ‬أقسى‭ ‬وأكثر‭ ‬إفادة‭ ‬في‭ ‬آن‭: ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬لم‭ ‬‮«‬تسقط‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬العالم‭ ‬ملّ‭ ‬من‭ ‬مشاهدة‭ ‬الظلم،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬حركة‭ ‬التحرّر‭ ‬هناك‭ ‬صنعت،‭ ‬بوعي‭ ‬وصبر‭ ‬استمر‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬العالم‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التغاضي‭. ‬والفارق‭ ‬بين‭ ‬الانتظار‭ ‬السلبي‭ ‬والتحرر‭ ‬الفعلي‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬فماذا‭ ‬بالتحديد‭ ‬فعلت‭ ‬حركة‭ ‬مانديلا؟‭ ‬وأي‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬تجربتها‭ ‬يصلح‭ ‬لفلسطين‭ ‬كما‭ ‬هو؟‭ ‬وأي‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬اختراع،‭ ‬لأن‭ ‬العالم‭ ‬تغيّر‭ ‬والخصم‭ ‬يختلف؟

ولنبدأ‭ ‬بما‭ ‬ينبغي‭ ‬تقليده‭ ‬حرفياً،‭ ‬لأنه‭ ‬مازال‭ ‬يعمل‭. ‬الدرس‭ ‬الأول‭ ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬لا‭ ‬تتحرّك‭ ‬أولاً،‭ ‬بل‭ ‬تُجَرّ‭ ‬مُكرَهة‭ ‬خلف‭ ‬مجتمعاتها‭. ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يُعاقب‭ ‬بريتوريا‭ ‬لأن‭ ‬رئيسها‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬اقتنع‭ ‬فجأة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬حرم‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬امتلأ‭ ‬باعتصامات‭ ‬مطالبة‭ ‬بسحب‭ ‬استثمارات‭ ‬الجامعات،‭ ‬ولأن‭ ‬كنائس‭ ‬ونقابات‭ ‬ومجالس‭ ‬بلدية‭ ‬بأكملها‭ ‬قاطعت‭ ‬الشركات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬سنواتٍ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجرؤ‭ ‬الكونجرس‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬فيتو‭ ‬رئيسه‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭: ‬الضغط‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬لاحقاً‭ ‬الغطاء‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬فوق‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬يتشكّل‭ ‬بالفعل‭ ‬حول‭ ‬فلسطين‭: ‬مقاطعة‭ ‬يوروفيجن،‭ ‬توقيع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬فنان‭ ‬على‭ ‬عريضة،‭ ‬احتجاجات‭ ‬الجامعات،‭ ‬تجميد‭ ‬صفقات،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬ضجيجاً‮»‬‭ ‬هامشياً‭ ‬كما‭ ‬يصوّره‭ ‬خصومه،‭ ‬بل‭ ‬بالضبط‭ ‬النمط‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬كل‭ ‬تحول‭ ‬سياسي‭ ‬رسمي‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭. ‬والمطلوب‭ ‬فلسطينياً‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬اختراع‭ ‬شيء‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬تغذية‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬القائم‭ ‬بالفعل‭: ‬تزويده‭ ‬بمعلوماتٍ‭ ‬موثّقة،‭ ‬بمتحدّثين‭ ‬مقنعين،‭ ‬بحملات‭ ‬مركّزة‭ ‬على‭ ‬أهداف‭ ‬اقتصادية‭ ‬محدّدة،‭ ‬بدل‭ ‬شعارات‭ ‬عامة‭ ‬يسهل‭ ‬تجاهلها‭.‬

والدرس‭ ‬الثاني‭ ‬بساطة‭ ‬الرسالة‭ ‬القاتلة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شعار‭ ‬الحركة‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقية‭ ‬‮«‬إنهاء‭ ‬نظام‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬البنيوي‭ ‬متعدد‭ ‬الطبقات‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬خمس‭ ‬كلمات‭: ‬‮«‬صوت‭ ‬واحد‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬البساطة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬طالباً‭ ‬أمريكياً‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬عشرة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬إفريقيا،‭ ‬يفهم‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬ثانية‭ ‬واحدة‭ ‬ويقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭. ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تُروى‭ ‬غالباً‭ ‬بلغة‭ ‬تقنية‭- ‬قانونية‭ ‬وتاريخية‭ ‬تُنتج‭ ‬ارتباكاً‭ ‬لا‭ ‬تعاطفاً‭. ‬والرسالة‭ ‬التي‭ ‬تُختصر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرية‭ ‬بلا‭ ‬مساواة،‭ ‬ولا‭ ‬مساواة‭ ‬تحت‭ ‬احتلال‮»‬‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الطراز‭ ‬الذي‭ ‬نجح،‭ ‬وهي‭ ‬فعلياً‭ ‬ما‭ ‬بدأت‭ ‬شبكات‭ ‬التضامن‭ ‬العالمية‭ ‬الشابة‭ ‬تتبنّاه‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسها‭ ‬حين‭ ‬تصف‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بكلمتي‭ ‬‮«‬أبارتهايد‮»‬‭ ‬و«إبادة‮»‬‭ ‬المفهومتين‭ ‬عالمياً‭ ‬بدل‭ ‬مصطلحات‭ ‬تفاوضية‭ ‬معقدة‭.‬

والدرس‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬التحضير‭ ‬الجاد‭ ‬لـ«اليوم‭ ‬التالي‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬وقوعه‭ ‬لا‭ ‬بعده‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الإفريقي‭ ‬مجرّد‭ ‬حركة‭ ‬احتجاج‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المنفى،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يبني‭ ‬بصمت‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬برامج‭ ‬حكم‭ ‬بديلة‭ ‬وكوادر‭ ‬إدارية‭ ‬وخطاباً‭ ‬مطمئناً‭ ‬للأقلية‭ ‬البيضاء‭ ‬بأن‭ ‬التحرّر‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬انتقاماً‭ ‬بل‭ ‬مواطنة‭ ‬متساوية‭. ‬وهذا‭ ‬الاطمئنان‭ ‬المسبق‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نزع‭ ‬فتيل‭ ‬أكبر‭ ‬ذريعة‭ ‬يستخدمها‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬قمعي‭ ‬لتبرير‭ ‬استمراره‭: ‬الخوف‭ ‬مما‭ ‬سيحدُث‭ ‬لو‭ ‬رحل‭.‬

لكن‭ ‬من‭ ‬يبسّط‭ ‬المقارنة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬تجاهل‭ ‬ثلاثة‭ ‬فوارق‭ ‬جوهرية‭ ‬تفصل‭ ‬بريتوريا‭ ‬الثمانينيات‭ ‬عن‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬اليوم‭. ‬أخطرها‭ ‬مناخ‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬11‭ ‬سبتمبر‮»‬‭ (‬2011‭): ‬فكلمة‭ ‬‮«‬شيوعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬كانت‭ ‬تخيف‭ ‬الغرب‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تخيفه‭ ‬اليوم‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬إرهاب‮»‬‭. ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يكلّف‭ ‬الجناح‭ ‬المسلح‭ ‬للمؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الإفريقي‭ ‬الحركة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شرعيتها‭ ‬الدولية‭ ‬آنذاك،‭ ‬بينما‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬مسلحة‭ ‬اليوم‭ ‬تكلّف‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬شرعيتها‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الغربي‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعاطفه‭. ‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الحكم‭ ‬الأخلاقي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬خيار،‭ ‬بل‭ ‬ملاحظة‭ ‬استراتيجية‭ ‬باردة‭: ‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الخصم‭ ‬تشويهها‭ ‬إعلامياً‭ ‬هي‭ ‬المقاومة‭ ‬المدنية‭ ‬الجادّة‭ ‬وغير‭ ‬الشعاراتية‭ ‬الموثّقة‭ ‬والتقاضي‭ ‬الدولي،‭ ‬وهذا‭ ‬تحديداً‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬اليوم‭ ‬أعلى‭ ‬عائد‭ ‬فعلي‭: ‬تقرير‭ ‬لجنة‭ ‬التحقيق‭ ‬الأممية،‭ ‬دعوى‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬شهادات‭ ‬منظّمات‭ ‬حقوقية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬نفسها‭.‬

والفارق‭ ‬الثاني،‭ ‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬لأنه‭ ‬داخلي‭ ‬بحت‭: ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬واجهت‭ ‬العالم‭ ‬بصوتٍ‭ ‬واحد‭. ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الإفريقي‭ ‬كان‭ ‬الممثل‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬العالم‭ ‬ويتعامل‭ ‬معه،‭ ‬وكان‭ ‬مانديلا‭ ‬رمزاً‭ ‬واحداً‭ ‬يسهل‭ ‬التماهي‭ ‬معه‭. ‬أما‭ ‬فلسطين‭ ‬فتواجه‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬بصوتين‭ ‬متناقضين‭ ‬يتنازعان‭ ‬الشرعية‭ ‬والتمثيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الخصم‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬ليقول‭ ‬للعالم‭: ‬من‭ ‬أخاطب؟‭ ‬ومن‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬سيُحترم؟‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلاً‭ ‬هامشياً،‭ ‬بل‭ ‬جوهر‭ ‬معضلة‭ ‬التمثيل‭ ‬نفسها‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استعارة‭ ‬نموذج‭ ‬التحرّر‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حل‭ ‬معضلة‭ ‬التمثيل‭ ‬الموحد‭ ‬التي‭ ‬حلّتها‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬أولاً،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تربح‭ ‬معركتها‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬بعدها‭.‬

والفارق‭ ‬الثالث‭: ‬إن‭ ‬نقطة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأهم‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬وحلفائهم‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬أوروبا‭ ‬التي‭ ‬تتحرّك‭ ‬فعلاً،‭ ‬بل‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭: ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الشاب،‭ ‬والناخبون‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬انقلب‭ ‬رأيهم‭ ‬فعلاً‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬بنسبة‭ ‬الأغلبية‭ ‬إلى‭ ‬الرفض‭ ‬بنسبة‭ ‬الأغلبية‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬فقط،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬فيه‭ ‬الانقلاب‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقية‭: ‬داخل‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬خارجه‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النموذج‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقي‭ ‬لا‭ ‬يُستورد‭ ‬جاهزاً،‭ ‬بل‭ ‬يُستخرج‭ ‬منه‭ ‬المبدأ‭ ‬ويُعاد‭ ‬بناؤه‭ ‬بأدوات‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭: ‬تغذية‭ ‬زخم‭ ‬المقاطعة‭ ‬الشعبية‭ ‬القائم‭ ‬فعلاً‭ ‬بدل‭ ‬الاستهانة‭ ‬به،‭ ‬وتبسيط‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬أخلاقي‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬مفاوضات‭ ‬تقنية،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬القانونية‭ ‬والحقوقية،‭ ‬وحسم‭ ‬مسألة‭ ‬التمثيل‭ ‬الموحد‭ ‬فلسطينياً،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يستمر‭ ‬فيه‭ ‬الانقسام‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬إضافي‭ ‬يمنحه‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬مجّاناً‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬تبرير‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭. ‬ليست‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭ ‬12‭ ‬دولة‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق،‭ ‬بل‭ ‬أول‭ ‬حجر‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬لم‭ ‬يُبنَ‭ ‬بعد؛‭ ‬وبناء‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬منه‭ ‬ليس‭ ‬مهمة‭ ‬الآخرين،‭ ‬بل‭ ‬مهمة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أنفسهم‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭- ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬

السياسية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بير‭ ‬زيت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا