يعد البحر الأحمر واحدًا من أكثر الممرات المائية أهمية في العالم، إذ يمر عبر مضيق باب المندب وقناة السويس نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وجزء كبير من إمدادات الطاقة المتجهة من الخليج إلى أوروبا وآسيا. وهو في الوقت نفسه نقطة تماس جغرافية بين ثلاث قارات، ومسرح تاريخي لتنافس القوى الكبرى منذ فتح قناة السويس قبل أكثر من قرن ونصف قرن. هذه الأهمية ليست موضع خلاف.
تطل على هذا الممر الحيوي ست دول عربية، ويرتفع العدد إلى سبع بضم الصومال، العضو الكامل في جامعة الدول العربية والمُطل على خليج عدن كامتداد استراتيجي واحد مع البحر الأحمر وباب المندب. وحين يتحدث المحللون، عربًا كانوا أم أجانب، عن هذه الساحة، فإن الكلمة التي تتكرر دائمًا هي «الفراغ».
والحقيقة أن هذا الوصف، على شيوعه، غير دقيق. فالوجود العربي في البحر الأحمر ليس غائبًا، بل حاضر بكثافة جغرافية لا تخطئها عين. ما هو غائب فعلًا ليس الوجود، بل الإرادة الجماعية. فجوة البحر الأحمر، إذن، ليست فجوة خريطة، بل فجوة إرادة. هذه المفارقة تستحق تفسيرًا. فالدول الست المطلة لا تنظر إلى البحر الأحمر من زاوية واحدة. مصر تراه من منظور أمن الملاحة وقناة السويس. والسعودية تراه من منظور أمن الطاقة والتوازن الإقليمي في مواجهة إيران. أما السودان واليمن فمشغولان بأزمات داخلية تستنزف كل قدراتهما على التفكير الاستراتيجي البعيد.
والأردن، بحكم قربه الجغرافي المباشر من الممر، يبقى لاعبًا مهما في المعادلة. أما جيبوتي، الدولة الصغيرة التي تحولت إلى ساحة تُؤجَّر فيها الأرض لقواعد عسكرية متعددة الجنسيات، فهي أقرب إلى موقع محايد منها إلى طرف في رؤية عربية جماعية، هذا التباين في الأولويات لم يُترجم يومًا إلى أداة أمنية جماعية حقيقية، رغم محاولات نظرية عديدة نوقشت في أوراق ودراسات متخصصة.
في المقابل، هناك دولتان عربيتان تملكان فعليًا مقومات القيادة في هذا الملف أكثر من أي طرف آخر، وهما مصر والسعودية. صحيح أن أولويات كل دولة تختلف قليلًا في التفاصيل، فالقاهرة أقرب إلى هاجس أمن الملاحة وقناة السويس، والرياض أقرب إلى هاجس أمن الطاقة والتوازن الإقليمي. لكن هذا الاختلاف سطحي أكثر منه جوهري، فالمصلحتان في الأساس متكاملتان. استقرار الملاحة يخدم صادرات الطاقة، واستقرار الطاقة يخدم استقرار البحر الأحمر ككل. وهناك تقسيمً ضمنيً للأدوار بين الدولتين الكبيرتين لأنهما تدركان أن استقرار البحر الأحمر مصلحة مشتركة، وإن اختلفت الوسائل المؤدية إليها. وحين يمكن أن يغيب هذا التنسيق ولو فترة وجيزة، فإن الفجوة لا تبقى فارغة، بل تُملأ سريعًا بحضور أطراف أخرى. فالولايات المتحدة تحافظ على وجود عسكري دائم لحماية الملاحة الدولية. والصين أقامت في جيبوتي أول قاعدة عسكرية خارجية لها، إلى جانب استثمارات موانئ ضخمة ضمن مبادرة الحزام والطريق. وروسيا تُجري منذ سنوات مفاوضات متكررة، لم تُحسم بعد بصورة نهائية، لإنشاء موطئ قدم بحري في السودان.
كذلك هناك تركيا التي أقامت أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشيو، ووقّعت اتفاقيات دفاعية وبحرية مع الصومال تشمل تدريب قواته البحرية وحماية مياهه الاقتصادية، بما وسّع نفوذها مباشرة في القرن الإفريقي على أبواب البحر الأحمر. أما إيران فتستخدم الحوثيين في اليمن كأداة نفوذ مباشرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإسرائيل، رغم أنها لا تُشغّل رسميًا أي قاعدة عسكرية معلنة في البحر الأحمر أو القرن الإفريقي، تشير تقارير استخباراتية ودفاعية متكررة إلى نشاط متصاعد، من التقارب الدبلوماسي مع صوماليلاند وما يُتداول عن تسهيلات في ميناء بربرة، إلى وجود استخباراتي قديم يُنسب إليها في إريتريا لمراقبة حركة الملاحة عبر باب المندب. وإثيوبيا، التي فقدت ساحلها على البحر الأحمر باستقلال إريتريا، تسعى اليوم بكل الوسائل إلى موطئ قدم بحري عبر صوماليلاند، وهي الدولة نفسها التي تشكل منابع النيل الأزرق مصدر أمن مصر المائي، فتصبح بذلك فاعلًا واحدًا بوجهين، بحري ومائي، يمسان الأمن القومي المصري معًا.
وفي ضوء كل هذه الاعتبارات لا بد من التحرك لمواجهة تهديد الحوثيين للملاحة الدولية. فالجهود الدولية الرامية إلى ترويض هذا التهديد، وإن كانت تُقدَّم دائمًا بوصفها دفاعًا عن حرية الملاحة، تتحول في جوهرها إلى أداة ضمن صراع أوسع بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى.
والعرب، الذين هم الطرف الأكثر تضررًا مباشرة من أي اضطراب في هذا الممر، يجدون أنفسهم يتحملون كلفة هذا الصراع، من استهداف السفن إلى استمرار الحرب في اليمن، دون أن يكون لهم استراتيجية عربية متكاملة لحماية الأمن العربي في البحر الأحمر. فقناة السويس شريان اقتصادي لا بديل له، وأي اضطراب في الملاحة عبر البحر الأحمر ينعكس مباشرة على إيراداتها وعلى مكانتها كممر عالمي.
وكما أشرنا، فإن أمنها المائي مرتبط بدوره بالاستقرار في القرن الإفريقي، حيث يلتقي هاجس مصر البحري بهاجسها النهري في معادلة واحدة. فمصر، بحكم موقعها المزدوج بين النيل والبحر الأحمر، ليست طرفًا عاديًا في هذا الملف، بل الطرف الذي يتحمل أكبر كلفة من استمرار غياب الإرادة العربية الجماعية.
المشكلة إذن ليست في الجغرافيا، فالدول العربية موجودة على الخريطة بكثافة لا تُنكر. والمشكلة الحقيقية أن هذا الحضور الجغرافي لم يتحول يومًا إلى إرادة جماعية فعلية، وأن كل دولة تدير علاقتها بالبحر الأحمر بمعزل عن الأخرى، تاركةً لغيرها من القوى الإقليمية والدولية أن تملأ الفجوة التي تركتها. وما لم يتحول هذا الحضور العربي العددي إلى إرادة سياسية موحدة، ذات مؤسسة فعلية وقرار مُلزم فسيظل البحر الأحمر ساحة يديرها الآخرون، بينما يكتفي أصحاب السواحل الحقيقيون بدور أقل من قدراتهم الفعلية. فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تصنع النفوذ. فالخرائط لا تصنع السياسة، وإنما تستطيع الدول ترجمة موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة ونفوذ إقليمي.
{ كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك